كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 50 (الحفاظ على العهود وعدم الغدر)

 


20- الحفاظ على العهود والمواثيق وعدم الغدر وجواز تغيير العهد إلى الأفضل في مصلحة الأمة: -

 

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ).

(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا).

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتهم وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ).

(إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ).

(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ).

{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177].

{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76].

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).

(وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

(وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ)

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

لعدم الالتفاف على العهود والمواثيق والحفاظ عليها فلا تكون العهود للغش والخديعة أبداً بل يجب الحفاظ عليها طالما يحافظ عليها الآخر، وهذا من صميم تعاليم الفكر الإسلامي التي يجب أن نتمسك بها وننفذها. فلا نغدر بل نوفي العهود مهما حدث إلا في حالات الغدر.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ألا أخبركم بخياركم؟ خياركم الموفون بالعهود...).

(المسلمون عند شروطهم).

(لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم -وفي رواية أخرى فيصالحونكم على صلح- فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه لا يصلح لكم).

(إلا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة).

(من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعون عاماً).

(إلا ومن قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة وإن رائحتها ليوجد من مسيرة خمسين خريفاً).

(من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقده ولا يشدنها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء).

(وفوا لهم ونستعين الله عليهم).

(أوفوا بحلف الجاهلية فإن الإسلام لم يزه إلا شدة).

(لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به).

(ذمة المسلمين واحدة فإن جارت عليهم جائرة إن عاهد أحد المسلمين كافراً-فلا تخفروها -لا تنقضوها- فإن لكل غادر لواء يعرف به).

(من أمن رجلاً على دمه فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً).

(إذا اطمأن الرجل إلى الرجل ثم قتله بعدما اطمأن إليه نصب له يوم القيامة لواء غدر).

-الأمثلة: -

1- النبي منع عمر بن الخطاب أن يقتل اليهود لأن لهم ذمة ومنع قتل المنافقين لأنهم يظهرون لا إله إلا الله وهذا عهد لله أيضاً وجب الحفاظ عليه.

2- وأنه عندما أقام صلح الحديبية مع قريش للموادعة عشر سنوات قال بعض الناس للنبي إنهم على نية الغدر وإنهم يعدون لقتاله فقال عليه السلام (فوا لهم ونستعين الله تعالى عليهم).

وهذا دليل قاطع على الوفاء بالعهد حتى التأكد من الغدر وإظهاره من الطرف الآخر.

3- حدث أن أحد الصحابة وهو حذيفة بن اليمان خرج مع والده أبو سهيل من مكة ليلحق بالنبي ليشهد معه بدر، فأوقفهم المشركين من قريش وسألوهم: أتريدون محمد. فقالوا: لا، بل نريد المدينة. فأخذوا منهم العهد على ألا يقاتلوا مع النبي فعاهدوهم، وعندما وصلوا إلى المدينة قصوا ما حدث على الرسول وأنهم يريدون نقض العهد ليشهدوا معه بدر فرفض الرسول رغم حاجته لكل جندي وكل سيف لقلة العدد وقال: نفي بعهدنا لهم ونستعين بالله عليهم.

4- حكم القاضي جُميع بن حاضر الباجي بخروج جيش المسلمين من مدينة دخلوها عدواناً ولم ينذر أهلها ووعد بعدم دخول الجيش لها للحفاظ على العهود التي وعدنا الناس بها فكان قتيبة بن مسلم الباهلي فتح أرض سمرقند من غير أن يخيرهم بين الأمور الثلاثة (السلم الدائم أو الوقتي ونشر الدعوة أو القتال) فاختاروا الوقتي وهو عدم دخول الجيش للمدينة. فشكا أهل المدينة قتيبة وقالوا ظلمنا قتيبة وغدر بنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والإنصاف وطلبوا أن يؤذن لهم ليقدموا على عمر بن عبد العزيز ويسطوا قضيتهم فأذن لهم ولما قدموا عليه واستمع إليهم كتب إلى واليه يقول له إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم فلينظر في أمرهم فإن قضي لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم قبل أن يظهر عليهم قتيبة فجلس لهم الوالي القاضي وهو جُميع فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم أو ينابذونهم على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة.

كل هذه أدلة على أهمية الحفاظ على العهود والمواثيق والاتفاقيات طالما عاهدنا أصحابها عليها ولا نخنها مهما كانت الظروف من أجل ترسيخ أخلاق العدل في الفكر الإسلامي ونشره فإن الله لا يحب الغدر حتى ولو في حق مخالف في الدين لأنه يضر بعظمة الفكر والدين الإسلامي، وحتى لا يرى غير المسلم أن المسلم الذي عاهده قد غدر به فيصد بهذا عن الإيمان بالدين والفكر الإسلامي. ولا ننبذ العهود ونحافظ عليها إلا إذا انتهت مدة العهد أو ينبذه قوم العهد أنفسهم بالخيانة.

وأكد الفكر الإسلامي على حفظ المواثيق والعهود وعدم الغدر بها أبداً حتى لو كانت من عهود سابقة مع جواز تغييرها للأفضل في صالح الأمة بالاتفاق مع الطرف الآخر.

ونرى هنا أن المعاهد هذا لم تحدد ديانته لنعرف مدى أهمية الحفاظ على العهد مع أي أحد سواء مسلماً أو كتابياً أو غير ذلك. بل والعدل في الحفاظ عليه بالقضاء العادل كما ذكرنا في الأمثلة الماضية. ولم يقم الرسول ولا أحد من الخلفاء بنقض عهد إلا في الحدود التي أباحها الإسلام كما سنشرح في حدود الخيانة من المعاهد معنا في النقطة القادمة.

-أسباب نقض العهود: -

لا يحبذ نقض العهود إلا في حالات بسيطة منها على سبيل المثال لا الحصر: -

1- إذا كانت مؤقتة ومحددة بمدة وانتهائها.

قال الله تعالى: -

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

2- حدوث الغدر والخيانة.

-       قال الله تعالى: -

(وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ)

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)

-شروط نقض العهد: -

لأن المنهج الإسلامي يؤكد دائماً على العدل فقد وضع شروطاً أساسية لإتمام أو نقض العهد: -

1-   العدل في نقض العهد.

2-   الإعلام والإنذار قبل التخلي عن العهد وإعلان السبب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم