كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 51 (محاربة خائن العهد، جزاء عدم مراعاة القانون)

 


21- محاربة وتأديب من خاننا في العهد: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).

(أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

1-   قام النبي بقتال بني المصطلق رغم العهد بينهم لأنهم نقضوا العهد وتحالفوا مع قريش (العدو) للدولة وكانوا يستعدوا للإغارة على المدينة.

2-   وكذا حدث مع يهود بني قينقاع عندما تحرشوا بسيدة من المسلمين بالسوق وكشفوا عنها ملابسها فأخرجهم النبي عن المدينة إلى منطقة تدعى أذرعات بأموالهم ونسائهم وذراريهم، وحدث مع بنو النضير حيث أنهم حاولوا قتل النبي فأخرجهم بأموالهم ونسائهم عن المدينة كما حدث مع بني قينقاع.

3-   وحدث أيضاً مع بني قريظة أن قاتلهم وأخرجهم النبي عن المدينة لأنهم تحالفوا مع قريش والأعداء في غزوة الخندق ونقضوا العهد مع النبي والدولة، فحاصرهم وقاتلهم جزاء لخيانتهم بمساعدة قريش والأحزاب على غزو المسلمين بالمدينة وكشف ظهورهم في المدينة. وبقانون الخيانة للدولة التي أصبحوا جزء منها بمقتضى وثيقة المدينة كان الحكم بقتل الرجال المحاربين فقط بني قريظة الخائنين للعهد والذين ساعدوا قريش والأحزاب وكانت معهم امرأة واحدة محاربة، وإخراج النساء والأطفال من المدينة دون أن يعتدي عليهم أو على أموالهم. فمن يخن الدولة التي ينتمي إليها عقوبته الإعدام جزاء بما اقترفه من خيانة وتعريض الدولة للدمار وهذا هو قوانين الدول الحديثة الآن. فهذا كان سبب قتالهم وإلا لظلوا متعايشين سوياً كما تنص الوثيقة كما كانوا قبل الإجلاء والقتال أو كما حدث مع يهود غيرهم.

4-   قال أبا بكر للناس: -

(لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله وألا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم معنا وألا نبدأكم بقتال ما لم تبدؤونا).

فرغم تأكيد الفكر الإسلامي على عدم نبذ العهود والمواثيق أبداً والحفاظ عليها إلا في حالة واحدة هي أن يقوم المعاهد بالخيانة ففي هذه الحالة لا عهد له وينقض عهده بخيانته.

فمن الممكن الاعتداء على من غدر العهد معنا دون إنذار في حالة ثبوت خيانتهم وغدرهم لحماية الدولة فكانت هذه رخصة من الله وقانون دولي للدولة أنه إن كنا مهادنين لدولة وبيننا عهد وميثاق بعدم الاعتداء وشكت الدولة بغدر هذه الدولة أو حدث منهم غدر فننبذ لهم عهدهم أي نعلنهم بإلغاء العهد المشترك بيننا.

 

22- الجزاء على عدم مراعاة هذه القوانين: -

 

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(المؤمنون عند شروطهم).

بعد النقاط السابقة كقوانين للحرب على ألا تتعداها الدولة، يجب أن يوجد جزاء على من يتعدى عليها برد الحقوق لأهلاها دون أن يتم التعدي على هذه القوانين فكان هذا بمثابة قانون دولي تضعه الدولة على نفسها.

فنجد أنه عندما قام أهل سمرقند برفع شكوى للقاضي ضد القائد قتيبة الذي دخل إلى المدينة بالجيش لضرورة عسكرية بعد أن عاهدهم على عدم دخول الجيش للمدينة. فحكم برجوعهم إلى أرضهم وخروج الجيش الإسلامي عملاً بحديث النبي (المؤمنون على شروطهم) وهذا تحقيقاً للعدل.

فيرد الحق على خيانة العهد حتى لو ضد مصلحة الدولة لأن المصلحة تكون في المستقبل مع ظهور العدل والحق من داخلنا للناس فتكون الدعوة بالعدل والحق أفضل طريق لاجتذاب الناس إلى دعوتنا وفكرنا الإسلامي. وهذا هو عدالة القانون الدولي الإسلامي الذي يطبق على المسلمين قبل غيرهم وليس كالقوانين الحالية يطبق على الضعيف فقط.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 50 (الحفاظ على العهود وعدم الغدر)

 


20- الحفاظ على العهود والمواثيق وعدم الغدر وجواز تغيير العهد إلى الأفضل في مصلحة الأمة: -

 

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ).

(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا).

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتهم وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ).

(إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ).

(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ).

{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177].

{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76].

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).

(وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

(وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ)

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

لعدم الالتفاف على العهود والمواثيق والحفاظ عليها فلا تكون العهود للغش والخديعة أبداً بل يجب الحفاظ عليها طالما يحافظ عليها الآخر، وهذا من صميم تعاليم الفكر الإسلامي التي يجب أن نتمسك بها وننفذها. فلا نغدر بل نوفي العهود مهما حدث إلا في حالات الغدر.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ألا أخبركم بخياركم؟ خياركم الموفون بالعهود...).

(المسلمون عند شروطهم).

(لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم -وفي رواية أخرى فيصالحونكم على صلح- فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه لا يصلح لكم).

(إلا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة).

(من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعون عاماً).

(إلا ومن قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة وإن رائحتها ليوجد من مسيرة خمسين خريفاً).

(من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقده ولا يشدنها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء).

(وفوا لهم ونستعين الله عليهم).

(أوفوا بحلف الجاهلية فإن الإسلام لم يزه إلا شدة).

(لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به).

(ذمة المسلمين واحدة فإن جارت عليهم جائرة إن عاهد أحد المسلمين كافراً-فلا تخفروها -لا تنقضوها- فإن لكل غادر لواء يعرف به).

(من أمن رجلاً على دمه فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً).

(إذا اطمأن الرجل إلى الرجل ثم قتله بعدما اطمأن إليه نصب له يوم القيامة لواء غدر).

-الأمثلة: -

1- النبي منع عمر بن الخطاب أن يقتل اليهود لأن لهم ذمة ومنع قتل المنافقين لأنهم يظهرون لا إله إلا الله وهذا عهد لله أيضاً وجب الحفاظ عليه.

2- وأنه عندما أقام صلح الحديبية مع قريش للموادعة عشر سنوات قال بعض الناس للنبي إنهم على نية الغدر وإنهم يعدون لقتاله فقال عليه السلام (فوا لهم ونستعين الله تعالى عليهم).

وهذا دليل قاطع على الوفاء بالعهد حتى التأكد من الغدر وإظهاره من الطرف الآخر.

3- حدث أن أحد الصحابة وهو حذيفة بن اليمان خرج مع والده أبو سهيل من مكة ليلحق بالنبي ليشهد معه بدر، فأوقفهم المشركين من قريش وسألوهم: أتريدون محمد. فقالوا: لا، بل نريد المدينة. فأخذوا منهم العهد على ألا يقاتلوا مع النبي فعاهدوهم، وعندما وصلوا إلى المدينة قصوا ما حدث على الرسول وأنهم يريدون نقض العهد ليشهدوا معه بدر فرفض الرسول رغم حاجته لكل جندي وكل سيف لقلة العدد وقال: نفي بعهدنا لهم ونستعين بالله عليهم.

4- حكم القاضي جُميع بن حاضر الباجي بخروج جيش المسلمين من مدينة دخلوها عدواناً ولم ينذر أهلها ووعد بعدم دخول الجيش لها للحفاظ على العهود التي وعدنا الناس بها فكان قتيبة بن مسلم الباهلي فتح أرض سمرقند من غير أن يخيرهم بين الأمور الثلاثة (السلم الدائم أو الوقتي ونشر الدعوة أو القتال) فاختاروا الوقتي وهو عدم دخول الجيش للمدينة. فشكا أهل المدينة قتيبة وقالوا ظلمنا قتيبة وغدر بنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والإنصاف وطلبوا أن يؤذن لهم ليقدموا على عمر بن عبد العزيز ويسطوا قضيتهم فأذن لهم ولما قدموا عليه واستمع إليهم كتب إلى واليه يقول له إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم فلينظر في أمرهم فإن قضي لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم قبل أن يظهر عليهم قتيبة فجلس لهم الوالي القاضي وهو جُميع فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم أو ينابذونهم على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة.

كل هذه أدلة على أهمية الحفاظ على العهود والمواثيق والاتفاقيات طالما عاهدنا أصحابها عليها ولا نخنها مهما كانت الظروف من أجل ترسيخ أخلاق العدل في الفكر الإسلامي ونشره فإن الله لا يحب الغدر حتى ولو في حق مخالف في الدين لأنه يضر بعظمة الفكر والدين الإسلامي، وحتى لا يرى غير المسلم أن المسلم الذي عاهده قد غدر به فيصد بهذا عن الإيمان بالدين والفكر الإسلامي. ولا ننبذ العهود ونحافظ عليها إلا إذا انتهت مدة العهد أو ينبذه قوم العهد أنفسهم بالخيانة.

وأكد الفكر الإسلامي على حفظ المواثيق والعهود وعدم الغدر بها أبداً حتى لو كانت من عهود سابقة مع جواز تغييرها للأفضل في صالح الأمة بالاتفاق مع الطرف الآخر.

ونرى هنا أن المعاهد هذا لم تحدد ديانته لنعرف مدى أهمية الحفاظ على العهد مع أي أحد سواء مسلماً أو كتابياً أو غير ذلك. بل والعدل في الحفاظ عليه بالقضاء العادل كما ذكرنا في الأمثلة الماضية. ولم يقم الرسول ولا أحد من الخلفاء بنقض عهد إلا في الحدود التي أباحها الإسلام كما سنشرح في حدود الخيانة من المعاهد معنا في النقطة القادمة.

-أسباب نقض العهود: -

لا يحبذ نقض العهود إلا في حالات بسيطة منها على سبيل المثال لا الحصر: -

1- إذا كانت مؤقتة ومحددة بمدة وانتهائها.

قال الله تعالى: -

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

2- حدوث الغدر والخيانة.

-       قال الله تعالى: -

(وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ)

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)

-شروط نقض العهد: -

لأن المنهج الإسلامي يؤكد دائماً على العدل فقد وضع شروطاً أساسية لإتمام أو نقض العهد: -

1-   العدل في نقض العهد.

2-   الإعلام والإنذار قبل التخلي عن العهد وإعلان السبب.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 49 (نصرة المستجير، اقامة المعاهدات)

 


18- واجب نصرة من لنا أخوة معه بالدين والجيرة ومن استجار بنا أيا كانت ديانتهم: -

 

-قال الله تعالى: -

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ في سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاءِٓ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا)

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. وعندما سئل كيف ننصر الظالم قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصرة).

فيجب علينا إجارة من يستنجد بنا من الظلم الذي وقع عليه وليس معنى هذا التدخل في الشئون الداخلية للدول ولكن إمداد يد العون لكل مستجير من ظلم وقع عليه مع الوقوف بجانب حركات التحرر والثورات التي تسعى لإقامة الحريات والعدل والحق.

ويجب حماية من هرب من ديار الحروب والأزمات ولجأ إلينا لنصرة من ظلم من النساء والأطفال والمستضعفين.

فيتضح لنا أنه واجب علينا نصرة من يستنصرنا على من يعتدي عليهم إلا لو كان هذا المعتدي بيننا وبينه عهد لضرورة وأهمية الحفاظ على عهدنا مع الغير ولكن يجب علينا توجيهه وإرشاده للحق ومحاولة الصلح وبالنهاية الوقوف مع المظلوم ضد الظالم وعدم السكوت على الظلم لأن هذا يعتبر اشتراك في الظلم. وتكون المواقف السياسية في اتخاذ القرار على حسب قاعدة (اختيار أقل الضررين وأكثرهم نفعاً للدولة). ويكون النصرة للدول على حسب مقدرة الدولة.

 

19- إقامة المعاهدات والتعاون مع أي دولة مهما كانت ديانتها: -

 

-قال الله تعالى: -

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).

(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعيت إليه اليوم في الإسلام لأجبت).

وكان هذا الحلف لنصرة المظلوم.

هذا غير صلح الحديبية الذي أقامه الرسول مع المشركين طالما به مصلحة للدولة ودون الإضرار بالغير. وكان قبلها قد صالح القبائل المجاورة للمدينة (المؤلفة قلوبهم) على مال مقابل عدم الاعتداء على المسلمين بالمدينة أو اعتراض طريقهم في السفر. واستعان عليه السلام باليهود في بعض الغزوات وأسهم لهم في الغنائم فاستعان بيهود بني قينقاع في غزوة خيبر على أساس الهدنة والتعاون للدفاع عن المدينة (الدولة حينئذٍ). واستعان عليه السلام بصفوان بن أمية في هوازن يوم حنين واستعار منه مائة درع وكان مشرك.

ويظهر بهذا إمكانية التحالف أو التعاون أو إقامة صلح مع أي أحد وأي دولة وصاحب أي دين آخر طالما المصلحة للأمة متبادلة في الحماية ودون الإضرار بالغير وما غير ذلك وبعد التأكد من سلامة النية وانتهاء العداوة بيننا بل وإمكانية دخول أطراف في العهد كما نصت بنود صلح الحديبية التي سنأتي لذكر تفاصيلها في باب الحياة الاجتماعية في نقطة (التفاوض).

ويكون الحلف بعد التأكد من نية الحليف مع أخذ الحذر، ويكون الصلح على مدة كالحديبية أو يكون مفتوحاً من أجل التعايش السلمي الدائم كصلح خيبر أو صلح مقابل مال كما كان يريد الرسول مصالحة بني حصن الفزي والحارث بن عوف في غزوة الأحزاب على ثلث ثمر المدينة حتى يشتري أمن المدينة وأن لا يتعاونوا مع قريش ضده.

ونجد في المعاهدات والعهود للنبي وفي الفتوحات سواء عهد القدس أو مصر لم تكن بين غالب ومغلوب ولم يكن بها إجحاف أو إذلال لأحد أو قهر، وإنما كانت عهود على الحماية والمساواة وأن لهم كامل الحقوق لتحقيق المواطنة والمساواة بين الجميع في الدولة طالما دخلت ضمنها أما لو كان حلف بين دولتين يكون بالحفاظ على حقوق الجميع وعدم التعدي على الغير أو التدخل في شؤون أحد أو فرض القوة على شعوب أخرى.

-ولابد أن نحافظ على شروط محددة في إقامة المعاهدات والتعاون بين الدول وهي: -

1- ألا تكون المعاهدة فيها أي شرط يخالف الشريعة والمنهج الإسلامي. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: -

(كل شرط ليس في كتاب الله باطل).

2- عدم التنازل عن حق من حقوق الدولة والمواطن والأمة سواء بالتنازل عن أرض أو حق الدم أو حقوق مادية إلا بعد موافقة الأمة ونوابها.

3- أن تكون المعاهدة بناء على تراضٍ من الطرفين.

4- ألا يوجد أي غموض بأي بنودها.

5- مصارحة الشعب ونوابه ببنود الاتفاقيات والمعاهدات وموافقتهم عليها.

5-   عدم الإجحاف وقهر المغلوب للحفاظ على كرامتهم.

6-   ألا يكون الحلف والتعاون للإضرار بالغير.

وقد اختلف الكثير في هذا الموضوع، ولكننا نجد كيف أن الرسول عاهد المشركين واليهود بل وفى بها أيضاً وشدد على الإيفاء بالعهد. ولذا هذا يسمح لنا بعمل هذه المعاهدات طالما إنها في مصلحة الأمة ونلتزم بتوفيتها طالما التزم الجانب الآخر بشروط العهد. دعوة للسلم وإجابة طلب السلم من الغير والتفرغ للبناء والتقدم والتعليم في الدولة من أجل بناء الحضارة.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 48 (معاملة المغلوب، العفو عمن ضرنا)

 


16- معاملة الشعوب المغلوبة بالحسنى وعدم القهر: -

 

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

عندما دخل الرسول فاتحاً مكة عفا عن أهلها وجعل أبو سفيان يقول إن من دخل بيته فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن ومن دخل بيت أبا سفيان فهو آمن. لإحساس هذه الشعوب بأهميتها وأنه لم يأت ليذلها أو ينتقم منها، وقال مقولته الشهيرة لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء) رغم كل ما فعلوه معه ليحض على التسامح والتعايش السلمي. تأكيداً على فلسفة الفكر الإسلامي ألا تمنع العداوة السابقة من إقامة العدل.

وعندما قال سعد بن عبادة في يوم فتح مكة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل المرحمة. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة. وأخذ منه الراية.

فوضع مبدأ تغيير القائد إذا فكر أن يسرف في القتل وعدم إتباع تعاليم الفكر الإسلامي في الحرب. ومعاملة المغلوب بالحسنى وعدم السفك في الدماء.

وعندما أجارت أم هاني ولدها وكان الإمام علي يريد قتله فقالت: يا رسول الله إن ابن أمي –علي- زاعم أنه قاتل رجلاً: فلان بن أبي هبيرة. فقال الرسول: أجرنا من أجرت يا أم هاني.

فقضى حكم الشرع أن أمان المرأة جائز حتى يكبر من أهل الشعب المغلوب ويصرف البغضاء ويولد المحبة والود بتكريم أهلهم.

ونجد موقفه مع هند امرأة أبي سفيان التي حرضت على قتل عمه حمزة بن عبد المطلب ومثلت بجثته بأنه سامحها ولم يقهرها في فتح مكة.

ونجد أن الرسول لم يتمسك بشرط إجلاء اليهود عن خيبر بعد أن غلبهم وأجاب طلب بقائهم في الأرض يزرعونها مقابل نصف الخراج منها وهذا لمصلحة المسلمين حيث أن ليس لهم علم بالزراعة.

فجعل الشعوب المغلوبة أمة واحدة مع المسلمين حتى مع اختلاف ديانتهم من أجل وحدة الأمة وعدم حدوث شق في الصف بسبب البغضاء.

ونجد أيضاً من الأهمية عدم التعرض لثقافات الشعوب المغلوبة سواء أبنية أو غيرها من عادات وتقاليد فنجد عمر بن الخطاب عندما كان في (أذرعات) لقي قوماً يلعبون بالسيف والريحان أمامه ليحتفلوا بالعظماء فرفض أي مظهر من مظاهر التبجيل والفخامة فقال له أبو عبيدة بن الجراح إنها عاداتهم فقال له عمر دعوهم حتى لا يعتدي على عاداتهم أو ثقافتهم وكذا لم يتعرض لأثار مصر والشام والعراق.

ونجد في إقامة العهود والمعاهدات أن يكون بالتراضي وعدم إنقاص حق من حقوق أياً من الدول المتحاربة وخصوصاً المغلوبة وهذا للحفاظ على كرامة المغلوب حفاظاً على الأخوة الإنسانية والعلاقة الطيبة كما في وثيقة المدينة والعهدة العمرية لأهل القدس والشام ومصر.

فهذه هي أخلاق الفكر الإسلامي المتسامحة في الحروب والالتزام بقانون داخلي ودولي وله جزاء وليس قانون للضعفاء فقط وإنما يطبق على الأقوياء قبل الضعفاء. وأيضاً أقر الفكر الإسلامي الهوان مع العدو بعد غلبه تحضيراً ليوم السلام فأعداء اليوم أخوة الغد فحسن معاملة المهزوم وإجلالهم مهم لمحو الكراهية والبغضاء. ولكن يأتي السماح والعفو من منطلق القوة لأن القوي هو من يملك العفو وليس الضعيف. فمهما كانت الخصومة يجب تطبيق العدل مع الرحمة.

 

17- العفو عمن ضرنا: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ).

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)

-أمثلة: -

1- عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن قريش بعد فتح مكة رغم طردهم له ومحاولتهم قتله وتعذيب وقتل العديد من المسلمين وقال (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

2- عفا الرسول عمن وضعت له السم في الشاة.

3- تزوج النبي ابنة ملك اليهود بعد الحرب للتقارب والعفو عنهم.

فكما تحدثنا أن العدل والرحمة هو الأساس في التعامل حتى مع العدو فمع العقاب بالمثل أي الحرب بالحرب يكون العفو عند الانتصار وعدم التنكيل كما وضحنا بالسابق.

ولكن العفو يأتي من موقع قوة وليس ضعف، وهذا ما حدث في هذه الإحداث التي ذكرناها. ويكون العفو لمحو البغضاء وتوليد الحب والمودة في الأمة وبين الشعوب المختلفة بعد الحروب عملاً بحكمة (لعل أعداء اليوم أخوة الغد).

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 47 (اجابة السلم والهدنة، طلب الهدنة)

 


14- إجابة السلم والهدنة المسلحة مع وجود الحذر: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ)

(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)

لأن العلاقة في الأساس للدولة هو السلم ونشر الأخوة والمحبة الإنسانية فأكد المنهج الإسلامي على أنه لابد من إجابة السلم في أوقات الحرب، إذا كان هذا مفيد للدولة ولحقن الدماء.

-قال الله تعالى: -

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).

(فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).

(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلً).

(وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

(وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ)

ومعنى الآية أنه إذا طُلِبَ السلم من المحاربين للدولة الإسلامية فيوجب علينا أن نوافق عليه وعلى عقد الهدنة لحقن الدماء وقد يؤتي هذا الصلح بثماره من تقارب لوجهات النظر وإزالة الخلافات وإذا لم يحدث فعلى الأقل سيعطي فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تحسين الجيش. ولابد من الحذر الدائم وعدم الغفلة حفاظاً على الأمة. فلابد من السلام عندما ينتهي العدوان علينا لبناء الدولة. ويجب أن يكون السلام في وضع قوة وليس وهن وإلا كان استسلام وخضوع.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وأسالوا الله القافية وإذا لقيتموهم فإصبروا).

(دعوا الحبشة ما ودعوكم وأتركوا الترك ما تركوكم).

(إن موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام).

(لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا).

(ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ فأفشوا السلام بينكم).

(السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم).

(أغزوا باسم الله في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله وأغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من المشركين فأدعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم).

(والله لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).

فنوافق على الهدنة والسلم مع الحذر بالطبع وهذا معنى الهدنة المسلحة وبشرط تخلي العدو عن العداء لنا والتأكد من سلامة نيته. وهذا تعظيماً لحرمات الله من قتل وسفك للدماء من أجل نشر السلام.

قال علي بن أبي طالب: -

(لا تتدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضاء فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن العدو بما قارب ليتغفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن).

فالموافقة على الهدنة والسلم هو راحة للجنود والحاكم وأمن للدولة ووقت للبناء ولكن يكون بحذر من العدو دون أمان كامل حتى لا يغافلنا ويعتدي علينا العدو.

فمن الواجب للحفاظ على الدماء وحقنها قبول السلم والدخول في الهدنة إن طلبت ولكن مع حذر دائم وعدم الخمول وعدم إعطاء الأمان الكامل للعدو مهما كانت البوادر مع الحفاظ على السلام بوضع قوة للدولة.

فالسلام أمان وحماية لدماء الجميع ونشر السلام وفرصة للدولة للبناء وتشييد الحضارة وبناء الإنسان وتربية الفرد والمجتمع أما الحروب تعطل حركة الأمم للأمام وتستهلك مواردها.

ويكون الجنح للسلم بحذر وفي موضع قوة بعد استرداد الحقوق وليس والدولة بموقف ضعف وإلا اعتبر استسلام.

 

15- طلب الهدنة: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)

(خيركم من يبدأ بالسلام).

فمن الممكن السعي إلى الصلح لهيكلة قوة الدولة أو للتفرغ إلى مواجهة عدو آخر أكثر ضرراً مثلما فعل الرسول عندما ذهب إلى مكة معتمراً في أواخر السنة السادسة من الهجرة بقصد عمل صلح مع قريش.

وعندما نزل إلى أقصى الحديبية قال (لبديل) بعد أن أعلمه أن قريش نزلت عند مياه الحديبية قال صلى الله عليه وسلم: -

(إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشاً قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة -عقدت معهم هدنة- ويخلوا بيني وبين الناس -يعني يطلقوا له حرية الدعوة للعرب- فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمي هذا حتى تنفرد سالفتي).

فكان طالباً للصلح والمعاهدة من أجل مصلحة الدولة وطلباً للعمرة ولكي يتفرغ للدعوة وبناء الدولة حتى أنه قبل ببعض البنود المجحفة من وجهة نظر الصحابة ولكن لبعد نظر النبي أفادت هذه البنود المسلمين مثل أنه يرد من جاء مسلماً لقريش مرة أخرى، ولكن لما أخرجهم من المدينة ولم يرجعوا إلى مكة فكانوا تهديد لقوافل قريش، فطلبت قريش أن يرد هؤلاء إلى المدينة.

وأيضاً بأن المعاهدة نصت على رد من جاء مسلماً ولم تنص على من جاءت مسلمة فلم يرد الرسول من جاءت من النساء مسلمات.

وأستطاع الرسول بعد المهادنة من فتح خيبر وتأديب من خان العهد من اليهود والبداية في بناء المدينة والدولة. واستطاع إعادة بناء الجيش وتقويته وهيكلته جيداً. وأقبلت عليه الوفود من جميع الجزيرة تعقد الصلح مع الرسول ومنها من جاء مسلماً.

والهدنة المسلحة لإعادة الصفوف كما كان يريد الرسول أن يفعل مع الأحزاب بأن يرجعوا عن غزو المدينة وأن يكون لهم ثلث خراجها ليستطيع القتال مع جهة واحدة وعدد أقل ولا يشتت جيشه فكانت الحاجة السياسية والعسكرية تطلب عقد الهدنة والصلح.

فنرى الحنكة السياسية بالسعي للصلح والطلب له ولكن من موقع قوة عندما قال صلى الله عليه وسلم: -

(وإن أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي).

حتى لا يستضعفونه وكانت الهدنة لتقوية الإسلام في الجزيرة والتخلص من غدر اليهود بالمدينة.

وهنا يتحدد إبقاء المصلحة العليا وأقل الضررين بالهدنة أو الانسحاب أو إلغاء الحرب من أجل توحيد الصفوف وبناء الدولة والجيش. فيكون الموجه هي المصلحة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وإن السعي للصلح هو لحماية دماء الشعوب ونشر السلام والسعي له، والالتفاف لبناء الدولة والمجتمع.