فلسفة الفكر الإسلامي 36 (الفكر الثوري، علاقة الحاكم والشعب)

 


40- الفكر الثوري الإسلامي: -

 

- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

(إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منه).

نجد أن الفكر الإسلامي فكر ثوري يعمل على الحث على التغيير والثورة ضد الخطأ والفساد والظلم والتغيير للأفضل ودحض الظلم وإقامة العدل بطريقة دائمة، ويعمل على وجود ديمقراطية ومدنية وعدالة اجتماعية وإصلاحات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وغيرها. هذا غير أنه يجعل من الفرد في المجتمع فعال ومتحرك دائماً في الدولة لإيجاد حلول جذرية للمشاكل ومراقبة الدولة ومؤسساتها والحاكم وتوجيهه ومحاسبته والخروج بالثورة عليه من أجل الإصلاح ويجعله يعمل للمصلحة العامة سواء فرد من المجتمع المدني أو المجتمع السياسي بشكل متحرك ودائم وثوري.

فنجد أنه حل الاستبداد بالشورى وإلزام الحاكم بها وإجبار الحاكم على طاعة الشعب وإلا إقالته بالسياسة أو بالثورة إن لزم الأمر كما وضحنا بالسابق.

- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: -

(سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق عند ملك جائر فقتله).

(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

تحفيزاً على مراقبة وتوجيه الحاكم بالنصح والإرشاد وبالخروج والثورة عليه إن لزم الأمر وزاد جوره وفسقه وهذا من أسس الفكر الثوري ولكن دون عنف أو قوة حتى لا تضيع البلاد في حروب داخلية. فعمل النبي على نشر الوعي بين الناس ثم بدأ بعمل التنظيم ثم بدأ ببناء الدولة بالمدينة، وهذه هي خطوات العمل الثوري السلمي السوي بالوعي والتنظيم.

فقول الحق بوقت الظلم هو في حد ذاته ثورة، فلا يمكن الحياد عن الحق وقت الظلم وإلا أصبحنا في جانب الظلم ومشتركين فيه.

وإلزام الفكر الإسلامي للإنسان بالوقوف أمام الظلم والظالم واستعادة الحقوق الإنسانية المسلوبة وبناء نظام سوي للدولة الديمقراطية الحديثة بالالتزام بقواعد وأسس في مختلف نواحي الحياة (السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية) دون الالتزام بنظام حكم محدد ومحاولة التجديد الدائم والبحث عن الخيارات الأفضل والأصوب للأمة والمراقبة الدائمة والتوجيه والمعارضة والحساب والمحاكمة على الخطأ هو أساس فكر الثورة الدائمة المستمرة من أجل بناء دولة ديمقراطية متقدمة ومجتمع متحضر. فكانت هذه الحلول جذرية لمشاكل تعاني منها دول كثيرة فتنهي هذه الحلول المشكلة للأبد وهذا هو الفكر الثوري المطلوب.

ويقول أحدهم أن التغيير والثورة تؤدي إلى المشاكل والفوضى فمن المفترض أن نأخذ بأقل الضررين. ولكن أقول هنا بمنطقه أن نأخذ بأعلى الفائدتين وهي أن عزل حاكم جائر لا يطبق كلام الله ومنهجه حتى لو حدث بعض الفوضى أفضل لأنه في النهاية سيحدث الأمان ويطبق منهج الله وهذه هي الفائدة الأعلى ولننظر إلى الهدف الأسمى وهو الإصلاح وما ستناله الأمة من تحضر وتقدم.

فمبدأ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة لا يصح مع تعاظم المفاسد في الاستبداد بالحكم بل تكون درء المفسدة هنا بالتخلص من الحاكم الذي يفسد بالشعب من أجل المصلحة العامة للوطن.

وفي الجانب الاقتصادي نجد مثلاً أن الفكر الإسلامي حل الاحتكار بالتحفظ على أموال المحتكر ومنعه من التجارة كما سنرى في باب الاقتصاد.

والفكر الإسلامي ثوري لأنه أيضاً بجانب ثوريته على الظلم والفساد والاستبداد هو ثورة فكرية على الأخطاء الفكرية والعادات المجتمعية الخاطئة ويعمل على حلها جذرياً، ويعمل على تطوير المجتمع ثقافياً وفكرياً من أجل النهوض بالدولة وبناء حضارة ودولة متقدمة. فيعمل على الحل الفوري من جذور وأصل المشكلة وليست بحلول مؤقتة.

فبهذا وضع الفكر الإسلامي الأسس للفكر الثوري ونظرية الثورة الدائمة والمستمرة من أجل الحفاظ على العدل والحقوق وحماية الشعب ومنع أي سبيل للاستبداد والفساد والقهر. ويجعل من الفرد ثورياً ليس من أجل أنه وقع عليه ظلم ليس إلا، وإنما لرفض الظلم حتى لا يعم على الناس وعليه.

وفي نفس الوقت مع الثورية التي يحض عليها الفكر الإسلامي مع وجود أخطاء وحلها من جذورها هو يعمل على اصلاح المجتمع ككل بهذه الثورية الفكرية.

 

41- علاقة الحاكم والشعب: -

 

مما وضح لدينا أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تكون مترابطة وطردية بنفس الوقت فمع لزوم الطاعة للحاكم تكون غير ملزمة عندما يخرج الحاكم عن أسس الفكر الإسلامي بل ويجب محاسبته، وأنه من الملزم الخروج عليه وخلعه وتغييره عندما يفسد ويظلم ولا يرجع عن ظلمه بالحسنى حتى لا يزيد استبداده وتدميره للدولة والشعب بكثرة الجور والظلم والفساد.

-عدم تعظيم وتبجيل الحكام وتقديس الأشخاص: -

1- نجد الرسول عندما حاول إعرابي أن يقبل يده قال له: لا تفعل كما فعل الأعاجم بملوكهم.

1-   وعندما قام له أصحابه عند دخوله المجلس عليهم قال: لا يقم بعضكم لبعض تكبيراً وتعظيماً كالأعاجم.

2-   قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إنما هو الظن إن كان يغني شيئاً فأصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله ما كان من أمر دينكم فإلى وإن كان شأناً من أمر دنياكم فشأنكم به أنتم أعلم بأمور دنياكم).

(إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر).

3-  أن النصارى جادَلوا النبي محمدًا في معنى قول الله تعالى:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]

قائلين: إنهم لم يَتخِذوا الأحبار والرهبان أربابًا. فقال لهم الرسول أنهم نظَروا إلى أحبارهم ورهبانهم على أنهم معصومون؛ يَملِكونَ حقَّ التحريم والإباحة، وهذا الحقُّ لله وحده، فمن يملكه يُشرِك بالله، ويكون مدعيًا للألوهية، فتلك عبادتهم إياهم؛ أليسوا يؤمنون بأن ما يُحِلُّونَه في الأرض يُحِلُّه الله في السماء، وما يُحرِّمونه في الأرض يُحرِّمه الله في السماء، فكإن الله تابعٌ لهم وكأنهم يقدِّسون الأحبار والرهبان أكثرَ من تقديسهم لله.

وهذا لا يجب أن يحدث ولا يصح أن يتم تقديس أي شخص واتخاذ رأيه دون تفكير مهما كانت منزلته.

4-   قول عمر بن الخطاب: إن أرسلت لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده.

فكل أمر يقال من أحد محل نقاش وليس أمر مطلق.

5-   كان عمر بن عبد العزيز ينهي عمن يناديه خليفة الله في الأرض منعاً للتبجيل والنفاق ولعظم الكلمة ومعناها.

6-   وقال الإمام مالك: -

(إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فتركوه).

فهذا لكيلا نمجد ونبجل في الأشخاص والحكام ونصنع منهم طاغوتاً يحكم بمفرده مهما كانت إنجازاته لأن هذا واجبه تجاه الأمة سواء كان حاكم أو عالم فلا نمجد الفاعل من أجل الفعل بل نمجد الفعل من أجل تشييد الحضارة فيكون الفعل دفعة للتقدم وإنجاز أفعال أخرى تقيم حضارة الدولة.

ففي الأساس تعظيم الأشخاص بعيد كل البعد عن المنهج الفكري للفكر الإسلامي وتعاليمه التي تنادي بالمساواة ولا فضل لأحد على أحد. فلا نرفع من شأن أحد ونعظم شخص حتى لا يتملكه حب السيطرة على الأفراد فيستبد بهم ويتحكم بهم، هذا غير أن تبجيل الأشخاص يجعلهم فوق المحاسبة والنقد وهذا خطأ لأنه سيفتح باب الاستبداد للحكام بالشعوب.

فكثرة تعظيم الحاكم يفتح الباب للمنافقين للسلطة من أجل المكاسب الشخصية ويجعل من الحاكم لا يرى أخطائه وعدم قدرته على امتلاك الرؤية السليمة للأمور مع عدم وجود من يعارضه فيصل الأمر إلى الاستبداد وزيادة الفساد بالدولة، وعدم المسؤولية، وعدم المحاسبة.

فبهذا تتحدد قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكن سليمة بين الجهتين وخصوصاً عدم تقديس الحاكم لأن هذه أول خطوات فساد الحاكم والسلطة فلا أحد منزه من الخطأ لكيلا نقومه أو نعارضه.

- قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم: -

1- عدم تقديس وتعظيم الحكام.

2- عدم الحكم باسم الله وكأنه مفوض منه.

3- الالتزام بموضوعية ونزاهة المعارضة.

3-   الالتزام بالنصح.

4-   الالتزام بالطاعة ونصرة الأمة طالما لم يخرج عن أسس الحكم السوي.

6-الالتزام بالتقويم والخروج عليه عند اللزوم.

7- الالتزام بالمصداقية والشفافية.

7-   تحقيق العدل والمساواة.

8-   تحمل الحكام المسؤولية وتبعات القرار.

10-حق الشعب بمحاسبة الحاكم.

فالالتزام بالنصح ضروري لتقويم الحاكم كما شرحنا بالسابق خاصةً العلماء فقال النبي: -

(اثنان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء).

والعلماء هنا ما لهم علم في كل الأمور من علوم الدين والدنيا لتوجيه الدولة للأصلح فذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلماء قبل الأمراء ليكون الواجب الأول على عاتقهم في إصلاح وتوجيه الأمراء إن فسدوا والحديث يدل على أن هذان الفئتان يملكان مفاتيح الدولة وصلاحها أو فسادها.

فالعلماء يملكون التربية والتعليم وإسداء النصح للحكام وتوجيه وإثارة الناس على الحاكم. والأمراء يملكون الدولة وتوجهاتها وقدرة العمل بها ولها. فإن فسد الاثنان ضاعت الأمة وإن صلح الاثنان بنيت الحضارة. وإن فسد إحداهما واجب على الآخر إصلاحه حتى ولو بالقوة وإلا أفسده هو أيضاً ليستتب الأمر له ولا يوقفه أحد.

فإن فسد العلماء فسد الشعب ونافق الجميع الحكام وضاعت العلاقة السوية بين الحاكم والمحكوم التي تقوم على الشورى والمعارضة وبالتالي ضاعت الدولة وإن صلح العلماء أصلحوا الشعب وأعانوه على مواجهة الظلم بالعلم والفهم ولن يستطيع الحاكم الاستبداد أو التكبر على الشعب وظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم سليمة فلا يتحكم فيهم ولا يستبد بالبلاد والعباد.

والتقديس لا يكون للحكام فقط وإنما أيضاً عدم تقديس لأي شخص كان. لأن تقديس الأشخاص يجعل منهم مستبدين ويجعل من الفرد تابع لهم ولا يقبل نقدهم أو تخطيئهم أو مناقشة آرائهم.

وهذا يفتح باب الاستبداد والخطأ الفكري والتبعية الفكرية. وهذا مالا يقبله الفكر الإسلامي الذي يدعو إلى الحرية الفكرية ومناقشة كل الآراء والتفكير (كما سنرى بباب الحياة الثقافية). فيجب عدم القدسية لأحد حتى لا يستبد بغيره.

فلسفة الفكر الإسلامي 35 (محاكمة الحاكم)

 


39- محاكمة الحاكم: -

 

من موقف الرسول قبل موته بطلبه من أي أحد قد آذاه أن يقتص منه لهو موقف يؤكد على لا عيب أو خطأ في محاسبة ومحاكمة الحاكم.

فقال لهم: معاشر المسلمين، أنا أنشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قِبَلي مظلمة فليقم فليقتص مني. فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثانية، فلم يقم أحد، فناشدهم الثالثة: "معاشر المسلمين أنشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قِبلي مظلمة فليقم فليقتص مني قبل القصاص في القيامة. فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له عكاشة، فتخطى المسلمين حتى وقف بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: فداك أبي وأمي، لولا أنك ناشدتنا مرة بعد أخرى ما كنت بالذي يقدم على شيء من هذا، كنت معك في غزاة فلما فتح الله عز وجل علينا ونصر نبيه صلى الله عليه وسلم، وكنا في الانصراف حاذت ناقتي ناقتك، فنزلت عن الناقة ودنوت منك لأقبل فخدك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، ولا أدري أكان عمدًا منك أم أردت ضرب الناقة؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أعيذُك بجلال الله أن يَتعمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالضرب، يا بلال انطلق إلى منزل فاطمة وائتني بالقضيب المَمشُوق. فخرج بلال ويده على أم رأسه وهو ينادي: هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعطي القصاص من نفسه، فقرع الباب على فاطمة، فقال: يا بنت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ناوليني القضيب الممشوق، فقالت فاطمة: يا بلال، وما يصنع أبي بالقضيب، وليس هذا يوم حج ولا غزاة، فقال: يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوكِ، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يودع الدين ويفارق الدنيا ويعطي القصاص من نفسه، فقالت فاطمة رضي الله عنها يا بلال: ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ يا بلال إذن فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل، فيقتص منهما ولا يدعانه يقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فدخل بلال المسجد ودفع القضيب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ودفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم القضيب إلى عكاشة، فلما نظر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى ذلك قاما فقالا: يا عكاشة هذان نحن بين يديك فاقتص منا ولا تقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: امضِ يا أبا بكر وأنت يا عمر فامضِ فقد عرف الله مكانكما ومقامكما. فقام علي بن أبي طالب فقال: يا عكاشة أنا في الحياة بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا تطيب نفسي أن يُضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فهذا ظهري وبطني اقتص مني بيدك واجلدني مائة، ولا تقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي: يا علي، اقعد فقد عرف الله عز وجل مقامك ونيتك. وقام الحسن والحسين رضي الله عنهما فقالا: يا عكاشة، أليس تعلم أنا سبطا رسول اللَّه؟ فالقصاص منا كالقصاص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: اقعدا يا قُرة عيني لا نَسِيَ الله لكما هذا المقام. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عكاشة اضرب إن كنت ضَاربًا. فقال: يا رسول الله ضربتني وأنا حاسر عن بطني، فكشف النبي عن بطنه، وصاح المسلمون بالبكاء، وقالوا: أترى يا عكاشة ضارب رسول اللَّه، فلما نظر عكاشة إلى بياض بطن رسول اللَّه كأنه القباطي، لم يملك أن كب عليه وقبل بطنه وهو يقول: فداءٌ لك أبي وأمي ومن تطيق نفسه أن يقتص منك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إمَّا أن تضرب وإمَّا أن تعفو. فقال: قد عفوت عنك رجاءً أن يعفو الله عني يوم القيامة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينظر إلى رفيقي في الجنة فلينظر إلى هذا الشيخ.

وموقف عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وابنه في محاسبتهم عندما اشتكي مصري قبطي ابن عمرو بن العاص أنه ضربه لما سبقه. تظليلاً على حق كل فرد في محاسبة أي أحد دون سلطة من الحكام أو تجبر.

ونجد مثول علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين أمام القاضي مع اليهودي موقف عندما ذهبا للاحتكام في موضوع درع علي بن أبي طالب الذي سقط منه في صفين ووجده مع اليهودي بالسوق. يؤدي لأحقية كل فرد في محاسبة وطلب مثول الحاكم أمام القاضي للفصل في الخصومة دون خوف ولا تفرقة على أي أساس ديني أو عنصري.

فمن هذه الأدلة نجد أنه يحق لكل فرد مساءلة الحاكم في كل شيء ومحاسبته والتقاضي معه إن لزم الأمر، وأنه من الضروري محاسبة أي أحد دون خوف حتى لا يستبد أحد بالدولة والشعب عندما يأمن العقوبة.

فلابد من ضرورة محاكمة الحاكم حين يخطئ، ولا يخرج من الحكم دون حساب ومحاكمة، وهذا لأنه قد خان الأمانة بل وأضاعها وأضر بالدولة والشعب. لأنه موكل من الشعب حتى يتم تحقيق العدل، ويشعر المواطن أن لا أحد فوق القانون، وأن حقه بالعدل يتمكن من استعادته.

فالحاكم كأي فرد بالدولة يمثل أمام القضاء ويحاسب ويطبق عليه القانون في القضايا الشخصية العادية عند التخاصم مع أحد من أفراد الشعب. أما في القضايا العامة الخاصة بالشعب ككل والدولة فمحاسبته على خطئه لابد أن يكون الحكم على الحاكم مشدد حتى يكون عبرة لأي أحد تسول له نفسه أن يخون أمانة وحق الحكم والشعب.

فمحاكمة الحكام ليس فيها عيب أو خطأ وإنما هي تأسيس للعدل والحق وعدم زيادة الفساد والاستبداد. فكلما كانت المحاسبة والمراجعة للأخطاء متواجدة فيقلل هذا من نسبة حدوث الأخطاء، وعدم تكرارها، وتحسين الأداء للدولة من أجل مصلحة الشعب، وعدم جمود الفكر والانحدار بل التجديد والتقدم.

فلسفة الفكر الإسلامي 34 (اللجوء السياسي، الأخلاق والسياسة)

 


37- اللجوء السياسي ونصرة الغير: -

 

-قال الله تعالى: -

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(...إذا استأمنك أمنته وإذا استجار بك أجرته...)

فيتضح لنا أنه واجب علينا نصرة من يستنصرنا على من يعتدي عليه إلا لو كان هذا المعتدي بيننا وبينه عهد لضرورة وأهمية الحفاظ على عهدنا مع الغير فنحاول الصلح بينهم وحماية المستضعفين. وواجب علينا أن ننصر كل من يستنجد بنا أياً كان دينه إن كان يحدث له انتهاكات لحقوقه داخل بلده فحق الجيرة يفرض علينا حمايته إن طلب منا ذلك ونوفر له الأمن والأمان والخدمات كمواطن الدولة وهذا هو حق اللجوء السياسي.

فنصرة المظلوم واجب وحق سواء جار أو دولة أخرى أو مواطن في مكان آخر مظلوم فبهذا أعطى الفكر الإسلامي السياسي أول حق في التاريخ لحق اللجوء السياسي للأفراد ونصرة الدول المظلومة.

 

38- الأخلاق والسياسة: -

 

بمقولة (الدين المعاملة) يتضح الأخلاق وتطبيقها في العمل السياسي. وأن التعامل الاقتصادي والتجاري بعدل دون إضرار بالغير هو من سبيل الأخلاق كما وضحنا بنقطة التعاملات التجارية بهذا الباب.

ونجد أن الفكر الإسلامي في السياسة وقت السلم كما رأينا ووقت الحرب وهذا ما سنتحدث عنه في القسم الثاني من هذا الباب يؤكد على وجود أخلاقيات محددة وهذا ما نجده في ربط الأخلاق بالسياسة. فهذا المنهج يحدد أن التعامل يكون بآداب وأخلاق كريمة فيها شفافية وسلام وحب ومصداقية سواء مع العدو أو الصديق.

ويكون تحديد المعاملة بالأخلاق خصوصاً في العمل السياسي والتجاري بتعاليم الفكر الإسلامي التي تؤكد على عدم النفاق أو الكذب أو الغش أو أي شيء يضر الآخر فتكون السياسة الإسلامية على نفس النهج ولا تكون بنفاق أو إظهار عكس ما نبطن أو بالكذب.

فنجد رغم أن الرسول كان يريد أن يهادن قبائل هوازن وقت غزوة الخندق بأن يرجعوا عن غزو المدينة مع قريش مقابل أن يعطيهم من ثمار المدينة وكان قد هادن القبائل المؤلفة قلوبهم التي تجاور المدينة بأن لا يهاجموا المدينة بمقابل مادي وأقام صلح الحديبية مع قريش، إلا إنه لم يظهر لأحد غير ما في قلبه بأنهم أعداء له وللدولة الإسلامية التي يشيدها وكانت معاملتهم بالندية والاحترام المتبادل وباستخدام الصدق وليس النفاق السياسي.

وما يقال عن مرونة السياسة هي من سبيل النفاق طالما التعامل بالمرونة يكون من الضعيف للقوي أما إذا كانت المعاملة ندية ومن منطلق القوة فتكون المرونة هي قمة التسامح والعدل السياسي كما حدث في فتح مكة بإطلاق سراح أهلها رغم العداوة والحروب.

 وفي العمل السياسي الداخلي لابد من ضمان وجود مناخ ديمقراطي سليم حتى تكون المرونة بين الأحزاب أو بين المعارضة والنظام الحاكم من أجل مصلحة الدولة وليس لمصلحة النظام بالنفاق والتدليس.

فالدولة لا تقوم بدون فضيلة وربطها بإلزام داخلي وروحي وجعل خير وصالح الفرد لا ينفصل عن الخير والصالح العام بل والتأكيد على أن الصالح العام يصب في المصلحة الخاصة وليس العكس لأن المصلحة الخاصة إذا تداخلت مع المصلحة العامة وكانت قبلها أفسدتها.

وبهذا يهدم الفكر الإسلامي مبدأ المنفعة الشخصية ويعلي عليها المنفعة العامة مع وجود القانون كرادع لكل من تسول له نفسه بالانتهازية. فالفرد يعمل ما بوسعه لتحقيق أقصى المنافع العامة التي ستصب بالتالي في مصلحته الشخصية بعد تحقيق المنفعة العامة.

وأكد الفكر الإسلامي أيضاً على أهمية أن يكون الفرد الذي ينتمي للمجتمع السياسي لديه أخلاق للعمل السياسي بجانب الأخلاق المجتمعية كالشفافية والمصداقية والعدل ويحكمها مراقبة السلطات التشريعية والمجتمع المدني والشعب والقانون لمن يحيد عن هذه الأسس والأخلاق. فيعمل كل فرد بالسلطة على أسس وقواعد وأخلاقيات سياسية يحكمها القواعد والأسس واللوائح التي ينص عليها القانون والدستور وتعاقب من يحيد عنها وعن الأسس الموجودة في الفكر الإسلامي. وبوجود هذا الرادع يعمل كل فرد بفاعلية من أجل المصلحة العامة فيكون المجتمع فعالاً.

هذا غير أن الأخلاق في العمل الاقتصادي نشرت الإسلام في دول لم يفتحها المسلمون كإندونيسيا وجنوب أوروبا ووسط أفريقيا لما حدث من تعامل بأخلاق وتسامح بين التجار المسلمين وغيرهم من الدول الأخرى.

وأخلاق الشخص ترجع إلى ذاته وضميره والمجتمع المراقب له وأخلاق السياسي ترجع إلى مرجعيته وإلى المجتمع المدني والشعب الذي يراقبه ويحاسبه بالقانون فتظل بهذا الأخلاق أساس ومحل الربط للثقة بين الشعب والحاكم والنواب والسياسيين والتجار بالصدق والشفافية وعدم الغش لبناء حضارة قوية.

فلسفة الفكر الإسلامي 33 (المؤسسية واللامركزية)

 

 


36- المؤسسية واللامركزية: -

 

مع بداية الدولة الإسلامية على يد الرسول في المدينة بدأ بوضع الأسس السليمة للدولة القوية فبعد توحيد الدولة ووضع أسس المساواة والعدل ووضع دستور للدولة بدأ الرسول في وضع مكونات ومؤسسات الدولة فحدد في البداية المجلس الاستشاري المعاون للحاكم بطلبه نقباء عن أهل المدينة من المهاجرين والأنصار ليكونوا مساعدين ومبلغين لباقي أهل المدينة عنه ويكونون من اختيار الناس لهم كأول مؤسسة بالدولة قبل دخوله المدينة وتم هذا بالبيعة الثانية.

ثم بدأ بتحديد الوزارات والمسؤوليات واختصاصاتها وتعيين مسؤولين عنها وجعل لكل صاحب مسئولية مهمة محددة فمن كان له السقاية ومن له الحجابة ومن له الحج وما غير ذلك دون أن تتدخل كل مسئولية أو وزارة في عمل غيرها ولها حرية التصرف في الحدود المباحة من قبل الحاكم وعلى الأساس المحدد في الوثيقة والتي وافق وبايع الشعب والأمة لها الرسول ولكن بتجانس العمل بينهم.

وكان للنبي صاحب سر هو حذيفة بن اليمان، ومن يكتب الوحي كعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، ومن يكتب الرسائل كأبي ابن كعب، وكتبة العهود كعلي بن أبي طالب وعامر بن فهيرة وأبو بكر، وأمين ختم النبي وهو معيقب بن أبي فاطمة الأروسي، وقام بتعيين القضاة مثل عمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود.

وقام النبي أيضاً بتعيين عمال ونواب للحاكم بكل ولاية ومدينة تنضم للدولة وترك كل عامل ولاه على ولاية وأمره على مدينة يتحرك بحرية لما يراه صواباً في مكانه الذي تولاه بعد الشورى مع معاونيه من أجل الوصول للصواب على الأساس الموضوع بالدستور ومنهجية الحاكم بالفكر الإسلامي وهذا لسرعة اتخاذ القرار.

فنجد الرسول في كل غزوة يترك حاكم للمدينة بدلاً عنه (كنائب) يدير الأمور في غيبته كما ترك عبد الله بن أم مكتوم عند خروجه لغزوة أحد.

ونجد أن الدولة الإسلامية هي أول من أسست لبيت مال مخصص بموارد الدولة ونواحي الصرف فيها يتم تأييد فيه كل مال يدخل ويخرج من الخزينة وبأي جهة يصرف.

ووضع وظيفة للمحتسب أي المراقب للأسواق فمثلاً كان سعيد بن سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح.

ونجد أن النبي ومن بعده الخلفاء الراشدين عند تعيين قيادة للجيش لم يحدث من أحد منهم تدخل منهم كقيادة سياسية في قرارات القيادة العسكرية بل دائماً كان لقيادة الجيش مطلق التصرف في قراراتهم العسكرية على حسب ما يرتأون للموقف العسكري تأكيداً على المؤسسية وأن أهل الخبرة والكفاءة لهم حرية التصرف والفصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية.

ولكنه كحاكم قسم صفوف الجيش فوضع وظيفة المستنفر الذي يستنفر الجنود كالشؤون المعنوية بالجيوش الحديثة، وحامل الراية وكان أول من حملها في الدولة الإسلامية هو عبيدة بن الحارث، ووظائف أخرى كصاحب السلاح أي المسؤول عنها، وصاحب الذخائر والثقل والإمداد والتموين، والجواسيس.

ولما كان النبي أول من وضع المؤسسات بالدولة وعملها وقسمها ثم زاد عليها عمرو بن الخطاب بإدخال الدواوين وأن الفكر الإسلامي أول من فصل القضاء عن الحكم وقام بتعيين القضاة وكان عمر بن الخطاب مؤسس الدواوين فوضع ديوان للجند والحسبة والأعطيات كالشؤون الاجتماعية والأعطيات الشهرية للناس وحصرهم وديوان حرس الحدود والعسس والبريد وبيت للدقيق من أجل الفقراء مجدداً ومطوراً على نظام الدواوين عما كان في الفرس.

واستخدام أهل الخبرة والكفاءة هي من أسس دعم المؤسسية في الدولة وحرية تصرفهم في القرارات المناسبة في أماكن مسئوليتهم كاستخدام خالد بن الوليد كقائد الجيش بعد إسلامه مباشرةً على جيش فيه كبار الصحابة كأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرها من الأمثلة التي ذكرناها بنقطة (المواطنة بجزئية أهل الكفاءة والخبرة في هذا الباب).

هذا غير العمل الجماعي والتعاوني المؤسسي من أجل إنجاح الدولة مع اختلاف القيادات فأكمل عمر بن الخطاب ما بدأه أبو بكر الصديق. فهذا شكل من أشكال العمل المؤسسي.

فنجد عناصر تكوين أي دولة على أسس سليمة هي توحيد الأمة ثم وضع أسس ودستور لها ووضع حاكم ومعاونين مختصين بالمسئوليات ووضع أعضاء الهيئة الاستشارية ونواب الشعب باختيار أفراد الدولة وتقسيم المسؤوليات والمؤسسات دون تدخل سلطة أو وزارة في عمل الأخرى، فها هو الفكر الإسلامي أول من ينادي ويُفعل المؤسسية في التاريخ. فلا يكون الحاكم هو كل شيء بل يكون له مجموعة من المعاونين والمستشارين والمتخصصين الذين يديرون الدولة معه بناء على تخصصاتهم.

فالدولة المؤسسية والرئيس بها أو الحاكم لا يجب أن يعي بكل شيء وهذا من المستحيل في الأساس ولا يعين كل المناصب وإنما هو موظف عند الشعب مثل كل الموظفين يرأس مجموعة استشارية ويستعين بأهل الخبرة في المناصب المختلفة وهي الحاكم الفعلي للدولة وهي التي تحرك السياسات الخاصة بالدول (الدولية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتعليمية) على حسب رؤيتها وخبرتها وعلى حسب البرنامج الموضوع وعلى حسب سياسة الدولة والرئيس يصدر هذه القرارات إلى الوزراء المعاونين له في كل وزارة على حسب القرار ولمتابعة إقامة هذه المشروعات.

وكانت آلية التنفيذ من النواب والحكام بأن لا يكون الشعب تارك لهم حرية التصرف بعد أن اختارهم بحجة المؤسسية وإنما اتخذوا حق مراقبتهم وتغييرهم إن حادوا عما اتفق عليه من مبادئ وأسس في دستور الدولة كما رأينا في النقاط السابقة.

-البعثات السياسية والاقتصادية هي من مؤسسية الدولة فجاء في كتب تاريخ الصين القديمة مفاده: -

بعث النبي دحية الكلبي إلى قيصر ملك الروم وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس وبعث بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة وحاطب بن بلتعة إلى المقوقس عظيم مصر بالإسكندرية وأرسل خراش بن أمية الخزاعي لعمل الصلح.

وفي السنة الثانية من يوانغوى في عهد الإمبراطور تانغ كاوتسونج قد زار بلاد الصين مبعوث من التاتش -العرب- وحمل معه هدايا ثمينة للإمبراطور وقد أخبر المبعوث الإمبراطور أن دولته قد تأسست منذ34 عاماً وأن أمير المؤمنين الثالث هو الذي يحكم.

وتوالت البعثات حتى عُد 28 بعثة ما بين عامي 651:800 فيها 16 منسوبة للتاتش -العرب- اللابسين الملابس البيضاء و12 تاتش اللابسين ملابس سوداء وهم الأمويين والعباسيين.

وذكرت مصادر عربية أنه حدث تبادل للبعثات والسفراء بين الدولتين حتى أن ملك الصين بعث إلى معاوية بن أبي سفيان رسالة كتب فيها: -

(من ملك الأملاك الذي تخدمه بنات ألف ملك والذي بنيت داره بلبن الذهب والذي في مربطه ألف فيل والذي له نهران يسقيان العود والكافور الذي يوجد ريحه من عشرين إلى ملك العرب الذي يعبد الله ولا يشرك به شيئاً أما بعد فإني قد أرسلت إليك هدية وليست هدية ولكنها تحفة فأبعث إلى ما جاء به نبيكم من حلال وحرام وأبعث إلى من يبينه. والسلام).

وكانت الهدية كتاب من سرائر علومهم.

فهكذا أسس الفكر الإسلامي للدولة ومؤسساتها وللسفارات والبعثات والفصل بينهم وتحديد مرجعيتهم وولائهم للحاكم ومن قبله الشعب صاحب السلطة.

-اللامركزية: -

كان الفكر الإسلامي أول من دعم وأسس اللامركزية عن طريق جعل كل ولاية في الدولة الإسلامية بعد جبي خراجها وزكاتها وجزيتها بأن تصرف على خدمات المواطنين والتعليم والمستشفيات والمساعدات الاجتماعية وتجميل وتحسين طرقاتها وفقرائها وتحسين مرافقها قبل أن ترسل باقي الأموال لبيت المال بالعاصمة فلا يحدث عجز بالموازنة لزيادة طلبات الولايات ويشعر كل مواطن أن أمواله تعود عليه بسرعة وبعدل ومساواة.

 وكان النبي يعطي للولاة والقضاة السلطة في التصرف والحكم، فقال لعمرو بن العاص أن يقضي بين اثنان اختصما إلى النبي وأعطاه جريه القضاء بما يرى.

فحدث أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر عمرو بن العاص أن يقضي بينهم وقال: أقض بينهم يا عمرو. فقال عمرو: أأقضي يا رسول الله وأنت حاضر؟ فقال له: اقض بينهم فإن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة واحدة.

وأنه صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله.

وكان عمر بن عبد العزيز يأمر أن تقسم خيرات البلد على أهلها أولاً فإذا بلغوا كفايتهم رفع إلى عاصمة الدولة نصيبها من باقي مال الولاية.

وهذا كله ليدعم اللامركزية والسرعة في اتخاذ القرار للولاة دون انتظار الرجوع إلى الحاكم طالما لا يخرج عن طريق الحكم المخطط له من قبل قوانين ودستور الدولة ومرجعيتها الفكرية. مع وجود أحقية التصرف للوالي في ولايته كاملة في كل شيء دون الرجوع إلى للحاكم لأنه يحكم من خلال مبادئ ولوائح وفكر متفق عليهم مسبقاً، ويكون أهل ولايته أو المدينة مراقبين له بآليات المنظمات والهيئات بالمجتمع المدني غير مؤسسات الدولة كالمجالس المحلية والقروية.

فيكون هذا دعم اللامركزية وسرعة اتخاذ القرار ولدحض الروتين والبيروقراطية وتأكيد على حرية أهل المدن والقرى والمحافظات والولايات أو أياً كان مسمى قطاعات المدنية بالدولة أن يختاروا حكامهم كما يختاروا نوابهم وحكام الدولة لأن حكام هذه القطاعات جزء من السلطة والجهاز التنفيذي للدولة وعليهم خدمة الشعب الذي يختارهم.

وهذا عن اللامركزية في اتخاذ القرار السياسي كما رأينا في المؤسسية فيكون القرار السياسي على مستوى الدولة ونواب الشعب وإن كان سريعاً ويكون على أسس ومبادئ الفكر الإسلامي، وإن حادوا يعزلهم الشعب كما وضحنا بالسابق. وهذا غير اللامركزية في تخطيط السوق والتصدير والاستيراد كما سنرى في باب الاقتصاد وحرية الملكيات التي تدعم هذا.

فأسس بهذا المنهج الإسلامي على اللامركزية الموحدة التي تجعل من كل جهة مسئولة عن عملها وكل ولاية بالدولة لها كامل حريتها في توجيه أموالها في الجهة التي تراها مناسبة لخدمتها ولكن تحت عين ورقابة الدولة بمؤسساتها وسلطاتها المختلفة ومراقبة أفراد الشعب على الجميع بمؤسسات المجتمع المدني.

فلسفة الفكر الإسلامي 32 (عدم التدخل بشؤون الآخرين، التعاملات التجارية)

 

 


34- عدم التدخل بشئون الآخرين: -

 

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من حسن إسلام المرء ترك مالا يعنيه).

(لا ضرر ولا ضرار).

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ومن صمت نجا).

يفهمنا النبي بهذا أن من واجب الأفراد عدم التدخل بشئون الآخرين وبالتالي على الدولة الإسلامية عدم التدخل في شئون الدول الأخرى إلا بطلب من شعبها وليس حكامها ويكون لإحقاق الحق وليس لدحضه أو الصمت وعدم التدخل إذا كان سيحدث ظلم للشعوب..

فلا تتدخل الدولة في الشئون الداخلية لدولة أخرى حتى لا نضر بالآخرين بسبب مصلحة الدولة الشخصية، فالنفس البشرية الأمارة بالسوء قد تؤدي بالتدخل إلى الإضرار بمصالح الدول الأخرى وهذا مخالف للمنهج الإسلامي. أما التدخل بطلب شعبها في أمور محددة ومن أجل إظهار الحق والعدل أو المساعدة في التحرر يجبرنا على الوقوف لمصلحتهم وليس لمصلحتنا ولإقامة العدل كما تحثنا تعاليم الفكر الإسلامي.

فمساعدة دول تعمل على التحرر وإقامة عدل ومدنية وديمقراطية بمساعدة حركات التحرر، وذلك يكون دون تدخل سافر ومباشر في شئون الدول الداخلية واجب لأنه من صميم الفكر الإسلامي لنشر العدل والحق بالوقوف بجانب حركات التحرر والثورات التي تسعى لإقامة الحريات والعدل والحق ومنع سيطرة الدول الإمبريالية الاستعمارية التوسعية عليها بطرق عسكرية أو اقتصادية ولمنع الحكام المستبدين من سرقة الشعوب.

ويكون أساس المواقف السياسية بين الدول هو اختيار أقل الضرر والأكثر فائدة ونفعاً للدولة دون ضرر أو ضرار لأحد.

 

35- التعاملات التجارية: -

 

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا ضرر ولا ضرار).

ويكون التعامل التجاري بين الدول على أساس مقولة (الدين المعاملة) لإظهار السماحة والعدل في الدين والفكر الإسلامي.

والسياسة التجارية في منهج الفكر الإسلامي مفتوحة بالتعامل لكل الناس ومع الجميع ولم يغلقها الفكر الإسلامي ولم يحجر التعامل مع المسلمين فقط وإنما أباح التعامل مع الكل ولنا في مواقف الرسول دليل: -

1-   تاجر الرسول مع كل أصحاب الأديان وكان يبيع ويشتري من المشركين.

2- عامل الرسول جميع البلدان في التجارة سواء في الشام أو اليمن.

 -وعلى هذا سار الناس في عصر الدولة الإسلامية واتساعها نجد أن: -

1- تجارة المسلمين وصلت إلى أماكن نشر بها الدين إلى أقصى الشرق إلى إندونيسيا وماليزيا وأقصى شرق الصين وجنوب أوروبا في البانيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك رغم أنهم لم يفتحوها عسكرياً بل عن طريق التجارة وما وجده الناس من سماحة المسلمين في التعامل فانتشر الإسلام في هذه المناطق بطريقة سريعة.

2- التعامل مع مختلف أصحاب الديانات السماوية وغير السماوية في وسط أفريقيا ووسط أسيا حتى انتشر فيها الدين ومع البندقية (فينيسيا) واليونان.

 فبهذا يكون الفكر الإسلامي هو المؤسس الحقيقي للعولمة حيث أنه دعا إلى التعامل مع الكل والتجارة مع الجميع والتعلم منهم وتبادل المعرفة والثقافة دون النظر إلى دين أو عرق أو جنس بل التبادل المنفعي بين الجميع بشرط الرضا والمصلحة المتبادلة وبتعامل أخلاقي بين الناس والدول. هذا غير الانفتاح على الثقافات والتناقل الحضاري لما يفيد الدولة كالدواوين التي نقلها عمر بن الخطاب عن الفرس وطورها.

ومن هنا يكون التعامل بعدل مع الجميع طالما يوجد فائدة للدولة ودون إضرار للمصلحة العامة ولا إضرار لمصلحة الغير بتبادل المصلحة والمنفعة، ولا تكون ضد مصحة الدولة.

فلسفة الفكر الإسلامي 31 (العمل العام، علاقة الدولة بجيرانها)

 

 


32- العمل العام التطوعي: -

 

-       قال الله تعالى: -

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

والمعنى هنا العمل في الدولة والمساعدة للغير باليد واللسان وتغيير المجتمع والدولة للأفضل سواء بعمل تطوعي أو ربحي.

ودعم منهج الفكر الإسلامي المواطن الفعال والعمل العام التطوعي للنساء والرجال على حد سواء. فنرى النساء يذهبن متطوعين في الغزوات لتشجيع الصحابة على الجهاد بقول الأشعار الحماسية وتضميد الجراح للمصابين وإطعام وسقاية الجنود. ونجد أن الرسول يشجعه يوم غزوة الخندق بأنه أشترك بنفسه وهو الحاكم في نقل الحجارة والحفر مع أهل المدينة تشجيعاً للجميع على التطوع والتعاون والعمل.

هذا غير تشجيع الفكر الإسلامي للمواطن الفعال في الدولة كما شرحنا بنقطة (المجتمع المدني) لينتج مجتمع فعال يراقب سلطات الدولة والحاكم فيظهر مكوناً لنا المجتمع المدني الذي يعتمد في الأساس على التطوع الفردي للعمل به لأنها مؤسسات غير ربحية في الأساس. فيشجع على البحث عن المصلحة العامة وإيثارها عن المصلحة الشخصية.

فنجد عمر بن عبد العزيز يرسل إلى ولاته ويقول لهم: أيما رجل قدم علينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين 100 إلى 300 دينار بقدر ما يرى من الحسنة وبعد الشقة رحم الله أمرؤ لم يتكاءوه – يبطئه - بعد سفر أجل الله يحيي به حقاً أو يميت به باطلاً أو يفتح به من ورائه خيراً.

وعملاً بقول الله تعالى: -

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

وهذا من أجل التحريض على تفعيل دور الفرد والمجتمع للإيجابية والعمل العام التطوعي وللمحافظة على الأصول والأخلاق بالحسنى والموعظة الحسنة والتغيير للأفضل في كل الأحوال وبأي طريقة ومساعدة الغير فهذا نوع مهم من أنواع التكافل الاجتماعي، ولكن المهم أن تكون بالحسنى والتغيير باليد هي للحاكم ليضرب بقوة على أيدي الظالمين وتشجيع الدولة لهم عند عمل الخير وعقابهم عند عمل الشر والإساءة للغير.

ومن هنا نخرج بقانون بموجبه تدعم الدولة كل فرد يساعد الناس في العمل العام والمراكز الاجتماعية سواء مادياً أو معنوياً، وبدعم الطلاب منذ الصغر بتعويدهم على مساعدة الغير في مقابل الدرجات الدراسية أو المنح التعليمية. وأيضاً بأن تكون بديلاً عن العقوبة لمن أجرم بحق المجتمع أن يقضي وقته بمساعدة المراكز الاجتماعية للعجزة والأيتام والخدمة بها عل هذا يكون إصلاح وتهذيب له.

فتحددت العلاقة بين الفرد والمجتمع بأنها علاقة طردية تكاملية فبدون الفرد لا يكتمل المجتمع وبدون المجتمع يضعف الفرد ولا يكن له مستقبل أو حياة سليمة فلذا لابد أن يوجه كل فرد الآخر بأفعاله للصواب ومساعدته لينمو المجتمع في تكامل وفضيلة، فالدين المعاملة التي يراها الناس من الفرد فيدعو بها إلى الأخلاق.

فكلما زاد العمل للمصلحة العامة وأنصلح الحال العام للأمة كلما انصلح الحال الشخصي للفرد فتصب المصلحة العامة في المصلحة الفردية والعكس. فكلما عمل الفرد أقصى ما بوسعه لصالح المجموعة كلما زادت استفادته بزيادة استفادة المجموعة.

فأضاف الفكر الإسلامي بإعلاء القيمة الروحية على المادية وإيثار المصلحة العامة على الخاصة معنى روحي للعمل العام التطوعي ومساعدة الناس من أجل مصلحة الدولة فيساعد على مقت النزعات المادية لدى الفرد مع تعزيز التواصل الاجتماعي وبعد الفرد عن الانعزالية وتنمي بداخله حب التعاون وفعالية الفرد في المجتمع ومنها تتزايد الأخوة والإنسانية والترابط المجتمعي. وأيضاً يساعد على صقل مهارات التواصل الاجتماعي لدى الفرد وتغلبه على مشاكله الفردية.

فكلما زاد العمل العام التطوعي وانصلح الحال العام انصلح الفرد والعكس ويصب ذلك في مصلحة الفرد والدولة، وكلما فعل الفرد ما بوسعه من أجل مصلحة المجموعة كلما زادت الاستفادة الجماعية التي تصب في مصلحته الخاصة. فكانت الفكرة في الفلسفة الإسلامية هنا بإضفاء الحالة الروحية على المادية من أجل المصلحة العامة وجعل معنى روحي للعمل العام وإيثار المصلحة العامة على الخاصة والتي تصل إلى نزع الانعزالية ومقتل النزعة المادية داخل الفرد مع تزايد الترابط المجتمعي وزيادة مهارات التواصل والعمل الجماعي الذي يفيد في بناء الدولة.

 

33- علاقة الدولة الإسلامية بجيرانها: -

 

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ).

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)

فالعلاقة تحكمها السلام والعدل وعدم الاعتداء على أحد. ووجود العلاقات الدولية لازمة بين الدول كما كان النبي يرسل البعثات والرسل بينه وبين دول الحبشة والفرس والروم ومصر والقبائل والمدن المجاورة.

-قال صلى الله عليه وسلم: -

(من حسن إسلام المرء عدم التدخل فيما لا يعنيه).

(لا ضرر ولا ضرار).

فالعلاقات الدولية بين الدول وبعضها تكون للتعارف والتعاون والمشاركة والتواد والأخوة والتبادل بينهم، ويحكمها حسن الجوار والتبادل التجاري والثقافي من الدولة وبين دول العالم، ويحكمها الإخوة لدول العالم، ويحكمها التعاون والمصلحة المتبادلة والندية في المعاملة بالمثل واحترام العهود والمواثيق والأساس هو السلام العالمي وعدم الاعتداء كما سنأتي بالشرح في القسم الثاني من هذا الباب (الدولة الإسلامية في الحرب).

ويكون التعاون متبادل لهدف إفادة الدولة بمصالح متبادلة سواء اجتماعياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، ولكن بحفظ الاختلاف في المناهج والفكر وبنقد موضوعي دون خلاف ولا إفساد للود ودون تدخل في شئون أحد أو العكس ولا ضرر لأحد.

فتكون العلاقة محكومة بالندية وليس بالتبعية مع عدم الإضرار بأحد، وهذا يأتي بالقوة الاقتصادية والعسكرية ولكن بشرط عدم الاعتداء على أحد إلا لرد العدوان عند الاعتداء على الدولة.

وأكد الفكر الإسلامي على ضرورة فهم كل البلدان وطريقة تفكيرهم على مدار التاريخ بالدراسة لهم ومعاشرتهم وجاء في الحكم: -

(إذا أردت أن تأمن مكر قوماً فأعرف لغتهم).

وأمر النبي زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية وتعلم لغة اليهود. فبمعرفة اللغة عن طريق معاشرة الأقوام الأخرى وتاريخهم وسلوكياتهم، تستطيع بها فهمهم والتغلب عليهم والتقدم عنهم وتأمن من مكرهم. بل والوصول إلى مدى تقدمهم الحضاري من أجل التنافس الحضاري بين الدول.

-فكانت المبادئ للدولة: -

1- الأصل بالعلاقة هي السلم والأخوة الإنسانية.

2- أن الحرب للدفاع وليس للاعتداء.

3- حماية المدنيين والمعاهدين وعدم الاعتداء عليهم.

4- الحفاظ على العهود.

5- الاستجابة للسلم.

6-   معاملة الأسرى بالحسنى إن حدث حرب.

7-   التبادل التجاري والعلمي والثقافي لمصلحة الدولة.