فلسفة الفكر الإسلامي 33 (المؤسسية واللامركزية)

 

 


36- المؤسسية واللامركزية: -

 

مع بداية الدولة الإسلامية على يد الرسول في المدينة بدأ بوضع الأسس السليمة للدولة القوية فبعد توحيد الدولة ووضع أسس المساواة والعدل ووضع دستور للدولة بدأ الرسول في وضع مكونات ومؤسسات الدولة فحدد في البداية المجلس الاستشاري المعاون للحاكم بطلبه نقباء عن أهل المدينة من المهاجرين والأنصار ليكونوا مساعدين ومبلغين لباقي أهل المدينة عنه ويكونون من اختيار الناس لهم كأول مؤسسة بالدولة قبل دخوله المدينة وتم هذا بالبيعة الثانية.

ثم بدأ بتحديد الوزارات والمسؤوليات واختصاصاتها وتعيين مسؤولين عنها وجعل لكل صاحب مسئولية مهمة محددة فمن كان له السقاية ومن له الحجابة ومن له الحج وما غير ذلك دون أن تتدخل كل مسئولية أو وزارة في عمل غيرها ولها حرية التصرف في الحدود المباحة من قبل الحاكم وعلى الأساس المحدد في الوثيقة والتي وافق وبايع الشعب والأمة لها الرسول ولكن بتجانس العمل بينهم.

وكان للنبي صاحب سر هو حذيفة بن اليمان، ومن يكتب الوحي كعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، ومن يكتب الرسائل كأبي ابن كعب، وكتبة العهود كعلي بن أبي طالب وعامر بن فهيرة وأبو بكر، وأمين ختم النبي وهو معيقب بن أبي فاطمة الأروسي، وقام بتعيين القضاة مثل عمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود.

وقام النبي أيضاً بتعيين عمال ونواب للحاكم بكل ولاية ومدينة تنضم للدولة وترك كل عامل ولاه على ولاية وأمره على مدينة يتحرك بحرية لما يراه صواباً في مكانه الذي تولاه بعد الشورى مع معاونيه من أجل الوصول للصواب على الأساس الموضوع بالدستور ومنهجية الحاكم بالفكر الإسلامي وهذا لسرعة اتخاذ القرار.

فنجد الرسول في كل غزوة يترك حاكم للمدينة بدلاً عنه (كنائب) يدير الأمور في غيبته كما ترك عبد الله بن أم مكتوم عند خروجه لغزوة أحد.

ونجد أن الدولة الإسلامية هي أول من أسست لبيت مال مخصص بموارد الدولة ونواحي الصرف فيها يتم تأييد فيه كل مال يدخل ويخرج من الخزينة وبأي جهة يصرف.

ووضع وظيفة للمحتسب أي المراقب للأسواق فمثلاً كان سعيد بن سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح.

ونجد أن النبي ومن بعده الخلفاء الراشدين عند تعيين قيادة للجيش لم يحدث من أحد منهم تدخل منهم كقيادة سياسية في قرارات القيادة العسكرية بل دائماً كان لقيادة الجيش مطلق التصرف في قراراتهم العسكرية على حسب ما يرتأون للموقف العسكري تأكيداً على المؤسسية وأن أهل الخبرة والكفاءة لهم حرية التصرف والفصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية.

ولكنه كحاكم قسم صفوف الجيش فوضع وظيفة المستنفر الذي يستنفر الجنود كالشؤون المعنوية بالجيوش الحديثة، وحامل الراية وكان أول من حملها في الدولة الإسلامية هو عبيدة بن الحارث، ووظائف أخرى كصاحب السلاح أي المسؤول عنها، وصاحب الذخائر والثقل والإمداد والتموين، والجواسيس.

ولما كان النبي أول من وضع المؤسسات بالدولة وعملها وقسمها ثم زاد عليها عمرو بن الخطاب بإدخال الدواوين وأن الفكر الإسلامي أول من فصل القضاء عن الحكم وقام بتعيين القضاة وكان عمر بن الخطاب مؤسس الدواوين فوضع ديوان للجند والحسبة والأعطيات كالشؤون الاجتماعية والأعطيات الشهرية للناس وحصرهم وديوان حرس الحدود والعسس والبريد وبيت للدقيق من أجل الفقراء مجدداً ومطوراً على نظام الدواوين عما كان في الفرس.

واستخدام أهل الخبرة والكفاءة هي من أسس دعم المؤسسية في الدولة وحرية تصرفهم في القرارات المناسبة في أماكن مسئوليتهم كاستخدام خالد بن الوليد كقائد الجيش بعد إسلامه مباشرةً على جيش فيه كبار الصحابة كأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرها من الأمثلة التي ذكرناها بنقطة (المواطنة بجزئية أهل الكفاءة والخبرة في هذا الباب).

هذا غير العمل الجماعي والتعاوني المؤسسي من أجل إنجاح الدولة مع اختلاف القيادات فأكمل عمر بن الخطاب ما بدأه أبو بكر الصديق. فهذا شكل من أشكال العمل المؤسسي.

فنجد عناصر تكوين أي دولة على أسس سليمة هي توحيد الأمة ثم وضع أسس ودستور لها ووضع حاكم ومعاونين مختصين بالمسئوليات ووضع أعضاء الهيئة الاستشارية ونواب الشعب باختيار أفراد الدولة وتقسيم المسؤوليات والمؤسسات دون تدخل سلطة أو وزارة في عمل الأخرى، فها هو الفكر الإسلامي أول من ينادي ويُفعل المؤسسية في التاريخ. فلا يكون الحاكم هو كل شيء بل يكون له مجموعة من المعاونين والمستشارين والمتخصصين الذين يديرون الدولة معه بناء على تخصصاتهم.

فالدولة المؤسسية والرئيس بها أو الحاكم لا يجب أن يعي بكل شيء وهذا من المستحيل في الأساس ولا يعين كل المناصب وإنما هو موظف عند الشعب مثل كل الموظفين يرأس مجموعة استشارية ويستعين بأهل الخبرة في المناصب المختلفة وهي الحاكم الفعلي للدولة وهي التي تحرك السياسات الخاصة بالدول (الدولية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتعليمية) على حسب رؤيتها وخبرتها وعلى حسب البرنامج الموضوع وعلى حسب سياسة الدولة والرئيس يصدر هذه القرارات إلى الوزراء المعاونين له في كل وزارة على حسب القرار ولمتابعة إقامة هذه المشروعات.

وكانت آلية التنفيذ من النواب والحكام بأن لا يكون الشعب تارك لهم حرية التصرف بعد أن اختارهم بحجة المؤسسية وإنما اتخذوا حق مراقبتهم وتغييرهم إن حادوا عما اتفق عليه من مبادئ وأسس في دستور الدولة كما رأينا في النقاط السابقة.

-البعثات السياسية والاقتصادية هي من مؤسسية الدولة فجاء في كتب تاريخ الصين القديمة مفاده: -

بعث النبي دحية الكلبي إلى قيصر ملك الروم وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس وبعث بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة وحاطب بن بلتعة إلى المقوقس عظيم مصر بالإسكندرية وأرسل خراش بن أمية الخزاعي لعمل الصلح.

وفي السنة الثانية من يوانغوى في عهد الإمبراطور تانغ كاوتسونج قد زار بلاد الصين مبعوث من التاتش -العرب- وحمل معه هدايا ثمينة للإمبراطور وقد أخبر المبعوث الإمبراطور أن دولته قد تأسست منذ34 عاماً وأن أمير المؤمنين الثالث هو الذي يحكم.

وتوالت البعثات حتى عُد 28 بعثة ما بين عامي 651:800 فيها 16 منسوبة للتاتش -العرب- اللابسين الملابس البيضاء و12 تاتش اللابسين ملابس سوداء وهم الأمويين والعباسيين.

وذكرت مصادر عربية أنه حدث تبادل للبعثات والسفراء بين الدولتين حتى أن ملك الصين بعث إلى معاوية بن أبي سفيان رسالة كتب فيها: -

(من ملك الأملاك الذي تخدمه بنات ألف ملك والذي بنيت داره بلبن الذهب والذي في مربطه ألف فيل والذي له نهران يسقيان العود والكافور الذي يوجد ريحه من عشرين إلى ملك العرب الذي يعبد الله ولا يشرك به شيئاً أما بعد فإني قد أرسلت إليك هدية وليست هدية ولكنها تحفة فأبعث إلى ما جاء به نبيكم من حلال وحرام وأبعث إلى من يبينه. والسلام).

وكانت الهدية كتاب من سرائر علومهم.

فهكذا أسس الفكر الإسلامي للدولة ومؤسساتها وللسفارات والبعثات والفصل بينهم وتحديد مرجعيتهم وولائهم للحاكم ومن قبله الشعب صاحب السلطة.

-اللامركزية: -

كان الفكر الإسلامي أول من دعم وأسس اللامركزية عن طريق جعل كل ولاية في الدولة الإسلامية بعد جبي خراجها وزكاتها وجزيتها بأن تصرف على خدمات المواطنين والتعليم والمستشفيات والمساعدات الاجتماعية وتجميل وتحسين طرقاتها وفقرائها وتحسين مرافقها قبل أن ترسل باقي الأموال لبيت المال بالعاصمة فلا يحدث عجز بالموازنة لزيادة طلبات الولايات ويشعر كل مواطن أن أمواله تعود عليه بسرعة وبعدل ومساواة.

 وكان النبي يعطي للولاة والقضاة السلطة في التصرف والحكم، فقال لعمرو بن العاص أن يقضي بين اثنان اختصما إلى النبي وأعطاه جريه القضاء بما يرى.

فحدث أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر عمرو بن العاص أن يقضي بينهم وقال: أقض بينهم يا عمرو. فقال عمرو: أأقضي يا رسول الله وأنت حاضر؟ فقال له: اقض بينهم فإن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة واحدة.

وأنه صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله.

وكان عمر بن عبد العزيز يأمر أن تقسم خيرات البلد على أهلها أولاً فإذا بلغوا كفايتهم رفع إلى عاصمة الدولة نصيبها من باقي مال الولاية.

وهذا كله ليدعم اللامركزية والسرعة في اتخاذ القرار للولاة دون انتظار الرجوع إلى الحاكم طالما لا يخرج عن طريق الحكم المخطط له من قبل قوانين ودستور الدولة ومرجعيتها الفكرية. مع وجود أحقية التصرف للوالي في ولايته كاملة في كل شيء دون الرجوع إلى للحاكم لأنه يحكم من خلال مبادئ ولوائح وفكر متفق عليهم مسبقاً، ويكون أهل ولايته أو المدينة مراقبين له بآليات المنظمات والهيئات بالمجتمع المدني غير مؤسسات الدولة كالمجالس المحلية والقروية.

فيكون هذا دعم اللامركزية وسرعة اتخاذ القرار ولدحض الروتين والبيروقراطية وتأكيد على حرية أهل المدن والقرى والمحافظات والولايات أو أياً كان مسمى قطاعات المدنية بالدولة أن يختاروا حكامهم كما يختاروا نوابهم وحكام الدولة لأن حكام هذه القطاعات جزء من السلطة والجهاز التنفيذي للدولة وعليهم خدمة الشعب الذي يختارهم.

وهذا عن اللامركزية في اتخاذ القرار السياسي كما رأينا في المؤسسية فيكون القرار السياسي على مستوى الدولة ونواب الشعب وإن كان سريعاً ويكون على أسس ومبادئ الفكر الإسلامي، وإن حادوا يعزلهم الشعب كما وضحنا بالسابق. وهذا غير اللامركزية في تخطيط السوق والتصدير والاستيراد كما سنرى في باب الاقتصاد وحرية الملكيات التي تدعم هذا.

فأسس بهذا المنهج الإسلامي على اللامركزية الموحدة التي تجعل من كل جهة مسئولة عن عملها وكل ولاية بالدولة لها كامل حريتها في توجيه أموالها في الجهة التي تراها مناسبة لخدمتها ولكن تحت عين ورقابة الدولة بمؤسساتها وسلطاتها المختلفة ومراقبة أفراد الشعب على الجميع بمؤسسات المجتمع المدني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم