فلسفة الفكر الإسلامي 22



وصلنا إلى الباب الثاني وهو باب الاقتصاد الإسلامي الذي نناقش فيه مبادىء وأسس الاقتصاد. وفي البداية كمقدمة نؤكد على أن الاقتصاد هو أساس بناء الحضارات والأمم، وهو من الجهاد الأكبر الذي تحدث عنه النبي، حيث يجاهد الفرد نفسه والحياة. فيعمل على عدم الإضرار بالغير وعدم الربا والاحتكار لضمان عدم حرمانية المال، ويجتهد الحياة حيث يعمل على بناء الدولة واقتصادها وبناء الحضارة. وأكد النبي على أهمية العمل فقال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أحدكم ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجراً) ليدلل على أهمية العمل وأهمية العنصر البشري في بناء الدولة. وسنجد كيف أن الاقتصاد الاسلامي يهتم بالفرد والمجتمع ولا يسحق واحد مقابل الآخر وكيف أنه يهتم بتوفير احتياجاته بضمان حد الكفاية وعدم تحصيل الضرائب بأنواعها إلا بعد ضمان هذا الحد للمواطن الذي يجعله يوفر كل احتياجاته. ويقوم الاقتصاد الإسلامي على ثلاثة مبادىء هي الملكية المزدوجة، الحرية الاقتصادية، العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وضمان حد الكفاية.
و‏في بداية الباب الثاني الخاص بالاقتصاد نوضح ما هي الأسس والقواعد التي يجب توافرها لإجراء العملية البيعية والصناعية والتجارية وللمال المتاجر به وهي أولاً: الرضا والأمانة في التبادل التجاري فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، وقال النبي (إنما البيع تراض). فيؤكد الفكر الاقتصادي الإسلامي على الرضا في التبادل التجاري وعدم نهب الثروات أو إجبار دولة على بيع ثرواتها سواء بالاحتلال أو حتى لو بمقابل مادي بسيط. فالدول التي تم فتحها لم يتم نهب أموالها بل كانت تصرف أموالها على أهلها وما يتبقى يرسل إلى بيت المال(وزارة المالية) بالمدينة، والأراضي كانت تملك لأهلها ولم يتم تمليكها للفاتحين بعد أن كانت منهوبة من المستعمرين سواء الفرس في العراق أوالروم في مصر والشام. فان لم يوجد الرضا في التبادل التجاري تنتج مشكلة البرجامتية النفعية التي تنتج بسبب المنفعة الخاصة والإضرار بالغير والتي حلها الفكر الإسلامي بإضفاء الحالة الروحية على المادية بقاعدة لا ضرر ولا ضرار. فأصل البرجامتية هي المنفعة المتبادلة. فتملك كل دولة مقدراتها وقراراتها ويكون نظام العولمة قائم على العدل والأمانة. وطبعاً من أسس الرضا والأمانة هو عدم الغش وعدم ابخاس الناس أثمانهم فقال تعالى (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)، (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) فمنع الغش في الميزان وفي البضائع عامة بإظهار ما بها من عيوب وعطب، ومنع تقليل اسعار البضائع عند الشراء من الناس لأنهم في حاجة لبيعها. فكل هذا يؤدي إلى البيع دون رضا وهو ما يفقد العملية الاقتصادية أول أسسها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم