فلسفة الفكر الإسلامي 35 (محاكمة الحاكم)

 


39- محاكمة الحاكم: -

 

من موقف الرسول قبل موته بطلبه من أي أحد قد آذاه أن يقتص منه لهو موقف يؤكد على لا عيب أو خطأ في محاسبة ومحاكمة الحاكم.

فقال لهم: معاشر المسلمين، أنا أنشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قِبَلي مظلمة فليقم فليقتص مني. فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثانية، فلم يقم أحد، فناشدهم الثالثة: "معاشر المسلمين أنشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قِبلي مظلمة فليقم فليقتص مني قبل القصاص في القيامة. فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له عكاشة، فتخطى المسلمين حتى وقف بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: فداك أبي وأمي، لولا أنك ناشدتنا مرة بعد أخرى ما كنت بالذي يقدم على شيء من هذا، كنت معك في غزاة فلما فتح الله عز وجل علينا ونصر نبيه صلى الله عليه وسلم، وكنا في الانصراف حاذت ناقتي ناقتك، فنزلت عن الناقة ودنوت منك لأقبل فخدك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، ولا أدري أكان عمدًا منك أم أردت ضرب الناقة؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أعيذُك بجلال الله أن يَتعمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالضرب، يا بلال انطلق إلى منزل فاطمة وائتني بالقضيب المَمشُوق. فخرج بلال ويده على أم رأسه وهو ينادي: هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعطي القصاص من نفسه، فقرع الباب على فاطمة، فقال: يا بنت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ناوليني القضيب الممشوق، فقالت فاطمة: يا بلال، وما يصنع أبي بالقضيب، وليس هذا يوم حج ولا غزاة، فقال: يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوكِ، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يودع الدين ويفارق الدنيا ويعطي القصاص من نفسه، فقالت فاطمة رضي الله عنها يا بلال: ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ يا بلال إذن فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل، فيقتص منهما ولا يدعانه يقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فدخل بلال المسجد ودفع القضيب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ودفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم القضيب إلى عكاشة، فلما نظر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى ذلك قاما فقالا: يا عكاشة هذان نحن بين يديك فاقتص منا ولا تقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: امضِ يا أبا بكر وأنت يا عمر فامضِ فقد عرف الله مكانكما ومقامكما. فقام علي بن أبي طالب فقال: يا عكاشة أنا في الحياة بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا تطيب نفسي أن يُضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فهذا ظهري وبطني اقتص مني بيدك واجلدني مائة، ولا تقتص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي: يا علي، اقعد فقد عرف الله عز وجل مقامك ونيتك. وقام الحسن والحسين رضي الله عنهما فقالا: يا عكاشة، أليس تعلم أنا سبطا رسول اللَّه؟ فالقصاص منا كالقصاص من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: اقعدا يا قُرة عيني لا نَسِيَ الله لكما هذا المقام. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عكاشة اضرب إن كنت ضَاربًا. فقال: يا رسول الله ضربتني وأنا حاسر عن بطني، فكشف النبي عن بطنه، وصاح المسلمون بالبكاء، وقالوا: أترى يا عكاشة ضارب رسول اللَّه، فلما نظر عكاشة إلى بياض بطن رسول اللَّه كأنه القباطي، لم يملك أن كب عليه وقبل بطنه وهو يقول: فداءٌ لك أبي وأمي ومن تطيق نفسه أن يقتص منك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إمَّا أن تضرب وإمَّا أن تعفو. فقال: قد عفوت عنك رجاءً أن يعفو الله عني يوم القيامة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينظر إلى رفيقي في الجنة فلينظر إلى هذا الشيخ.

وموقف عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وابنه في محاسبتهم عندما اشتكي مصري قبطي ابن عمرو بن العاص أنه ضربه لما سبقه. تظليلاً على حق كل فرد في محاسبة أي أحد دون سلطة من الحكام أو تجبر.

ونجد مثول علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين أمام القاضي مع اليهودي موقف عندما ذهبا للاحتكام في موضوع درع علي بن أبي طالب الذي سقط منه في صفين ووجده مع اليهودي بالسوق. يؤدي لأحقية كل فرد في محاسبة وطلب مثول الحاكم أمام القاضي للفصل في الخصومة دون خوف ولا تفرقة على أي أساس ديني أو عنصري.

فمن هذه الأدلة نجد أنه يحق لكل فرد مساءلة الحاكم في كل شيء ومحاسبته والتقاضي معه إن لزم الأمر، وأنه من الضروري محاسبة أي أحد دون خوف حتى لا يستبد أحد بالدولة والشعب عندما يأمن العقوبة.

فلابد من ضرورة محاكمة الحاكم حين يخطئ، ولا يخرج من الحكم دون حساب ومحاكمة، وهذا لأنه قد خان الأمانة بل وأضاعها وأضر بالدولة والشعب. لأنه موكل من الشعب حتى يتم تحقيق العدل، ويشعر المواطن أن لا أحد فوق القانون، وأن حقه بالعدل يتمكن من استعادته.

فالحاكم كأي فرد بالدولة يمثل أمام القضاء ويحاسب ويطبق عليه القانون في القضايا الشخصية العادية عند التخاصم مع أحد من أفراد الشعب. أما في القضايا العامة الخاصة بالشعب ككل والدولة فمحاسبته على خطئه لابد أن يكون الحكم على الحاكم مشدد حتى يكون عبرة لأي أحد تسول له نفسه أن يخون أمانة وحق الحكم والشعب.

فمحاكمة الحكام ليس فيها عيب أو خطأ وإنما هي تأسيس للعدل والحق وعدم زيادة الفساد والاستبداد. فكلما كانت المحاسبة والمراجعة للأخطاء متواجدة فيقلل هذا من نسبة حدوث الأخطاء، وعدم تكرارها، وتحسين الأداء للدولة من أجل مصلحة الشعب، وعدم جمود الفكر والانحدار بل التجديد والتقدم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم