40- الفكر
الثوري الإسلامي: -
- قال النبي
صلى الله عليه وسلم: -
(من رأى
منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان).
(أفضل الجهاد
كلمة حق عند سلطان جائر).
(إذا رأيتم
أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منه).
نجد أن
الفكر الإسلامي فكر ثوري يعمل على الحث على التغيير والثورة ضد الخطأ والفساد
والظلم والتغيير للأفضل ودحض الظلم وإقامة العدل بطريقة دائمة، ويعمل على وجود ديمقراطية
ومدنية وعدالة اجتماعية وإصلاحات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وغيرها. هذا غير أنه
يجعل من الفرد في المجتمع فعال ومتحرك دائماً في الدولة لإيجاد حلول جذرية للمشاكل
ومراقبة الدولة ومؤسساتها والحاكم وتوجيهه ومحاسبته والخروج بالثورة عليه من أجل
الإصلاح ويجعله يعمل للمصلحة العامة سواء فرد من المجتمع المدني أو المجتمع
السياسي بشكل متحرك ودائم وثوري.
فنجد أنه حل
الاستبداد بالشورى وإلزام الحاكم بها وإجبار الحاكم على طاعة الشعب وإلا إقالته
بالسياسة أو بالثورة إن لزم الأمر كما وضحنا بالسابق.
- قال
الرسول صلى الله عليه وسلم: -
(سيد
الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق عند ملك جائر فقتله).
(سيد
الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
(أفضل
الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).
تحفيزاً على
مراقبة وتوجيه الحاكم بالنصح والإرشاد وبالخروج والثورة عليه إن لزم الأمر وزاد جوره
وفسقه وهذا من أسس الفكر الثوري ولكن دون عنف أو قوة حتى لا تضيع البلاد في حروب
داخلية. فعمل النبي على نشر الوعي بين الناس ثم بدأ بعمل التنظيم ثم بدأ ببناء
الدولة بالمدينة، وهذه هي خطوات العمل الثوري السلمي السوي بالوعي والتنظيم.
فقول الحق
بوقت الظلم هو في حد ذاته ثورة، فلا يمكن الحياد عن الحق وقت الظلم وإلا أصبحنا في
جانب الظلم ومشتركين فيه.
وإلزام
الفكر الإسلامي للإنسان بالوقوف أمام الظلم والظالم واستعادة الحقوق الإنسانية
المسلوبة وبناء نظام سوي للدولة الديمقراطية الحديثة بالالتزام بقواعد وأسس في مختلف
نواحي الحياة (السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية) دون الالتزام بنظام
حكم محدد ومحاولة التجديد الدائم والبحث عن الخيارات الأفضل والأصوب للأمة
والمراقبة الدائمة والتوجيه والمعارضة والحساب والمحاكمة على الخطأ هو أساس فكر
الثورة الدائمة المستمرة من أجل بناء دولة ديمقراطية متقدمة ومجتمع متحضر. فكانت
هذه الحلول جذرية لمشاكل تعاني منها دول كثيرة فتنهي هذه الحلول المشكلة للأبد وهذا
هو الفكر الثوري المطلوب.
ويقول أحدهم
أن التغيير والثورة تؤدي إلى المشاكل والفوضى فمن المفترض أن نأخذ بأقل الضررين.
ولكن أقول هنا بمنطقه أن نأخذ بأعلى الفائدتين وهي أن عزل حاكم جائر لا يطبق كلام
الله ومنهجه حتى لو حدث بعض الفوضى أفضل لأنه في النهاية سيحدث الأمان ويطبق منهج
الله وهذه هي الفائدة الأعلى ولننظر إلى الهدف الأسمى وهو الإصلاح وما ستناله
الأمة من تحضر وتقدم.
فمبدأ درء
المفسدة مقدم على جلب المصلحة لا يصح مع تعاظم المفاسد في الاستبداد بالحكم بل
تكون درء المفسدة هنا بالتخلص من الحاكم الذي يفسد بالشعب من أجل المصلحة العامة
للوطن.
وفي الجانب الاقتصادي
نجد مثلاً أن الفكر الإسلامي حل الاحتكار بالتحفظ على أموال المحتكر ومنعه من
التجارة كما سنرى في باب الاقتصاد.
والفكر الإسلامي
ثوري لأنه أيضاً بجانب ثوريته على الظلم والفساد والاستبداد هو ثورة فكرية على
الأخطاء الفكرية والعادات المجتمعية الخاطئة ويعمل على حلها جذرياً، ويعمل على تطوير
المجتمع ثقافياً وفكرياً من أجل النهوض بالدولة وبناء حضارة ودولة متقدمة. فيعمل
على الحل الفوري من جذور وأصل المشكلة وليست بحلول مؤقتة.
فبهذا وضع
الفكر الإسلامي الأسس للفكر الثوري ونظرية الثورة الدائمة والمستمرة من أجل الحفاظ
على العدل والحقوق وحماية الشعب ومنع أي سبيل للاستبداد والفساد والقهر. ويجعل من
الفرد ثورياً ليس من أجل أنه وقع عليه ظلم ليس إلا، وإنما لرفض الظلم حتى لا يعم
على الناس وعليه.
وفي نفس
الوقت مع الثورية التي يحض عليها الفكر الإسلامي مع وجود أخطاء وحلها من جذورها هو
يعمل على اصلاح المجتمع ككل بهذه الثورية الفكرية.
41- علاقة
الحاكم والشعب: -
مما وضح
لدينا أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تكون مترابطة وطردية بنفس الوقت فمع لزوم
الطاعة للحاكم تكون غير ملزمة عندما يخرج الحاكم عن أسس الفكر الإسلامي بل ويجب محاسبته،
وأنه من الملزم الخروج عليه وخلعه وتغييره عندما يفسد ويظلم ولا يرجع عن ظلمه
بالحسنى حتى لا يزيد استبداده وتدميره للدولة والشعب بكثرة الجور والظلم والفساد.
-عدم تعظيم وتبجيل
الحكام وتقديس الأشخاص: -
1- نجد
الرسول عندما حاول إعرابي أن يقبل يده قال له: لا تفعل كما فعل الأعاجم بملوكهم.
1- وعندما قام له أصحابه عند دخوله المجلس عليهم قال: لا
يقم بعضكم لبعض تكبيراً وتعظيماً كالأعاجم.
2- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -
(إنما هو الظن
إن كان يغني شيئاً فأصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت
لكم قال الله فلن أكذب على الله ما كان من أمر دينكم فإلى وإن كان شأناً من أمر
دنياكم فشأنكم به أنتم أعلم بأمور دنياكم).
(إنما أنا
بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر).
3- أن النصارى جادَلوا النبي محمدًا في معنى قول الله
تعالى:
﴿اتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]
قائلين:
إنهم لم يَتخِذوا الأحبار والرهبان أربابًا. فقال لهم الرسول أنهم نظَروا إلى
أحبارهم ورهبانهم على أنهم معصومون؛ يَملِكونَ حقَّ التحريم والإباحة، وهذا الحقُّ
لله وحده، فمن يملكه يُشرِك بالله، ويكون مدعيًا للألوهية، فتلك عبادتهم إياهم؛
أليسوا يؤمنون بأن ما يُحِلُّونَه في الأرض يُحِلُّه الله في السماء، وما
يُحرِّمونه في الأرض يُحرِّمه الله في السماء، فكإن الله تابعٌ لهم وكأنهم
يقدِّسون الأحبار والرهبان أكثرَ من تقديسهم لله.
وهذا لا يجب
أن يحدث ولا يصح أن يتم تقديس أي شخص واتخاذ رأيه دون تفكير مهما كانت منزلته.
4- قول عمر بن الخطاب: إن أرسلت لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا
به الأرض واستمسكوا بالحق وحده.
فكل أمر
يقال من أحد محل نقاش وليس أمر مطلق.
5- كان عمر بن عبد العزيز ينهي عمن يناديه خليفة الله في الأرض
منعاً للتبجيل والنفاق ولعظم الكلمة ومعناها.
6- وقال الإمام مالك: -
(إنما أنا
بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق
الكتاب والسنة فتركوه).
فهذا لكيلا
نمجد ونبجل في الأشخاص والحكام ونصنع منهم طاغوتاً يحكم بمفرده مهما كانت إنجازاته
لأن هذا واجبه تجاه الأمة سواء كان حاكم أو عالم فلا نمجد الفاعل من أجل الفعل بل
نمجد الفعل من أجل تشييد الحضارة فيكون الفعل دفعة للتقدم وإنجاز أفعال أخرى تقيم
حضارة الدولة.
ففي الأساس
تعظيم الأشخاص بعيد كل البعد عن المنهج الفكري للفكر الإسلامي وتعاليمه التي تنادي
بالمساواة ولا فضل لأحد على أحد. فلا نرفع من شأن أحد ونعظم شخص حتى لا يتملكه حب
السيطرة على الأفراد فيستبد بهم ويتحكم بهم، هذا غير أن تبجيل الأشخاص يجعلهم فوق
المحاسبة والنقد وهذا خطأ لأنه سيفتح باب الاستبداد للحكام بالشعوب.
فكثرة تعظيم
الحاكم يفتح الباب للمنافقين للسلطة من أجل المكاسب الشخصية ويجعل من الحاكم لا يرى
أخطائه وعدم قدرته على امتلاك الرؤية السليمة للأمور مع عدم وجود من يعارضه فيصل
الأمر إلى الاستبداد وزيادة الفساد بالدولة، وعدم المسؤولية، وعدم المحاسبة.
فبهذا تتحدد
قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكن سليمة بين الجهتين وخصوصاً عدم تقديس
الحاكم لأن هذه أول خطوات فساد الحاكم والسلطة فلا أحد منزه من الخطأ لكيلا نقومه أو
نعارضه.
- قواعد
العلاقة بين الحاكم والمحكوم: -
1- عدم
تقديس وتعظيم الحكام.
2- عدم الحكم
باسم الله وكأنه مفوض منه.
3- الالتزام
بموضوعية ونزاهة المعارضة.
3- الالتزام بالنصح.
4- الالتزام بالطاعة ونصرة الأمة طالما لم يخرج عن أسس
الحكم السوي.
6-الالتزام
بالتقويم والخروج عليه عند اللزوم.
7- الالتزام
بالمصداقية والشفافية.
7- تحقيق العدل والمساواة.
8- تحمل الحكام المسؤولية وتبعات القرار.
10-حق الشعب
بمحاسبة الحاكم.
فالالتزام
بالنصح ضروري لتقويم الحاكم كما شرحنا بالسابق خاصةً العلماء فقال النبي: -
(اثنان من
الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء).
والعلماء
هنا ما لهم علم في كل الأمور من علوم الدين والدنيا لتوجيه الدولة للأصلح فذكر
النبي صلى الله عليه وسلم العلماء قبل الأمراء ليكون الواجب الأول على عاتقهم في
إصلاح وتوجيه الأمراء إن فسدوا والحديث يدل على أن هذان الفئتان يملكان مفاتيح
الدولة وصلاحها أو فسادها.
فالعلماء
يملكون التربية والتعليم وإسداء النصح للحكام وتوجيه وإثارة الناس على الحاكم.
والأمراء يملكون الدولة وتوجهاتها وقدرة العمل بها ولها. فإن فسد الاثنان ضاعت الأمة
وإن صلح الاثنان بنيت الحضارة. وإن فسد إحداهما واجب على الآخر إصلاحه حتى ولو
بالقوة وإلا أفسده هو أيضاً ليستتب الأمر له ولا يوقفه أحد.
فإن فسد
العلماء فسد الشعب ونافق الجميع الحكام وضاعت العلاقة السوية بين الحاكم والمحكوم
التي تقوم على الشورى والمعارضة وبالتالي ضاعت الدولة وإن صلح العلماء أصلحوا
الشعب وأعانوه على مواجهة الظلم بالعلم والفهم ولن يستطيع الحاكم الاستبداد أو التكبر
على الشعب وظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم سليمة فلا يتحكم فيهم ولا يستبد
بالبلاد والعباد.
والتقديس لا
يكون للحكام فقط وإنما أيضاً عدم تقديس لأي شخص كان. لأن تقديس الأشخاص يجعل منهم
مستبدين ويجعل من الفرد تابع لهم ولا يقبل نقدهم أو تخطيئهم أو مناقشة آرائهم.
وهذا يفتح
باب الاستبداد والخطأ الفكري والتبعية الفكرية. وهذا مالا يقبله الفكر الإسلامي
الذي يدعو إلى الحرية الفكرية ومناقشة كل الآراء والتفكير (كما سنرى بباب الحياة
الثقافية). فيجب عدم القدسية لأحد حتى لا يستبد بغيره.