فلسفة الفكر الإسلامي 36

‏بالنقطة ٢٨ نناقش عدم الظلم وعدم الاستطالة على الضعفاء. فقال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)، وقال النبي (بئس العبد: عبد تجبر واعتدى ونسى الجبار الأعلى). فيجب عدم الظلم الذي يشمل ظلم الحاكم للمحكوم وظلم الفرد لفرد آخر كالعامل والزوجة والطفل، ويجب اتقاء دعوة المظلوم مهما كان دينه فهي قوية فقال النبي (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنها لي دونها حجاب). بالنقطة ٢٩ نتحدث عن عدم معاونة الظلمة فقال تعالى (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)، وقال النبي (من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد برىء من ذمة الله وذمة رسوله)، (من أعان على قتل أمرؤ مسلم ولو بشطر كلمة يأتي يوم القيامة مكتوب على جبينه آيس من رحمة الله). فيجب عدم معاونة الظلمة بالسكوت أو الإعانة على الباطل والظلم والفساد وضياع الحقوق، وهذا ينطبق على كل من يساعد بدعوى الاوامر فقال تعالى (أن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) والعقاب لمن أمر ولكن أطاع الظلم ومن سكت. النقطة ٣٠ تتحدث عن مواجهة الظلم ومعاونة المظلومين فقال النبي (سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق عند ملك جائر فقتله)، (أن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع أي دون أن يصيبه مكروه). فهدف الفكر الإسلامي أسمى من أن لا يحدث ظلم أو أن لا يعاونه أحد ولكن يكون بمنع الظلم ومعاونة المظلومين المستضعفين والتعاون على رفع الظلم وحماية الناس سواء من شخص أو دولة وعدم الخوف من مواجهة الظلم والقهر.
‏نصل للنقطة ٣١ والتي تتحدث عن عدم قتل الإنسان لنفسه ويقول تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، ويقول النبي (من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة). فالمقصود عدم اليأس والمحاولة من أجل النجاح بالعمل وعدم الاستسلام للشدائد. بالنقطة ٣٢ ‏نتحدث عن العدل ويقول تعالى (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، ويقول النبي (القضاة ثلاثة اثنان بالنار وقاضي بالجنة، فقاضي عرف الحق أتبعه فهو في الجنة وقاضي عرف الحق وعدل عنه فهو في النار وقاضي حكم على جهل فهو في النار. فقالوا ‏ما ذنب الذي يجهل. قال: ذنبه أن لا يكون قاضيا حتى يعلم). فيتضح أنه يجب الحكم بالعدل عن تمحيص وعلم واتباع الحق والمساواة بين الجميع أمام القضاء لتأسيس دولة القانون وحتى لا يضيع حق أحد بسبب ضعفه وإنما يكون الحق والعدل مع الجميع دون تفرقة.

فلسفة الفكر الإسلامي 35

‏نصل للنقطة ٢١ بباب الحياة الاجتماعية والتي تتحدث عن الاعتراف بالخطأ، فهي شجاعة وفضيلة يتحلى بها الفرد، ونجدها بموقف النبي عندما رأى ناس على رؤوس النخل وسأل ما يصنعون فقيل له يلقحونه فقال ما اظن يغني شيئا فلم يفعلوا فلم يثمر وعندما أخبروا النبي قال (إن كان ينفعهم فليفعلوه فإني إنما ظنناً فلا تؤاخذوني بالدم فأنتم اعلم بأمور دنياكم ولكن إن حدثتكم عن الله شيئا فخذوه فاني لن أكذب على الله). فنجده لم يتكبر عن الاعتذار لما تبين له الخطأ في أمور الدنيا وليس أمور الدين ففيها هو لا ينطق عن الهوى الا بوحي من الله. النقطة ٢٢ تتحدث عن النية بالعمل فقال النبي (إنما الأعمال بالنيات ولكل أمرؤ ما نوى...). فالنية تعني الرغبة ودفع النفس والعقل الباطن لهذا العمل فنجد من دروس دفع الذات تحميس الفرد لنفسه بقوله نعم استطيع أن افعلها، انظر لنفسك كل صباح انا قوي، نشيط، ناجح. كله هذا من أجل دفع النفس وتحميسها. وبالنقطة ٢٣ نتحدث عن شرب الخمر فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال النبي (لا تشربوا الخمر فهى مفتاح كل شر). فالخمور تؤدي إلى الكسل والادمان وضياع العقول والصحة وهو ما لا يريده الفكر الإسلامي الذي يدعوا إلى العمل والفكر والصحة الجيدة. والنقطة ٢٤ عن لعب القمار فمن نفس الآية السابقة يمنع الله لعب القمار الذي يؤدي إلى ضياع الأموال والوقت فيما لا يفيد بدلا من استخدامها فيما يفيد المجتمع والدولة.
و‏نناقش الآن النقطة ٢٥ من باب الحياة الاجتماعية وهي قذف المحصنات فقال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ويقول عليه السلام (واجتنبوا السبع الموبقات:...وقذف المحصنات الغافلات). وهو أن لا يتم اتهام أحد خصوصا النساء في أعراضهن، والسباب هو من القذف أيضا ووضع القانون والحد لهذا حتى لا تكون أعراض الناس لعبة. بالنقطة ٢٦ نناقش السرقة وقال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فالسرقة بالبيع وبامتهانها وليس عن جوع هي مفسدة للمجتمع والأسواق ويجب العقاب عليها بقول الله تعالى. النقطة ٢٧ تتحدث عن قطع الطريق والفساد فقال تعالى ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا العقاب الشديد لكل من تسول له نفسه أن يعيث في الأرض الفساد والقتل واستباحته ومن يرهب الناس، وهذا حتى يكون عبرة لغيره فلا ينتهك أحد المجتمع.

فلسفة الفكر الإسلامي 34

‏نصل الآن إلى النقطة ١٧ بباب الاجتماع وهي عدم التكبر وقال الله تعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، وقال النبي (ما من رجل يختال في مشيته ويتعاظم في نفسه إلا لقي الله وهو عليه غضبان). فيجب ألا يتكبر الفرد على أحد بل يتعامل أنه متساوي مع الجميع. فكان النبي في السفر يجمع الحطب من أجل إشعال النار ويقول لأصحابه عندما يريدون أن يكفوه العمل، اني أكره أن أتميز عليكم، وكان يحمل الرمال على كتفيه في حفر الخندق حول المدينة بغزوة الأحزاب. وعليه كان موقف عمر بن عبد العزيز عندما قام لملىء زيت المصباح فقال له معاونه أن يقوم هو ليملأه فقال ما أضرني إن فعلت قمت وأنا عمر وعدت وأنا عمر. فالمساواة بين الجميع هي أساس الفكر الإسلامي. وبالنقطة ١٨ نتحدث عن التواضع فقال النبي (ما تواضع أحد لله إلا رفعه). ونتعلم من النبي أنه كان يخدم نفسه، وعندما وقف له أصحابه قال (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً). فالتواضع يجعل من الناس محبين للشخص ولبعضهم واحساسهم بالقرب والمساواة، وهذا يجعل من الفرد غير متكبر ولا يشعر بقوته فلا يظلم أحد.
و‏ندرك بالنقطة ١٩ من باب الاجتماع أهمية قول الحق. فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، وقال النبي (قل الحق ولو على نفسك). فيجب على الفرد الشهادة بالحق حتى لو على أهله، فالسكوت عن الحق كمن فعله ومشارك فيه بل هو مثل الذي نطق بالباطل لأن بسكوته ضاع الحق وقوي الباطل. ويجب قول الحق للحاكم دون خوف فقال النبي (سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق لملك جائر فقتله). وهذا حتى لا تضيع الحقوق بين الناس وفي الدولة ولا يستبد الظالم عندما لا يجد من يقول الحق له. وبالنقطة ٢٠ نتحدث عن عدم شهادة الزور فقال تعالى (واجتنبوا قول الزور)، وقال النبي (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر:...وشهادة الزور إلا وشهادة الزور وقول الزور). فالزور يؤدي إلى ضياع الحقوق وانتشار المفاسد والضغائن بين الناس.

فلسفة الفكر الإسلامي 33

‏بالنقطة التاسعة بالباب الثالث الخاص بالحياة الاجتماعية نناقش البر بالوالدين ونسمع قول الله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً)،وقال النبي (لعن الله من سب اباه ولعن الله من سب أمه)،حتى من وصايا النبي للبر بالوالدين أنه عندما جاءه أحدهم ليبايعه للجهاد قال له أحي والديك؟قال نعم قال له ففيهما فجاهد.وهذا من أجل الحفاظ على الأسرة والترابط العائلي. وبالنقطة العاشرة نرى صلة الرحم وأهميتها فقال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)،(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) فصلى الرحم تقوي العلاقات الأسرية والمجتمعية وترابطه وتمنع تفككه. وعن الصدقات أوصى النبي بأن تكون الأولوية لذو القربي تراحما وترابطا. وحتى أنه قال (ليس الواصل بالمكافىء ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) فأوصى بصلة الرحم حتى مع من يقطعها لتزداد العلاقة ترابطا من الآخرين بتواصل الفرد معهم.
‏نصل للنقطة ١١ باب الاجتماع وتتحدث عن حقوق كبار السن. فقال النبي (ليس منا من لم يعرف شرف كبيرنا)، ونجد من موقف عمر بن الخطاب مع الشيخ اليهودي وقال ما انصفناه أن اكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.كل هذا يدل على احترام كبار السن والرحمة بهم ويجب اجلالهم وتوفير لهم الرعاية الخاصة بهم. وبالنقطة ١٢ نتكلم عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى فقال النبي (انطلقوا بنا إلى بني واقف نزور البصير) فكان الوصف للرجل الضرير بكلمة البصير مراعاة لشعوره والتودد والزيارات من أجل الترابط الاجتماعي ولا يشعر أحد بالوحدة والإحباط. النقطة ١٣ عن الزنا فقال تعالى (وَلَا تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا) فالزنا يؤدي إلى فساد المجتمع والأخلاق واختلاط الأنساب. وقال النبي (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العينين النظر ، وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) فأوضح النبي خطوات التحرش التي يجب أن يتجنبها الفرد حتى لا يزيد الأمر من العين تدريجيا إلى النفس التي تشتهي ومنها إلى الزنا.
وبالنقطة ١٤ نصل إلى الربا الذي يحرمه الله بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقد أوضحنا بباب الاقتصاد ما هي الأسباب والأضرار الاقتصادية التي تنتج عن الربا من رفع الأسعار والضيق على الناس. وبالنقطة ١٥ نتحدث عن الصدق وعدم الكذب ويقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، وقال عليه السلام (آية المنافق ثلاث:...، إذا حدث كذب). فشدد الفكر الإسلامي على الصدق وعدم الكذب من أجل عدم ضياع الحقوق والأخلاق بين الناس.النقطة ١٦ تتحدث عن الوعد وعدم الغدر فقال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، وقال النبي (آية المنافق ثلاث:...، وإذا وعد أخلف). فنؤكد هنا على الصدق والوفاء بالوعود والعهود وعدم الغدر بها مع أي أحد كما تحدثنا بالباب الأول عن الوفاء بالمواثيق، ومن الوفاء بالوعد يكون إحترام الوعد بالمواقيت وهو يعطي انطباع عن الشخص واحترامه لذاته ويساعد على التقدم.

فلسفة الفكر الإسلامي 32

‏نصل الآن إلى النقطة السادسة بباب الاجتماع وهي حقوق المرأة.فقال تعالى(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).فالرجال والنساء متساوون لا يتم التفرقة بينهم وقوله تعالى (قوامون) معناه أن الرجل يقيم على صالحها ويخدمها ولا يأخذ من مالها بل إن استطاع فليوفر لها الخادمة وينفق عليها ولا يمس مالها الا بالتراضي.ونجد بآيات كثيرة يخاطب الله الرجال والنساء على حد سواء وبايع النبي الرجال والنساء على السواء فقال عليه السلام(النساء شقائق الرجال).وفي الزواج أوصى النبي أن لا تنكح المرأة إلا بإذنها وقد قام برد زواج أكثر من سيدة لأنهن زوجوهن بدون رضا منهن.وأوصى بالمهور وأنها تؤخذ حتى ولو شيء بسيط على قدر المتسطاع تقديرا للمرأة ودون غلو.وحق المرأة في الطلاق والخلع والميراث والحضانة وكيفية المعاملة الأسرية من حيث الرحمة والتعاون وعدم الضرب وان قول الله تعالى (واضربوهن) بمعنى الفراق بين شيئين كقول ضرب بالكلام الحائط وقول الله تعالى لسيدنا موسى واضرب بعصاك البحر لينفلق ويفترق،وحتى لا يحدث يكون بمسواك وهذا تصرف الضعفاء فقبلها يوجد حلول الهجر بالمضاجع ومحاولة الحديث من أجل التفاهم أو إدخال حكم عدل من الأهل للصلح.ونجد أن النبي كان يمازح زوجاته ويسابق السيدة عائشة ويضع لها ركبته لركوب الحمل كما يحدث الآن من فتح باب السيارة للسيدات تبجيلا وتوقيرا.ونجد أن الفكر الإسلامي حل مشكلة النوع الاجتماعي أو الجندرية وهذا بعدة نقاط فجعل للمرأة تاء التأنيث ونون النسوة في اللغة في المهنة أو الفعل التي تصفها كشخص له ذاته وليس تابع،قال تعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) وهذا لعدم الاختفاء بالذكر عن الانثى فهم سواء،حق التعليم بقول النبي (العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) فهي من تربي وتعلم الأسرة وهي الأساس لها،حق الملكية الخاصة دون تفرقة،وفي العمل السياسي وجدنا بيعة النساء والرجال على السواء للنبي وحقهم في العمل السياسي كما ذكرنا بالباب الأول.وأكد الفكر الإسلامي على حماية المرأة وعرضها ووضع حدا قويا لمن يرمون المحصنات بأي شائعة تلوثها حماية لها ولأسرتها.
و‏نناقش بالنقطة السابعة بباب الاجتماع التعامل مع الاطفال وحقوقهم، فنجد من تعامل النبي مع الاطفال كيفية التقرب والرحمة بهم فكان يصلي وهو حامل لابنة ابنته زينب، وكان يجلسهم في المجالس ليزدادوا علما ويشجعهم على الثقة بالنفس والتعبير عن رأيهم. حتى أنه استأذن طفل جالس على يمينه أن يشرب الكبار قبله ولكنه رفض فاحترم رغبته. وقال النبي (ليس منا من لم يرحم صغيرنا). بالنقطة الثامنة نتحدث عن عدم قتل النفس البشرية فقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وقال النبي (اجتنبوا السبع الموبقات:...وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق). فمنع الفكر الإسلامي قتل أحد الا في حالة الدفاع عن النفس والمال والعرض والأهل والأرض، وهذا حتى لا تكون غابة يأكل فيها القوي الضعيف.

فلسفة الفكر الإسلامي 31

نصل للنقطة الرابعة بباب الاجتماع والتي تتحدث عن مراقبة ومحاسبة النفس. فقال الله تعالى (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10))، وقال النبي (حسنوا أخلاقكم)، (المجاهد من جاهد نفسه). في الدعوة للأخلاق يكون الإنسان على نفسه رقيبا وحسيبا ويجاهد نفسه في التحكم بشهواته وأن لا تتغلب عليه ويبعد عن الاغراءات البشرية بقدر الامكان. فيستعمل الرقابة الذاتية، وتكون نفسه اللوامة هي المواجهة والضمير والرقابة الداخلية له فيتكون مجتمع فاضل تقل فيه الأخطاء البشرية. والالزام الخلقي يكون داخلي ومن تسول نفسه الخروج عن الأخلاق يرده المجتمع وإن زاد وأضر بغيره يكون القانون هو الحد له. فالرقابة تكون بسلطة داخلية من نفس الفرد، وسلطة خارجية هي المجتمع الذي يوجهه للفضيلة مع سلطة الدولة التي تضع القانون لتحده وتمنعه من الخروج عن الأخلاق والآداب العامة.
‏نكمل سوياً النقطة الخامسة باب الحياة الاجتماعية والتي تتحدث عن الحفاظ على حقوق الإنسان. تحدثنا بالسابق في باب السياسة عن العدالة والمساواة والغاء العبودية والحريات الشخصية وحرية العقيدة وكل هذا من سبل حماية حقوق الإنسان. فقال تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)، (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). وقال النبي (إن ربكم واحد وأن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى). فنجد بآيات وأحاديث متعددة وجود ميثاق شرف لحماية حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي بين الناس. وشدد الفكر الإسلامي على مقاصد الشريعة التي تحمي كل حقوق الإنسان وهي حماية النفس والمال والعقل والنسل والدين وعدم التعرض لهم وحق كل فرد فيهم. وأحق الفكر الإسلامي للإنسان تطبيق العدل والمساواة وعدم التعرض لأحد وعدم التعذيب وحماية الروح والمال والعرض والحقوق الاقتصادية وحق التعليم والرعاية الصحية. ويكون ذلك بضمان الحرية الشخصية الدينية والسياسية والاقتصادية والمساواة بين الجميع وتطبيق القانون على الجميع دون تفرقة.

فلسفة الفكر الإسلامي 30



النقطة الثانية بباب الحياة الاجتماعية تتحدث عن حسن الأخلاق والدعوة لها فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12) وقال النبي (إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق) فيجب على الفرد أن يدعو للأخلاق والفضيلة بأفعاله ومعاملته مع الناس. فقام عمر بن عبد العزيز بصرف ما بين ١٠٠ إلى ٣٠٠ دينار لكل من يفعل شي في صالح المجتمع، ومن هنا ننطلق بموجب قانون لدعم كل فرد يساعد المجتمع سواء ماديا أو معنويا درجات للطلاب أو تكون بديلا عن عقوبة السجن لمن أجرم بحق المجتمع بالخدمة في مراكز للعجزة مثلا. ونجد.من المعاملة الحسنة أنه انتشر الدين في مناطق لم يطأها الجيش مثل وسط وغرب أفريقيا وأقصى شرق آسيا باندونيسيا وجنوب أوروبا ولكنه انتشر بالتجارة وحسن المعاملة.
‏نصل للنقطة الثالثة بباب الاجتماع وتناقش الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يكون له أساليب وقواعد حضارية ولا يكون بالاجبار. فقال تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ ‏الْمُفْلِحُونَ)، وقال النبي (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فالفكرة هي المشاركة المجتمعية بالإصلاح وتوجيه القريب والبعيد لطريق أفضل. وشجع الفكر الإسلامي على هذا كما قلنا بالسابق عندما أمر عمر بن عبد العزيز أن يتم ‏صرف مال لكل من يساعد غيره من منطلق قول الله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تشجيعا من الدولة والمجتمع ليتشجع كل فرد على العمل الصالح ‏والنهوض بالمجتمع لأفضل ما يكون. وهنا تأتي فكرة إلزام الشخص بتغيير نفسه ومن ثم محاولة نصح الآخر وليس إلزامه. فبهذا يكون التغيير باليد بمساعدة الغير وباللسان بالنصح. ويجب أن تتوفر شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي: أن يتحلى الفرد بالقول الحسن واللين فقال تعالى ‏(وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) فلا يكون الفرد شديدا حتى يتقبل منه النصيحة، وأن لا يكون هناك اجبار بتقبل النصح فقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).

فلسفة الفكر الإسلامي 29



نصل سويا إلى الباب الثالث الخاص بالحياة الاجتماعية. والذي يناقش العلاقة بين الفرد والمجتمع والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الفرد من أجل بناء مجتمع فاضل وهذا يتحدد بأربع اركان هي: دور المجتمع في الدولة بحديث (جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يَشكو جارَهُ ، فقالَ : اذهَب فاصبِر فأتاهُ مرَّتينِ أو ثلاثًا، فقالَ: اذهَب فاطرَحْ متاعَكَ في الطَّريقِ فطرحَ متاعَهُ في الطَّريقِ، فجعلَ النَّاسُ يَسألونَهُ فيُخبِرُهُم خبرَهُ، فجَعلَ النَّاسُ يلعنونَهُ: فعلَ اللَّهُ بِهِ، وفَعلَ، فجاءَ إليهِ جارُهُ فقالَ لَهُ: ارجِع لا تَرى منِّي شيئًا تَكْرَهُهُ) وهذا يكون العزل الاجتماعي للأفراد ذوي الاخلاق الغير جيدة فيقومهم تعامل المجتمع معهم. والركن الثاني علاقة الفرد بالمجتمع بقول النبي ( من رأي منكم منكرا فليغره بيده، فلبساته، فبخقلبه وذلك أضعف الإيمان) وهو الدعوة لتفاعل الفرد بالمجتمع وتغييره، ولكن ليكون العمل صحيحا اليد تكون بالمساعدة وليس الأذى واللسان بالموعظة الحسنة. والركن الثالث علاقة الفرد بنفسه فقال الله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فيعمل الفرد على إصلاح نفسه وتغيير نفسه للأفضل حتى يكون قدوة للغير في العمل الصالح ويسعى لبناء مجتمع وأسرة أفضل.والركن الرابع للناس عامة بقول الله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فيكون التعاون بين الناس والدول من أجل السلام والمحبة لتوحيد الأمم والناس على هدف واحد وهو نشر السلام. وسنبدأ في وضع أسس الأخلاق للفرد والمجتمع علنا نستيطيع التخلي بها.
ندرك بأولى نقاط باب الحياة الاجتماعية أن الأساس للتغيير هو الفرد ورغبته بالتغيير بنفسه، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فالدعوة لإصلاح النفس هي الأساس من أجل إصلاح المجتمع والدعوة للأخلاق. فعلى الفرد أن يقوم بالنقد الذاتي لنفسه من أجل هذا. وقال النبي (عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأعظم: جهاد النفس) وجهاد النفس هو تغيير واصلاح الفرد لنفسه وربط الحالة الروحية بالحالة المادية ليصل الفرد إلى الأخلاق متغلبا على شهواته المادية. ومن صلاح النفس والمجتمع يتضح من قول النبي (كيفما تكونوا يولى عليكم) فيكون من صلاح الفرد والمجتمع صلاح الحكومة والدولة والعكس صحيح، فقوة الشعب وأخلاقه تجعل من الصعب أحد السيطرة عليه وجعله فاسداً. أما إن كان الشعب فاسد الأخلاق يولى عليه من اختياره الفاسد والظالم ويوافق على أفعاله. فكبت جماح النفس وتغييرها للأفضل يعود على الفرد والمجتمع والدولة بالصلاح. فالشعب هو المكون الأساسي للدولة، والفرد هو أساس المجتمع.

فلسفة الفكرالإسلامي 28



نصل سويا إلى التنمية الاقتصادية وكيفية إتمامها وتكون بتوجه الدولة إلى عمل مشروع قومي قوي يفيد الدولة ويقوي اقتصادها، والتوجه إلى المشاريع متوسطة الأجل التي تنمي الصناعات الهامة كالحديد وغيرها، مع تمويل المشاريع الصغيرة التي تعمل على تنوع الإنتاج وقوته. هذا مع قيام الدولة بعمل المصانع المختلفة في المجالات الحيوية والهامة والمختلفة من أجل وجودها كحائط صد أمام الاحتكار وتكون قادرة على مراقبة السوق والأسعار بحكم علمها بالتصنيع. وتعمل الدولة على توفير المواد الخام التي يحتاجها المنتجين بتكلفة استيرادها دعما للإنتاج. هذا غير الاجراءات التي ذكرناها في النقاط السابقة التي تحمي المستهلك وتمنع الاحتكار والربا. وتقوم الدولة بوضع الخطط الاستراتيجية التي تعمل على ترشيد الإنفاق والتخطيط الاقتصادي للمشاريع التي تنمي وتقوي الاقتصاد عالميا وتوجيهه إلى ما هو أفضل. وتقوم الدولة بتشجيع الاستثمارات المختلفة المحلية والأجنبية ولكن بشرط أن تكون إنتاجية حيوية وليست استهلاكية فقط، وتكون مفيدة للدولة بنقل التكنولوجيا والتقنية الحديثة مع تشغيل العمالة وتنمية مهاراتها. تقوم الدولة بعدالة توزيع الانتاج والثروة ويكون بالضمان الاقتصاد
الذي يحدث عن طريق وجود حد الكفاية للفرد وتأمين له حياته وراتبه الذي يكفيه مع مدخرات تحميه، ضمان الملكية الخاصة وحق الفرد في العمل والترقي، استخدام الكفاءة والخبرة وتنمية العمالة والمهارات، عدم تقييد الحرية الاقتصادية.

عدلات الإنتاج والاستهلاك العام والاستثماري وعمل الدراسات اللازمة لعمل نمو على المدى البعيد. وخلاصة باب الاقتصاد نجد أنه يحقق التخطيط والتنمية البشرية واستقرار لزيادة فرص التنمية. وما يميز الفكر الاقتصادي الإسلامي هو أن الفرد يعمل ما بوسعه من أجل المصلحة العامة التي تصب بالمصلحة الخاصة، الجمع بين الحالة الروحية والمادية واعلاء الحالة الروحية حتى لا يحدث ضرر للآخر، ضمان حد الكفاية للفرد. ويحل المشاكل الاقتصادية بإزالة الظلم في التوزيع بالعمل وتحقيق ما يحتاجه أفراد المجتمع وتشجيع الملكية الخاصة وتنمية الإنتاج بالعمل واستخدام وسائل التنمية الاقتصادية.

فلسفة الفكر الإسلامي 27



نناقش بالنقطة السادسة بباب الاقتصاد مصارف أموال الدولة. وقد وضحنا سابقا بالعدالة الاجتماعية ودور الدولة فيها في الباب الأول أن من أسس ودور الدولة هو تحقيق العدالة في توزيع الثروة ويكون هذا بتحسين الأحوال الصحية وعمل مظلة صحية تشمل المجتمع كله وتنمية ودعم التعليم ودعم الأفراد بالمساعدات المادية لذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال والعجزة والعجائز وطلاب العلم واعانات البطالة والصرف على توفير المسكن لأفراد الشعب الذي لا يملك مسكن وتعمل الدولة على إقامة المشاريع للتنمية الاقتصادية بعمل مشاريع قومية أو مشاريع متوسطة المدى أو قصيرة المدى ودعم المشاريع الصغيرة وهذا هو موضوع النقطة القادمة.
بالنقطة السابعة في باب الاقتصاد والتي فيها نناقش خطوات التنمية والنتائج الاقتصادية المترتبة عليها يجب أن نعي بالبداية بعض المسائل الاقتصادية مثل: مسألة التنمية المجتمعية وهي الأساس في الفكر الاقتصادي الإسلامي لأن بالعناية بالفرد واعطاءه الكفاية الاشباعية والتوزيع العادل للثروة عن طريق العدالة الاجتماعية وأوجه الإنفاق التي تحدثنا عنها بالنقطة السابقة وبنقطة العدالة الاجتماعية وتحقيق نمو تعليمي وصحي وفكري يؤدي إلى تنمية موازية للتنمية الاقتصادية أما الاهتمام بالتنمية الاقتصادية فقط يؤدي إلى مشاكل مجتمعية وتآكل الطبقة الوسطى. المسألة الثانية هي فائض القيمة والتي تنتج عن تقليل التكلفة بخفض العمالة لوجود الآلات أو للتوفير وهذا يؤدي إلى وجود بطالة وبالتالي ضعف القوة الشرائية للمواطنين بسبب وجود عرض أكثر من الطلب، ويكون الحل هو زيادة الإنتاج وتنوعه في مجالات وسلع متعددة ومختلفة. فيكون النتيجة عدم وجود بطالة وزيادة في الإنتاج وقوة شرائية عالية نتيجة وجود مال بأيدي الأفراد. فمهما تم تقليل التكلفة والعمالة ولكن مع زيادة الإنتاج وتعددها لن يحدث انخفاض في القوة الشرائية ولا زيادة بالبطالة بسبب الطلب المتعدد للسلع ووجود عرض يوفيها. مسألة الندرة النسبية وتحدث نتيجة قلة الموارد بالنسبة لعدد السكان الذي يتطلب إنتاج. ويكون حلها بتشجيع العمل والإنتاج بقوة من أجل توسيع التبادل التجاري والعولمة التجارية والمنفعة المتبادلة بين الدول، وهذا ما يسعى إليه الفكر الإسلامي بتشجيع العمل والإنتاج كما تحدثنا بنقطة عناصر وعوامل الإنتاج.

فلسفة الفكر الإسلامي 26



نعرف سويا بالنقطة الرابعة بباب الاقتصاد ما هي فروع الاقتصاد التي تعتمد عليها الدولة. أولاً الزراعة فقال النبي (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طيرا أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)، (من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها). فشجع الفكر الإسلامي على الاهتمام بالزراعة بتمليك الأرض لمن يحييها ويستصلحها ويأخذها ممن يبورها لانه بهذا يضر الإقتصاد. فتعمل الدولة على شق الترع وتيسير القروض للاستثمار الزراعي من أجل أن تملك الدولة قوتها ولا تعتمد على أحد بإستيراد غذائها. ثانياً الصناعة والتجارة فقال الله (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)، وقال النبي (تسع أعشار الرزق في التجارة) فشجع الفكر على الصناعة والتجارة واستخدام ما يظهر من الأرض كالحديد والمعادن في عمليات التصنيع والسعي في التجارة من أجل التوسع الاقتصادي في كل المجالات والزيادة في التبادل التجاري. ثالثاً البحث العلمي وهو مجال مهم في فروع الاقتصاد ويدعم التنمية الاقتصادية بفروعها، فبه يتم التطوير في الآلات الزراعية والصناعية وما تحتاجه الدولة من أجل تنمية الإنتاج.
نصل سويا إلى النقطة الخامسة بباب الاقتصاد وهي عناصر وعوامل الإنتاج. وأول هذه العوامل هي العمل والادارة، فقال تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال النبي(عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس) وجهاد النفس في الحياة من أجل العمل والإدارة والإصلاح الاقتصادي والمجتمعي بعدم الغش وبالاخلاق والقيم العليا. ونجد أن الآية الكريمة تحث على العمل بعد أداء فريضة الصلاة وعدم المكوث في انتظار الرزق بل السعي له، وهكذا قال النبي لأحد أصحابه عندما أراد الاعتكاف: لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله اي العمل وخدمة المجتمع أفضل من صلاته في بيته ستين عاماً). ويجب الاهتمام بالطاقة البشرية التي هي أساس وقوة العمل وحماية حقوق العمال والأيدي العاملة فقال النبي (أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه). فيجب أن يحفظ حقوق العمال وساعات العمل وعدم زيادة الجهد عليهم بالعمل. وثاني عامل هو الثروة والموارد الطبيعية ولا تكون المال بل يكون الثروة المعدنية والطبيعية والأراضي التي يجب أن نسعى للبحث عنها من أجل التطوير والاستخدام في الإنتاج. ثالث عامل هو رأس المال ويتكون من أدوات الإنتاج والسلع والتي تساعد على العمل والتطور الاقتصادي والتبادل التجاري وتنمية عجلة الإنتاج.

فلسفة الفكر الإسلامي 25



وصلنا إلى النقطة الثانية بباب الاقتصاد والتي تتحدث عن انواع المداخيل المالية لاقتصاد الدولة وأولهم الزكاة فقال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) وهي فرض على كل فرد بنسبة محددة على ماله سواء العيني أو المنقول بعد مرور عام على ما يفيض منه ويكون تعدى النصاب الخاص بها، ومن أشكالها زكاة الفطر وزكاة الدخل بنسبة ٢,٥٪ وزكاة الزروع بنسبة نصف العشر وزكاة الحيوانات وتختلف على حسب النوع بعد نصابها فمثلا الإبل ما يزيد عن خمس رؤوس تجوب عليها ما يقابل ٢٥ درهم اي بنسبة العشر، في الغنم بنسبة العشر بعد المائتين رأس،والابقار بنسبة ٢,٥٪ إذا زادت عن رأسين. زكاة الذهب وهي بنسبة ٢,٥ بالمائة بعد نصابها الذي يقدر ب٨٥ جراما. وثاني انواع المداخيل هو الخراج أو الضرائب التصاعدية وهي على الأغنياء فقط وتكون بنسبة الربع أو الثلث على الربح سواء أرض أو تجارة بعد مرور العام عليها. والفكرة فيها الحد من تضخم الثروات بشكل غير عادل في توزيع الثروة وتمنع من وجود التكتلات الاقتصادية وفتح السوق أمام صغار المستثمرين بدلا من تحكم الكبار بالسوق. النوع الثالث هو الصدقة وهي اختيارية للفرد كيفما يشاء فقال النبي (اتقوا النار ولو بشق تمرة). النوع الرابع وهي الجزية وهذا في حالة واحدة فقط إذا لم يشترك غير المسلمين في الدفاع عن الدولة وما غير ذلك فتسقط عنهم. النوع الخامس وهي الضرائب التي تطبق على العشور والأرض والممتلكات وعلى من لا يوجب عليه زكاة أو غيرها. والفارق بين الزكاة والضرائب الحديثة أن الاولى تؤخذ بعد النصاب الخاص بها اي مدخرات تحميه وبعد أن يحصل الفرد على احتياجاته كاملة، أما الثانية تخصم من الفرد دون أن يكفي المتبقي حتى مأكله أو إذا تبقى منه لا يكون بالقدر الذي يجعله في حالة استغناء عن الحاجة. وهذا مقصد الفكر الاقتصادي الإسلامي بإغناء الناس وتوفير لهم حد الكفاية.
‏نناقش في النقطة الثالثة بباب الاقتصاد فكرة الملكيات لدى الدولة، والتي تتكون من: الملكية العامة والتي يجب أن تكون موجودة بالدولة ولا غنى عنها. فقال النبي (الناس ذكاء في ثلاث الماء والكلأ أي الطعام والنار) فيجب أن تكون المصادر الأساسية للحياة ملكية عامة في الدولة حتى لا يتحكم أحد بالناس ومصادر الطاقة والكهرباء والمياه والغذاء، وتكون الدولة مصنعة ومنتجة لجميع أنواع البضائع الأساسية لتكون كحائط صد أمام تحكم القطاع الخاص بالسوق، وتستطيع الدولة بحكم انها مصنعة على دراية كبيرة بالتصنيع والإنتاج والجودة والتكلفة فتكون الرقابة من موضع قوي وسليم. الملكية الثانية هي الخاصة والتي شجع الفكر الإسلامي عليها وعدم انتزاعها كما تحدثنا من قبل. فتعمل على تعدد المنافسة وتعدد الإنتاج والعمل على زيادة الاستثمار بتشجيع المشاريع الصغيرة كما فعل عمر بن عبد العزيز بإعطاء قروض للمزارعين لتنمية الأراضي. وتكون الملكية الخاصة مقياس ثروات الشعوب بالإضافة الى الملكية العامة. فمع وجود تخطيط فردي خاص ولامركزي حكومي يحدث اقتصاد حر بلا فردية بالرقابة على الإنتاج الخاص، ونظامي بلا جماعية بإدارة من الدولة دون ملكية عامة تسبب لامبالاة في الإنتاج.

فلسفة الفكر الإسلامي 24



‏نناقش في القاعدة الرابعة من قواعد الاقتصاد الإسلامي بالباب الثاني عدم الغلو في الربح والعدل في البيع والشراء. فقال تعالى (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84)وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)) فالفحش في الربح يأتي بالغش وزيادة الأسعار، والعدل كما قال علي ابن ابي طالب أن تكون الاسعار لا تجحف في البائع والمبالغ. ويتم هذا عن طريق وجود مراقبة للسوق، حكومة مصنعة، تعدد منافسة وتعدد إنتاج. فلا يسمح بهذا أن يتلاعب أحد بالاسعار ويزيدها على الناس ويضيق عليهم. القاعدة الخامسة أن يكون المال حلال وهذا يحدث عن طريق عدم الاتجار بما يحرمه الله، ملكية المال بعدم بيع غير المملوك، عدم الغش أو النصب، عدم بيع المنتج قبل خروجه بقول النبي (لا تبتاعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها وتذهب عنها الآفة)، عدم البيع على بيع الآخر بمعنى عدم الزيادة على سعر أحد، عدم بيع العربون وهو حجز البضائع بعرابين مدة كبيرة قد يزيد او يقل بها السعر، عدم بيع الديون، عدم ابخاس اثمان البضائع، عدم الربا. وهذا من أجل أن يكون المال حلالا وفي نفس الوقت يوجد رضا في التبادل التجاري.
‏نناقش القاعدة السادسة من نقطة قواعد الاقتصاد بالباب الثاني أنه لوجوب صلاح المال يجب المشاركة في الربح والخسارة وليس في الربح فقط، لان هذا ظلم لأحد طرفي المعاملة التجارية. ومن أشكال هذه التجارة هي: المضاربة وتعني الاستثمار المالي بالشركات والحصول على أرباح بعد دورة رأس المال والمصاريف مع المشاركة بالخسارة، المرابحة وهي التجارة العادية بالبيع والشراء، المشاركة المباشرة، الإجارة، السلم وهي دفع سعر سلعة مع تحديد السعر والمواصفات على أن يتم الوضع بالحسبان الزيادة والنقصان. القاعدة السابعة عن الإضرار بالأرض فقال النبي (الأرض لمن يزرعها)، (من احيا أرضا ميتة فهي له). فالفائدة تمون بالزراعة وإعمار الأرض وليس تبويرها. القاعدة الثامنة عن عدم اكتمال المال فقال تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). والمقصود بسبيل الله هو الجهاد الأعظم الذي تحدث عنه النبي وهو العمل والاجتهاد بالنفس للصلاح الاقتصادي والاجتماعي. لأن تكنيز الأموال في البنوك يوقف عملها بالسوق وإيقاف الإنتاج، وبقلة الإنتاج مع ازدياد الطلب سيحصل تضخم وهذا ما لا يريده أن يحدث الفكر الاقتصادي.

فلسفة الفكر الإسلامي 23



في النقطة الأولى بباب الاقتصاد التي تناقش أسس وقواعد الاقتصاد الإسلامي وصلنا للقاعدة الثانية وهي عدم الربا فقال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وقال النبي (الذهب بالذهب مثلاً بمثل وسواء بسواء). فالبيع يكون بمقابل مادي يساوي قيمة الشيء هو الحلال أما ما يزيد عن هذا فيكون الإخلال بقاعدة من قواعد الاقتصاد الإسلامي وهو الربا بالمال. ويكون البيع دون فوائد ربوية، فمن أشكال الربا بيع النسيئة والعينة. فالنسيئة هو بيع سلعة على أجل بسعر أعلى من السعر الحقيقي، والعينة هو بيع سلعة على أجل بأعلى من السعر الحقيقي ثم يقوم البائع بشرائها من المشتري بسعر أقل بمبلغ فوري ويتحمل المشتري فارق السعر. ففي الحالتين يكون تجارة بالمال وربا وهو ما يزيد كاهل الناس بزيادة أسعار المنتجات عليهم. ونفس الشيء مع البنوك التي تعطي فائدة عاليه هذا يجعل من الناس تكدس أموالها للحصول على فوائد دون تعب مما يضر بالاقتصاد. فالغاء الفائدة يساعد إلى الاستثمار خصوصا بالمشاريع الصغيرة التي تنمي الاقتصاد. ومن أضرار الربا أنه يؤدي إلى التضخم بسبب زيادة الفوائد على القروض التي تقدمها البنوك التي تجعل من المصنع يزيد في سعر البيع لسداد الفوائد وأصل المبلغ. والمفترض أن تقوم البنوك بمبدأ المشاركة وليس القروض الربوية.
تصنيع مما يؤدي إلى البطالة وبالتالي نقص القوة الشرائية، ويؤدي إلى مشاكل اجتماعية أيضاً بسبب الانانية والإضرار بالغير ومنها إلى الإختلاف والفوارق الطبقية. وحل المشكلة يكمن في الخراج أو الضرائب التصاعدية بالمفهوم الحديث وتفرض على أصحاب المؤسسات ورؤوس الأموال العالية فتكون تصاعدية، نسبة الضريبة مع تصاعد الارباح فعندما يزداد نسبة الضرائب المدفوعة سيتوقف تضخيم رأي المال لهذه المؤسسة عند حد معين لأن ربحها لن يكون لها، إيجاد قوانين على المحتكر بالمنع بالاتجار مثلما فعل عمر بن الخطاب عندما رأى أحد الأشخاص يبيع سلعة بالسوق بأقل من سعرها، كما وأن تكون الدولة مصنعة ومنتجة فتكون موفرة للمنتجات الأساسية للمواطن، مراقبة الأسواق والإنتاج والتسعير، تعدد المنافسة والملكية من أجل المصلحة العامة بتعدد الإنتاج.

فلسفة الفكر الإسلامي 22



وصلنا إلى الباب الثاني وهو باب الاقتصاد الإسلامي الذي نناقش فيه مبادىء وأسس الاقتصاد. وفي البداية كمقدمة نؤكد على أن الاقتصاد هو أساس بناء الحضارات والأمم، وهو من الجهاد الأكبر الذي تحدث عنه النبي، حيث يجاهد الفرد نفسه والحياة. فيعمل على عدم الإضرار بالغير وعدم الربا والاحتكار لضمان عدم حرمانية المال، ويجتهد الحياة حيث يعمل على بناء الدولة واقتصادها وبناء الحضارة. وأكد النبي على أهمية العمل فقال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أحدكم ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجراً) ليدلل على أهمية العمل وأهمية العنصر البشري في بناء الدولة. وسنجد كيف أن الاقتصاد الاسلامي يهتم بالفرد والمجتمع ولا يسحق واحد مقابل الآخر وكيف أنه يهتم بتوفير احتياجاته بضمان حد الكفاية وعدم تحصيل الضرائب بأنواعها إلا بعد ضمان هذا الحد للمواطن الذي يجعله يوفر كل احتياجاته. ويقوم الاقتصاد الإسلامي على ثلاثة مبادىء هي الملكية المزدوجة، الحرية الاقتصادية، العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وضمان حد الكفاية.
و‏في بداية الباب الثاني الخاص بالاقتصاد نوضح ما هي الأسس والقواعد التي يجب توافرها لإجراء العملية البيعية والصناعية والتجارية وللمال المتاجر به وهي أولاً: الرضا والأمانة في التبادل التجاري فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، وقال النبي (إنما البيع تراض). فيؤكد الفكر الاقتصادي الإسلامي على الرضا في التبادل التجاري وعدم نهب الثروات أو إجبار دولة على بيع ثرواتها سواء بالاحتلال أو حتى لو بمقابل مادي بسيط. فالدول التي تم فتحها لم يتم نهب أموالها بل كانت تصرف أموالها على أهلها وما يتبقى يرسل إلى بيت المال(وزارة المالية) بالمدينة، والأراضي كانت تملك لأهلها ولم يتم تمليكها للفاتحين بعد أن كانت منهوبة من المستعمرين سواء الفرس في العراق أوالروم في مصر والشام. فان لم يوجد الرضا في التبادل التجاري تنتج مشكلة البرجامتية النفعية التي تنتج بسبب المنفعة الخاصة والإضرار بالغير والتي حلها الفكر الإسلامي بإضفاء الحالة الروحية على المادية بقاعدة لا ضرر ولا ضرار. فأصل البرجامتية هي المنفعة المتبادلة. فتملك كل دولة مقدراتها وقراراتها ويكون نظام العولمة قائم على العدل والأمانة. وطبعاً من أسس الرضا والأمانة هو عدم الغش وعدم ابخاس الناس أثمانهم فقال تعالى (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)، (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) فمنع الغش في الميزان وفي البضائع عامة بإظهار ما بها من عيوب وعطب، ومنع تقليل اسعار البضائع عند الشراء من الناس لأنهم في حاجة لبيعها. فكل هذا يؤدي إلى البيع دون رضا وهو ما يفقد العملية الاقتصادية أول أسسها.

فلسفة الفكر الإسلامي 21

في نهاية الباب الأول نوضح بعض النقاط الهامة وهي حرمانية النفس وعدم القتل. فقال تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)، وقال النبي (أيها الناس إن دمائكم وأموالهم وأعراضكم عليكم حرام إلى ان تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شعركم هذا وأنكم يتلقون ربكم ويسألكم عن أعمالكم). فيؤكد الفكر الإسلامي على عدم القتل وعدم الافساد في 
الأرض وعدم التعدي على أحد بالقتل الا بالحق ويكون بالقانون. النقطة التالية عن الجهاد والذي هو واجب ولكن يجب أن يتم توضيح في البداية أنه غير واجب على وحيد الأهل كما قال النبي لطالب الجهاد عندما علم أنه وحيد أبويه: فيهما فجاهد. ولا يكون واجب على الأطفال أو العجائز أو النساء. ثم يجب أن يكون الجهاد لسبب وهو الدفاع عن الدولة وقدرة الدولة على خوض الحرب وليست لمجرد العنجهية. ونجد أن الجهاد الحق هو ما قال عنه النبي (عدنا من الجهاد الأصغر للجهاد الأكبر وهو جهاد النفس). فجهاد النفس من أجل الإصلاح المجتمعي والإقتصادي والتربوي والتعليمي هو أساس قوة الدولة وبناء الحضارة وليس الجهاد العسكري فقط، وهو الداعم للجهاد العسكري في حالة الدفاع ورد العدوان وليس للاعتداء على الغير.
آخر نقاط الرسائل بالباب الأول نتحدث فيها عن العلاقة بين الدول والناس. وهذه العلاقة تتحدد بأسس واضحة ومحددة لكي يتم التفادي للحروب ويتم نبذ العنف وأولها هي التعددية وقبول الآخر فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فالتعدد أساس للتعارف والمودة بين الشعوب. الأساس الثاني هو السلمية وهذا في قول الله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) فيكون السلم هو أساس العلاقة في التعامل بين الناس طالما لم يحدث اعتداء من أحد. الأساس الثالث هو الأخوة الإنسانية بين الناس بنفس الآية الأولى للتعارف بالناس. الاساس هو الرابع هو قبول الخلاف والايمان بالحوار للحلول السلمية فقال تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) فتقبل الخلاف والبحث عن السلم يجعل العيش بالمودة والمحبة بين الناس سهل.

فلسفة الفكر الإسلامي 20

‏وصلنا إلى النقطة 21 بالقسم الثاني بباب السياسة وتناقش فيها جزاء عدم مراعاة القوانين وهذا بمثابة قانون دولي يحكم الدولة نفسها. فبعد النقاط السابقة التي تحدثنا عنها والتي يجب مراعاتها،وإذا لم يتم تنفيذها يكون الجزاء شديد على الحكام. فمثلاً في حادثة سمرقند عندما دخل قائد الجيش للمدينة بعد مصالحة اهلها والإتفاق على عدم دخول الجيش فالتجأوا إلى القاضي الذي حكم بخروج الجيش ليؤكد قوة العدل وتحقيقه حتى لو لم يكن في صالح الدول ويكون الأهم هو تحقيق العدل. بالنقطة 22 نتحدث عن الاستخبارات فقال تعالى (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) وثقفتموهم هنا تعني علمتموهم وفهمتموهم وهذا يأتي بالتجسس على العدو. وقول النبي (إذا اردت أن تأمن مكر قوما فأعرف لغتهم) لفهم ما ينونه وما وصلوا إليه من علوم وتكنولوجيا سواء عسكرية أو علوم الحياة لحماية الدولة والحضارة. والتجسس مباح ولكن دون التعرض للأعراض أو فضحها فهو للأغراض العسكرية فقط متبعين تعاليم الفكر الإسلامي. بالنقطة 23 نتحدث عن العدل والقوة فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فمع القوة يجب وجود العدل حتى لو مع قوم بيننا وبينهم عداوة وهذا كان بمثابة قانون دولي تطبقه الدولة على نفسها بعدم الاعتداء والظلم.
في نهاية الباب الأول الذي يتحدث عن السياسة نعطي بعض الرسائل وهي الدعوة الإسلامية للسلام والسلم العالمي. فالأساس هو السلام بين الناس في جميع أنحاء العالم، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) وعن الدعوة للسلام بين الناس قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) فالأساس هو السلام والمحبة بين الناس. ثم نتحدث عن عدم الإرهاب والذي يمنعه الفكر الإسلامي فقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) فيجب عدم الترهيب والترويع لأحد حتى لو كان باللهو بقول النبي (لا يأخذون أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً). وقول الله (ترهبون به عدو الله وعدوكم) ليس معناه الارهاب بوجه عام، ولكن المقصد هو الاستعداد الدائم للدفاع عن الدولة وأمنها، وبناء قوة عسكرية تمنع أحد من الاستهانة بنا وبالدولة. ونجد أن استعمال القوة المفرطة هو ما يؤدي إلى التطرف والإرهاب ويكون محاربة الإرهاب بالتعليم والفكر والتنمية الفكرية والعدل وليس بالقوة، فالعنف يولد عنف.

فلسفة الفكر الإسلامي 19

بالنقطة ١٢ من القسم الثاني بباب السياسة نتحدث عن اتقاء شر العدو. وقد سمح بهذا إذا كان العدو ذو قوة ومن اي حفظ الدماء وقد حدث هذا في غزوة الأحزاب عندما عرض النبي على الصحابة وأهل الشورى أن يعطي لغطفان ثلث ثمار المدينة لترك حلف قريش من أجل أن يقلل من حدة الحصار. فلا عيب في هذا طالما لا يخالف تعاليم الفكر الإسلامي. وبالنقطة ١٣ نتحدث عن اجابة السلم فلأن الأساس هو السلام كان البحث الدائم عنه فقال تعالى (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وقال النبي (إن موجبات المغفرة بذل السلام) فالموافقة على طلب السلام لهو من سبل المحبة والود وحقن الدماء الحفاظ على الأمان للجميع وهذا ما يبتغيه الفكر الانام ولكن دون تراخي عن الحذر. وبالنقطة ١٤ نناقش إمكانية طلب الهدنة وهذا ما قد رأيناه في موقف صلح الحديبية فقال النبي لبديل: انا لم نجىء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وان قريش قد انهكتهم الحرب واضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة أي عقد هدنة...) فكانت بمثابة طلب هدنة من أجل حفظ الدماء والتفرغ لبناء الدولة.
وصلنا للنقطة ١٥ من القسم الثاني بباب السياسة وهنا نتحدث عن كيفية معاملة الشعوب المغلوبة وأن الأساس هو الرحمة والإنسانية والأخلاق والمثل الأكبر في هذا هو موقف النبي يوم فتح مكة فرغم كل ما فعلوه معه ومع المسلمين من تهجير وتعذيب وقتل إلا أن النبي سامحهم وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبالنقطة ١٦ نناقش العفو وهذه النقطة مرتبطة بما قلنا بالسابق وكيف يكون العفو من شيم الرجال ذو القوة والقدرة على رد الفعل ولكن نطبق قول الله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) فالصبر والتسامح هو خير عند الله. بالنقطة ١٧ وتتحدث عن واجب النصرة للمظلوم. فقال تعالى ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ)، وقال النبي (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقيل: كيف ننصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم). فيتضح أنه يجب مساعدة المظلومين من الدول التي تطلب العون لما وقع عليها من ظلم. ويكون ذلك على حسب مقدرة الدولة.
ع اليهود في الدفاع عن المدينة، واستعار من صفوان بن أمية يوم حنين مائة درع وكان مازال مشرك. فيكون التعاون والعهود على أساس عدم المخالفة للشرع وفي مصلحة الأمة ودون التنازل عن حق من حقوقها. وبالنقطة ١٩ نتحدث عن وجوب الحفاظ على هذه العهود فقال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، وقال النبي (خياركم الموفون بالعهود). فيجب على الدولة أن توفي العهود ولا تنقضها الا بسبب واضح وصريح إن كانت مؤقتة فينتهي ميعادها أو يحدث غدر وخيانة من المعاهد. بالنقطة ٢٠ نناقش محاربة خائن العهد. فحدث أن حارب النبي بني المصطلق لأنهم خانوا العهد وتحالفوا مع قريش في غزوة الاحزاب وكانوا يستعد لغزو المدينة. فيكون هذا سبب الحرب الدفاع ومحاربة خائن العهد.

فلسفة الفكر الإسلامي 18

بالنقطة الخامسة بالقسم الثاني في باب السياسة نتحدث عن عدم التنكيل والاسراف في القتل وان هذا ضد الفكر الإسلامي والأخلاق والإنسانية فقال الله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا) وقال النبي (اجتنبوا الوجوه ولا تضربوها) وكان يوصي في أحاديثه عن الحرب عدم قتل الشيوخ اي العجزة وعدم قتل الأطفال والنساء وعدم التمثيل بالجثث. ووصى بعدم اقتلاع الأشجار وعليه وصى ابو بكر يعدم هدم الأبنية أو دور العبادة ولا البيوت. فكان المعنى عدم قتل المدنيين والرحمة حتى مع العدو. فالحرب للدفاع بسلام وليس بعدوان وتوحش. وبالنقطة السادسة التي تناقش أن الأساس منع قتل كبار السن والنساء الا في حالة واحدة وهي المحرضين والمحاربين ويحاولون قتلنا مثلما قتل دريد بن الصمة وغير هذا فممنوع منها باتاً.بالنقطة السابعة نتحدث عن عدم التخريب. فبعد توصية النبي والراشدين من بعده بعدم هدم البيوت والمصانع ودور العبادة وذلك لعدم تدمير البنية التحتية للدول. فالحرب للدفاع وليس للتدمير وحتى يكون السلام بعد الحرب هين وليس بتدمير ووحشية فهذا ضد تعاليم الفكر الإسلامي.
‏بالنقطة ٨ من القسم الثاني وهو السياسة بالحرب نتحدث عن معاملة الأسرى. والتي يجب أن تكون بالحسنى والمعاملة الجيدة حفاظاً على الكرامة الإنسانية. قال الله تعالى (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، وقال النبي (استوصوا بالأساري خيراً). فتدل الآية الأولى على أنه إذا انتهى القتال الشديد بلنكف عن القتال بشد الوثاق ويكون أمر الأسرى أما بالفداء المالي أو بالترك مناً واعطائهم الأمان. وفي الآية الثانية أن يكون الطعام للأسرى واجب فوصى النبي بهم أيضاً حتى أنه أمر الصحابة بالمعاملة الحسنى لأسرى بدر والصحابة بدورهم أووهم في بيوتهم وأطعموهم من طعامهم. وحتى مع اليهود الذين خانوا العهد مع النبي أمر النبي وقت القتال بعدم دخول البيوت والحفاظ على الأرواح من ليس له علاقة بالحرب. وبالنقطة التاسعة نناقش ماهو مباح وغير مباح في الحرب ونجد أن كل شيء مباح طالما لا يخالف تعاليم الفكر الإسلامي وتوصياته خصوصاً التعرض للمدنيين والمنشآت. ولكن قد يكون مباح تدمير بعض المنشآت في أضيق الحدود إذا كانت تحرك الجيش أو يستخدمها العدو في الحرب مثلما فعل النبي بخلع بعض ثمار بني قريظة وقت الحرب لاخراجهم من المدينة بسبب خيانتهم. فيكون الداعي العسكري هو المحرك ولكن دون تدمير ودون وحشية مراعاة للأخلاق والفكر الإسلامي.
والمعاهد من أهل الحرب والعدو وعدم الغدر بأحد طالما طلب العهد والأمان. وبالنقطة ١١ نناقش التهديد والتعذيب وأنها غير مرغوب فيها ولكن إن كانت الضرورة لها فتكون ولكن في أضيق الحدود. فمثلا أمر النبي بمس حيي بن أخطب ببعض العذاب بسبب الحرب والاعتراف بما يريده والواضح من قول (يمسه) أن يكون بشيء بسيط وليس بوحشية، وموقف آخر أنه في فتح مكة كان يوجد امرأة تحمل كتابا لابن أبي بلتعة فهددها الزبير وعلي بالتفتيش الذاتي ولكن على يد امرأة حفظا لكرامتها وعرضها. فيكون استخدام التهديد أو غيره في حدود ضيقة ودون سفور وفي حالة الحاجة القصوى حفاظا على الكرامة والإنسانية.

فلسفة الفكر الإسلامي 17

وصلنا الآن إلى القسم الثاني في باب السياسة والذي نناقش فيه منهج السياسة الإسلامية في الحرب. والأساس في الفكر الإسلامي هو السلام والمحبة والعفو فقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ولكن من يملك العفو لابد أن يملك القوة فالضعيف يتنازل ولا يعفو. والقوة هنا للدفاع عن أمننا وحقنا وليس للاعتداء فهذا غير مسموح. وقسمت الدول في السياسة الخارجية إلى ثلاث اقسام وهي: دول اسلام ودول جوار، دول عهد وتحالفات، دول حرب، دول أخوة دولية. ويكون التعامل مع هذه الدول بالسلام والحق دون ضرر ولا ضرار وأما من اعتدى علينا فيكون هو الباغي، لذا وجب على كل دولة حماية نفسها ولكن على أسس أحكمها الفكر الإسلامي بالأخلاق والعدل والسماحة والقوة والالتزام بالعهود. وهو ما سنناقشه في النقاط القادمة.
‏بالنقطة الأولى من القسم الثاني في الباب الأول السياسة بالحرب نناقش فكرة الموادعة في الجوار وأن الاساس هو السلم مع الجميع فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فعلى الجميع التواصل والتعايش بسلام وأمان. وكانت وثيقة المدينة وتعايش المسلمين واليهود في مدينة واحدة في بداية الدول مثال على التعايش السلمي وعدم الإعتداء. بالنقطة الثانية نتحدث عن أنه لا اعتداء إلا لرد العدوان والدفاع. فبما أن الأساس هو السلام فلا يوجد اعتداء إلا للدفاع فقال تعالى (ا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وقال (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فالحرب تكون للدفاع واسترداد الأرض وحماية العرض والمال والدولة.
بالنقطة الثالثة من قسم الحرب في الدولة نناقش قوانين الحرب الذي وضعها الفكر الإسلامي، والتي تحدد كيف أن الحرب من أجل الدفاع لا تكون بطريقة وحشية وإنما تكون بالعدل فقال الله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) فيكون العقاب من جنس العمل فلا يزيد العقاب بالوحشية والاسراف بالقتل أو بالصبر والتسامح إن كان يصلح كما تسامح النبي مع أهل مكة عند فتحها. وقال النبي في حديث طويل مفاده أنه حدد نقاط معينة يمشي عليها الفاتحون والمدافعون منها: عدم قتل الأطفال والنساء ومن ليس له علاقة بالحرب أي المدنيين وعدم قلع الأشجار أو هدم البيوت أو تدمير المصانع والتخيير للناس أما الاسلام أو الجزية ومراعاة إقامة العدل والعهد والإبقاء بالعهود. فكانت بمثابة قانون دولي يطبق على الدولة من ذاتها. وبالنقطة الرابعة أنه في حالة الفتوحات كما كانت بالسابق وهي كانت عادة الدول في العصور السابقة أن تكون أيضا بانذار وليست بحرب فجائية وغادرة فقال تعالى (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ)، وقال النبي (لا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدأوا) فيكون بالانذار ومحاولة إعطاء خيار الاسلام أو الجزية أو الاشتراك مع الدولة. وكان هذا ما تم عليه فتح مصر والشام والعراق وغيرها من المدن. وبالطبع هذه الحالة لم تعد موجودة في العصر الحديث وغير صالحة. ولكن المقصد أنه رغم أنها كانت سمة هذه العصور هذه التوسعات إلا أنها لم تكن باحتلال غاشم على الدول كالامبراطوريات الأخرى.