فلسفة الفكر الإسلامي 31 (العمل العام، علاقة الدولة بجيرانها)

 

 


32- العمل العام التطوعي: -

 

-       قال الله تعالى: -

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

والمعنى هنا العمل في الدولة والمساعدة للغير باليد واللسان وتغيير المجتمع والدولة للأفضل سواء بعمل تطوعي أو ربحي.

ودعم منهج الفكر الإسلامي المواطن الفعال والعمل العام التطوعي للنساء والرجال على حد سواء. فنرى النساء يذهبن متطوعين في الغزوات لتشجيع الصحابة على الجهاد بقول الأشعار الحماسية وتضميد الجراح للمصابين وإطعام وسقاية الجنود. ونجد أن الرسول يشجعه يوم غزوة الخندق بأنه أشترك بنفسه وهو الحاكم في نقل الحجارة والحفر مع أهل المدينة تشجيعاً للجميع على التطوع والتعاون والعمل.

هذا غير تشجيع الفكر الإسلامي للمواطن الفعال في الدولة كما شرحنا بنقطة (المجتمع المدني) لينتج مجتمع فعال يراقب سلطات الدولة والحاكم فيظهر مكوناً لنا المجتمع المدني الذي يعتمد في الأساس على التطوع الفردي للعمل به لأنها مؤسسات غير ربحية في الأساس. فيشجع على البحث عن المصلحة العامة وإيثارها عن المصلحة الشخصية.

فنجد عمر بن عبد العزيز يرسل إلى ولاته ويقول لهم: أيما رجل قدم علينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين 100 إلى 300 دينار بقدر ما يرى من الحسنة وبعد الشقة رحم الله أمرؤ لم يتكاءوه – يبطئه - بعد سفر أجل الله يحيي به حقاً أو يميت به باطلاً أو يفتح به من ورائه خيراً.

وعملاً بقول الله تعالى: -

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

وهذا من أجل التحريض على تفعيل دور الفرد والمجتمع للإيجابية والعمل العام التطوعي وللمحافظة على الأصول والأخلاق بالحسنى والموعظة الحسنة والتغيير للأفضل في كل الأحوال وبأي طريقة ومساعدة الغير فهذا نوع مهم من أنواع التكافل الاجتماعي، ولكن المهم أن تكون بالحسنى والتغيير باليد هي للحاكم ليضرب بقوة على أيدي الظالمين وتشجيع الدولة لهم عند عمل الخير وعقابهم عند عمل الشر والإساءة للغير.

ومن هنا نخرج بقانون بموجبه تدعم الدولة كل فرد يساعد الناس في العمل العام والمراكز الاجتماعية سواء مادياً أو معنوياً، وبدعم الطلاب منذ الصغر بتعويدهم على مساعدة الغير في مقابل الدرجات الدراسية أو المنح التعليمية. وأيضاً بأن تكون بديلاً عن العقوبة لمن أجرم بحق المجتمع أن يقضي وقته بمساعدة المراكز الاجتماعية للعجزة والأيتام والخدمة بها عل هذا يكون إصلاح وتهذيب له.

فتحددت العلاقة بين الفرد والمجتمع بأنها علاقة طردية تكاملية فبدون الفرد لا يكتمل المجتمع وبدون المجتمع يضعف الفرد ولا يكن له مستقبل أو حياة سليمة فلذا لابد أن يوجه كل فرد الآخر بأفعاله للصواب ومساعدته لينمو المجتمع في تكامل وفضيلة، فالدين المعاملة التي يراها الناس من الفرد فيدعو بها إلى الأخلاق.

فكلما زاد العمل للمصلحة العامة وأنصلح الحال العام للأمة كلما انصلح الحال الشخصي للفرد فتصب المصلحة العامة في المصلحة الفردية والعكس. فكلما عمل الفرد أقصى ما بوسعه لصالح المجموعة كلما زادت استفادته بزيادة استفادة المجموعة.

فأضاف الفكر الإسلامي بإعلاء القيمة الروحية على المادية وإيثار المصلحة العامة على الخاصة معنى روحي للعمل العام التطوعي ومساعدة الناس من أجل مصلحة الدولة فيساعد على مقت النزعات المادية لدى الفرد مع تعزيز التواصل الاجتماعي وبعد الفرد عن الانعزالية وتنمي بداخله حب التعاون وفعالية الفرد في المجتمع ومنها تتزايد الأخوة والإنسانية والترابط المجتمعي. وأيضاً يساعد على صقل مهارات التواصل الاجتماعي لدى الفرد وتغلبه على مشاكله الفردية.

فكلما زاد العمل العام التطوعي وانصلح الحال العام انصلح الفرد والعكس ويصب ذلك في مصلحة الفرد والدولة، وكلما فعل الفرد ما بوسعه من أجل مصلحة المجموعة كلما زادت الاستفادة الجماعية التي تصب في مصلحته الخاصة. فكانت الفكرة في الفلسفة الإسلامية هنا بإضفاء الحالة الروحية على المادية من أجل المصلحة العامة وجعل معنى روحي للعمل العام وإيثار المصلحة العامة على الخاصة والتي تصل إلى نزع الانعزالية ومقتل النزعة المادية داخل الفرد مع تزايد الترابط المجتمعي وزيادة مهارات التواصل والعمل الجماعي الذي يفيد في بناء الدولة.

 

33- علاقة الدولة الإسلامية بجيرانها: -

 

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ).

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)

فالعلاقة تحكمها السلام والعدل وعدم الاعتداء على أحد. ووجود العلاقات الدولية لازمة بين الدول كما كان النبي يرسل البعثات والرسل بينه وبين دول الحبشة والفرس والروم ومصر والقبائل والمدن المجاورة.

-قال صلى الله عليه وسلم: -

(من حسن إسلام المرء عدم التدخل فيما لا يعنيه).

(لا ضرر ولا ضرار).

فالعلاقات الدولية بين الدول وبعضها تكون للتعارف والتعاون والمشاركة والتواد والأخوة والتبادل بينهم، ويحكمها حسن الجوار والتبادل التجاري والثقافي من الدولة وبين دول العالم، ويحكمها الإخوة لدول العالم، ويحكمها التعاون والمصلحة المتبادلة والندية في المعاملة بالمثل واحترام العهود والمواثيق والأساس هو السلام العالمي وعدم الاعتداء كما سنأتي بالشرح في القسم الثاني من هذا الباب (الدولة الإسلامية في الحرب).

ويكون التعاون متبادل لهدف إفادة الدولة بمصالح متبادلة سواء اجتماعياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، ولكن بحفظ الاختلاف في المناهج والفكر وبنقد موضوعي دون خلاف ولا إفساد للود ودون تدخل في شئون أحد أو العكس ولا ضرر لأحد.

فتكون العلاقة محكومة بالندية وليس بالتبعية مع عدم الإضرار بأحد، وهذا يأتي بالقوة الاقتصادية والعسكرية ولكن بشرط عدم الاعتداء على أحد إلا لرد العدوان عند الاعتداء على الدولة.

وأكد الفكر الإسلامي على ضرورة فهم كل البلدان وطريقة تفكيرهم على مدار التاريخ بالدراسة لهم ومعاشرتهم وجاء في الحكم: -

(إذا أردت أن تأمن مكر قوماً فأعرف لغتهم).

وأمر النبي زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية وتعلم لغة اليهود. فبمعرفة اللغة عن طريق معاشرة الأقوام الأخرى وتاريخهم وسلوكياتهم، تستطيع بها فهمهم والتغلب عليهم والتقدم عنهم وتأمن من مكرهم. بل والوصول إلى مدى تقدمهم الحضاري من أجل التنافس الحضاري بين الدول.

-فكانت المبادئ للدولة: -

1- الأصل بالعلاقة هي السلم والأخوة الإنسانية.

2- أن الحرب للدفاع وليس للاعتداء.

3- حماية المدنيين والمعاهدين وعدم الاعتداء عليهم.

4- الحفاظ على العهود.

5- الاستجابة للسلم.

6-   معاملة الأسرى بالحسنى إن حدث حرب.

7-   التبادل التجاري والعلمي والثقافي لمصلحة الدولة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم