كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 197 (الخاتمة 6)



60- يدعو لخلق فكر واعي وأفراد ذوي وعي جيد يجب على الفرد التحلي بعدم التبعية الفكرية ووجود نقد موضوعي وعدم الحكم العاطفي بل بالعقل والمنطق.

61- يسعى الفكر الإسلامي للسلام والمحبة فبزرعهم بين الناس يحيا السلام ويتعايش الجميع سوياً.

62- يزرع الأخلاق في التربية بالفرد والمجتمع ويضع القانون والحدود التي تكون بالمرصاد لكل من نسول له نفسه أن يحيد أن الآداب والأخلاق العامة ويضر غيره.

فلبناء دولة متقدمة ومتحضرة يجب الاهتمام بالتعليم والثقافة والتربية والصحة والأخلاق وبناء الانسان والمجتمع ووضع الشخص المناسب في مكانه، ودعم الناس للتفوق لتقام دولة ومجتمع وفرد قوي ومتحضر وواعي ومتقدم، وهذا ما يعمل عليه الفكر الإسلامي الذي يبني فرد ومجتمع ودولة متكاملين ومكملين لبعضهم البعض. فالتعليم والصحة عندما اهتمت بهم الدولة بنيت الحضارة، فهم أساس الدولة ببناء الانسان والعقول ففتح المدارس وتنمية الوعي يغلق الاستبداد والسجون أما فتح السجون والاستبداد يقابله غلق للوعي واهمال التعليم والتربية، فبناء الدول يبدأ ببناء الإنسان. فالإنسان الجائع أو الجاهل أو المريض أو الفقير لن يكون لديه انتماء لودنه ليبنيها بل سيكون عبارة عن قنبلة معدة للانفجار في أي وقت ويضر وطنه بطريق مباشر بالخيانة أو غير مباشر باللامبالاة. فالاستثمار في الإنسان بدونه لا قيمة لأي أمر آخر، فمهما بنيت سيكون بناء واهي بلا أساس وسرعان ما سينهار لإن الإنسان هو القوة المحركة الأولى ودونه ليس هناك دولة، فتبنى الأمم القوية ببناء الإنسان القوي. فالعلاقة هنا طردية تعني إما بناء انسان وتنمية عقله ووعيه ويكون هذا في صالح الوطن أو اعتقاله والاستبداد به وتجهيله فيكون في صالح الاستبداد وتدمير الوطن.

فبهذا تكون الدولة الحديثة ذات فكر وأيدولوجية إسلامية لكل نواحي الحياة سواء السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والقانونية. والنموذج هو الدولة التي أسسها النبي حتى نهاية عهد الراشدين قبل انقلاب الدولة إلى ملكية وراثية. وهو كان نموذج تغير تطبيقه على حسب العصر والزمان. فجاء الفكر الإسلامي بأيدولوجية وفلسفة ذات أسس وقواعد وخطوط عريضة وعامة هي العدل والمساواة والشورى والحرية بطريقة مرنة تشمل كل نواحي الحياة ليقوم المطبق بالتفكير ومحاولة إعادة التطبيق بشكل يتماشى مع الأزمنة والعصور المختلفة. فلا يوجد نموذج ثابت وجاهز لأن هذا يتنافى مع الفكر البشري المتطور، ويتنافى أيضاً مع طبيعة الفكر الإسلامي المرن الذي يدعو الإنسان للتفكير في الحياة وكيفية التطبيق.

والمثل على هذا ما قام به عمر بن الخطاب على ضوء هذه الأسس والقواعد المرنة بتطوير آليات الحكم على حسب تطور الوقت وتغير حاجات الدولة عن وقت النبي وخليفته أبو بكر، فقام بوضع دواوين مختلفة مثل البريد والعسس (الشرطة) وديوان الإحصاء للناس (الشؤون الاجتماعية)، واقترح قانون تعطيل حد السرقة في عام المجاعة. فاستخدم الفكر والتغيير على ضوء فلسفة الفكر الإسلامي ومرجعيته وأيدولوجيته على حسب احتياجات الدولة والعصر. وهذا ما يدعو إليه الفكر الإسلامي.

 

وأخيراً: -

لقد حاولت في هذا العمل أن أجمع كل نواحي الحياة في الدولة على قدر استطاعتي وأن أناقش كل نقطة بها وأضع أساسها على ضوء الفكر الإسلامي لتكون جاهزة للتطبيق بالآلية التي يجتهد بها المطبق وتتناسب مع المجتمع والعصر وهذه هي عظمة الفكر الإسلامي بأنه وضع الأساس والخطوط العريضة وترك للناس الاجتهاد في طريقة التنفيذ بدعوة من الله في التفكر في الكون وخلقه من اجل دراسته والتفكير فيه وفي الواقع ليتناسب مع تطبيق الفكر الإسلامي على حسب الزمان والمكان، فهو فكر مرن غير جامد فيصلح لكل زمان ومكان وبهذا لاهتمامه بكل جوانب الحياة واضعاً الأسس والقواعد العريضة والأساسية تاركاً آلية التطبيق للعقل المفكر.

ونؤكد على أن منهج الفكر الإسلامي وفلسفته هي بناءً على فهم دنيوي من الدين دون تشدد. فهو نهج استنباطي بشري من وحي الدين ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومتجدد وقابل للتغيير وغير معصوم من الخطأ سوى الدين والدليل هو عدم وجود ثيوقراطية أو كهنوت أو عصمة للفكر لأحد حتى النبي كما رأينا أو للحاكم وبهذا أيضاً يكتمل نصاب الدولة المدنية. وأن الفكر الإسلامي هو منهج دنيوي مدني ذو مرجعية إسلامية دينية.

 


جاء الدين لا ليحكم العالم بل ليحكم القلوب فيجعل من الفرد يحب خالقه ويحب أخيه الإنسان. فأعطاه الله الحكمة والعقل ليفهم وجود الخالق ويحسن التصرف ويضبط ضميره مخافة الله ويعدل ويرحم ويشفق على أخيه الإنسان.

 

أحمد عادل داوود

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 196 (الخاتمة 5)



24- الاهتمام بالأخلاق والدعوة لها والمعاملة الحسنة بين الناس، والتعامل مع الناس كما نحب أن يعاملنا الغير.

25- تطبيق روح القانون وعدم تطبيق القانون إلا بعد إشباع حاجة الناس وسد جوعهم واحتياجاتهم.

26- عدم التقديس لأحد وأن كل شيء قابل للشك والنقد كما ذكرنا بحوار سيدنا إبراهيم مع الله وحوار الصحابة مع النبي. فالشك يوصل إلى اليقين.

27- بناء الوطن بوضع أسس الحرية والعدل والعلم والأخلاق والمساواة والقيم الاجتماعية والاقتصاد القوي.

28- الاعتناء بتربية الأب والأم والأسرة والمجتمع أخلاقياً وثقافياً لأنهم أساس الأمة والدولة الصالحة والمتحضرة ببناء الإنسان.

29- الانفتاح الثقافي والفكري على الثقافات المختلفة وعدم الانغلاق الفكري هو البداية لتأسيس الحضارة العلمية والثقافية الخاصة بنا وهذه هي العولمة العلمية والثقافية.

30- توحيد الأمة بكافة أعراقها ونزع القوميات بالانصهار في بونة الوطن الواحد.

31- بناء دولة عادلة تحتوي على كل الأفكار والاتجاهات الإيجابية والوطنية والفلسفية والفكرية بتنوع واختلاف من أجل تنمية وعي المجتمع ولا يكون سهل الانقياد.

32- الفكر الإسلامي ومقاصد الشريعة تدور في فلك حماية الإنسان وحقوقه وخدماته بجوانب الحياة من أجل التعرف على الله وجوهر الدين وفكره وفلسفته في الحياة.

33- تحقيق روح الإخوة الإنسانية بين الجميع.

34- تحقيق استقلالية القرار بوجود قوة اقتصادية وعلمية وسياسية للدولة وبقوة العلاقات الندية مع الدول الأخرى دون خضوع مع وجود قوة عسكرية لحماية الدولة من العدوان.

35- يعمل الفكر الإسلامي على جعل الدولة تعمل على توفير الحياة الكريمة للإنسان أي يحيى ويحصل على حقوقه الشخصية والسياسية والقانونية الكاملة وينال فيها المسكن والملبس والتعليم والرعاية الصحية والأمان والعدل والحرية في حياته، وحصول الفرد على مدخرات تحميه بشيخوخته، وإن لم يجدها فيجب أن توفرها له الدولة.

36- شكل الحكم هرمي تكون قاعدته الشعب هو الأساس في الحكم وتثبيت الرأس لأنه من يختارهم كما أثبتنا، ويكون اتخاذ القرار بما يتناسب مع أضعف أفراد الشعب وأيسرهم عليه وكما قالت السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه).

وهذا أيضاً مع أفقيته التي تجعل الجميع متساوي في الحقوق والواجبات.

37- تضع فلسفة الفكر الإسلامي العقد الاجتماعي الذي يختار الشعب من خلاله الحكام والنواب ويسقطهم إن أخلوا بالعقد كما رأينا بباب السياسية.

38- ضمان مدنية الدولة باستقلال القرار السياسي والقانوني والاجتماعي عن أي سلطة دينية بعدم تدخلها في أي قرار بالدولة.

39- يتحدد الفهم الصحيح للدولة المدنية بالفكر الإسلامي بأن تقف الدولة وإدارتها مهما كانت توجهاتها ومعتقداتها على مسافة واحدة من جميع المواطنين، مع كفالة حرية العبادة للجميع، والتساوي بالحقوق الشخصية والواجبات للفرد أياً كان انتماءه وسط دستور يضمن تطبيق القانون وتحقيق المساواة والحرية والعدل.

40- الموازنة بين حقوق الفرد والمجتمع فلا تطغى إحداهما على الأخرى.

41- تنمية الوعي والثقافة والتعليم والتربية للفرد والمجتمع حتى لا يقبل أن تهضم حقوقه ولا يتقبل الاستبداد. فينمي الفكر الإسلامي الوعي الفردي الذاتي والجمعي للمجتمع على التوازي ليكون الفرد مؤثر ومتأثر بالمجتمع.

42- تعمل الدولة على حماية أراضي وثروات الشعب وادارتها ليحصل كل فرد على حقه فيها، ولا يستبد بها الحاكم فيتحكم بمقدرات الشعوب والدولة وثرواتها ويستبيحها لنفسه.

43- يعمل الفكر الإسلامي على بناء الانسان أخلاقياً وفكرياً وثقافياً وبدنياً ليفيد المجتمع والدولة، فيقوم ببناء البنية التحتية لبناء البنية العلوية على أكمل وجه وعلى قاعدة سليمة.

44- أن المرجعية الأخلاقية والحق والعدل في الفكر الإسلامي وفلسفته ليست كلام الله في القرآن وتوجيهات النبي بالسنة فقط بل تكون بزرع الوازع النفسي والإنساني ومن ضمير الفرد بأن لا يرضى بشيء سيء على أحد طالما لا يرضاه على نفسه فحب لأخيك ما تحب لنفسك من أجل الحق والعدل للجميع.

45- الإيمان بالعدل والحرية فيجعل الحاكم يعدل في الشعب فيوفر (صحة، تعليم، غذاء، تنمية، ثقافة،) ويعطيه سقف واسع من الحريات ليعم الانتماء بالوطن.

46- يؤدي الفكر الإسلامي إلى نشر الثقافة والوعي وجعل أصحاب الوعي والضمير والعامة غير صامتين في وجه الطغيان لرفض الاستبداد بتغيير المنكر وقول كلمة الحق في وجه ملك جائر.

47- يعمل الفكر الإسلامي على منع العنف الأسري بوصايا التعامل مع المرأة والطفل سواء جسدي أو لفظي.

48- يعمل الفكر الإسلامي على جعل الفرد ذي وعي وفكر ليمتلك حريته ويستطيع تقديم الأفضل للمجتمع والدولة والمراقبة والمحاسبة للحكام. فيعمل على التعليم والثقافة والوعي حتى ينال الناس وعيهم وحريتهم، فلا توجد حرية دون وعي ولا تستقيم مع الجهل. ولكي يمتلك الفرد استقلاله الفكري والاقتصادي والسياسي ومنها لحرية واستقلال المجتمع والدولة.

49- يعمل الفكر الإسلامي بمدنيته على الوصول بالفرد إلى حد الكفاية وليس الكفاف فقط، ليكون له ما يملكه ويستطيع توفير مدخرات لحاته ويمتلك العلم والثقافة والوعي لكي له القدرة على التفكير الحر ولا يكون إمعة ويكون له القدرة على العمل السياسي والعمل العام ولا يستعبد لأحد بسبب المال ولا يكون منقاد فكرياً.

50- يقدم الفكر الإسلامي فكرة نبيلة في اطار عمل سلمي بالعدل والمساواة والحرية وليس بعنف حتى لا تفقد الفكرة نبلها.

51- تكتمل الحرية السياسية بوجود هيئات المجتمع المدني التي تعمل على رقابة السلطات الثلاثة (القضائية، التشريعية، التنفيذية) مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي يصنع التوازن بينهم ويجعل من الشعب والمجتمع واعي ومشارك في صناعة قراره السياسي وهذا أساس الحرية السياسية ويجعله ذو وعي وعلم وثقافة ويبحث عن حقوقه في الدولة ويحميها.

52- مع قدرة الدولة الاقتصادية تكون قادرة على مساعدة المحتاج فلا يتحكم فيه أحد، وقادرة على تطوير التعليم والمناهج والمنظومة التعليمية من أجل خلق أجيال ذات وعي وعلم وثقافة، هذا غير تنميتها وتمويلها للأبحاث والمشاريع المختلفة مما يدفع عجلة الإنتاج والاقتصاد وبالتالي تنمية سوق العمل مما يدفع الحياة للأفضل.

53- تنفيذ القانون بعدل ومساواة وعدم انتقائية يجعل هذا الفرد والمجتمع يشعر بالحياة الكريمة في وطنه والانتماء لها لأن حقه ليس مهضوم بل الدولة تحميه من تغول أحد عليه واحترام القانون.

54- مع حرية الإعلام تنتهي التبعية بل مع توصيل الوعي والرأي الآخر للمجتمع وأفراده يجعل منهم قادرين على التثقيف والفهم لما يجري من أحداث وغير مُسيطر عليهم من قبل الدولة أو أي أحد.

55- تحقيق السلام الاجتماعي بالمساواة والعدل والحرية السياسية والشخصية والقانون والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي والتعبير والحكم السوي والسليم والأمن والأمان للمجتمع والشعوب، فكلها حق المواطن بوطنه.

56- الترابط المجتمعي بالتكافل والرحمة والمودة للحياة بسلام وتعايش سلمي بين الجميع.

57- العدل هو أساس التعامل في الدولة في كل نواحي الحياة الخارجية والداخلية مع تحقيق المساواة والحرية والسلام بين الناس.

58- العدل والحرية والمساواة هم أساس التقدم والرخاء والبناء الحضاري وبناء الإنسان والنهضة، وليس الظلم والقهر.

59- تضمن تحقيق الحرية السياسية التي هي أساس حماية وضمان الدولة من الاستبداد وحماية المجتمع والاقتصاد والحياة الاجتماعية والتعليمية وتطويرها بالرقابة والمعارضة والمحاسبة وتداول السلطة.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 195 (الخاتمة 4)

 


وهذا هو جوهر ربط الحالة المادية بالروحية وربط إصلاح الفرد بالمجتمع فيجعل الفرد همه المجتمع والدولة وتقدمها فيتفاعل بها، وليس مجرد فرد همه وغايته السعادة الشخصية. فيعمل الفرد أقصى ما بوسعه لمصلحة المجتمع والدولة دون أنانية حتى لا يضر المجتمع. وإعلاء مصلحة الجماعة والمصلحة العامة دون إهمال لمصلحة الفرد لأنها مصلحة تبادلية ومكملة لبعضها للترابط بين الفرد والأسرة والمجتمع في النواحي السياسية لإقامة الدولة والاقتصادية بالتبادل التجاري والاجتماعية بالتعاون المجتمعي على أسس الفلسفة الإسلامية.

وهذا لأن كل ما نفعله يومياً بالحياة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدين والسياسة، فإذا حكمتهم صلحت حياتنا وإذا أفسدتهم فسدت دنيانا وآخرتنا. فالسياسة والدين لا يفترقان ويتلازمان دون أن يطغى أحدهم على الآخر بل يحكمان توجهات بعضهما حتى لا يفسد ولا يتحكم أحدهم بالآخر فلا تتكون دولة ثيوقراطية ولا دولة مستبدة.

ويوجِد الفكر الإسلامي هكذا المواطن الفعال وماهية دوره في الأسرة والمجتمع والدولة ويوجد التعليم وأهميته لتوعية الفرد بحقوقه وواجباته والفنون التي تظهر مشاكل المجتمع والدولة والإعلام ودوره في إظهار مشاكل المجتمع والدولة وجذورها وأسبابها والمفكر والمثقف الذي يسعى لإيجاد الحلول والسياسي الذي ينفذ هذه الحلول للقضاء على المشكلة والمشرع الذي يسن القوانين التي تساعد على إنهائها وتخلق فلسفة ومنهج الفكر الإسلامي ثورة فكرية وثقافية وتوعية شاملة لبناء حكومة فعالة واعية مثقفة وشعب ومجتمع وفرد على نفس الخط واعي ومهتم بوطنه يحافظ كلاً منهما على الآخر ليحافظ على الدولة وتقدمها ومتقبلاً للتنوع والتعدد الديني والفكري والثقافي والجنسي والعرقي بتسامح وتعاون بينهم ومساواة ووحدة واحدة مكوناً مشترك عام لبناء دولة ذات حضارة متقدمة بمرجعية وفلسفة الفكر الإسلامي الثوري في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية.

فتتشكل هكذا علاقة الفرد بالمجتمع من حيث الترابط والتعاون المجتمعي والاقتصادي والأسري وعلاقة الفرد بالدولة من حيث الترابط السياسي والاقتصادي الفعال. فالعلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة علاقة مترابطة تكاملية وطردية فتنمية الفرد محور أساسي لتنمية المجتمع ومنها لتنمية الدولة وإهماله يؤدي إلى تفكك المجتمع والدولة. فيحتاج الفرد للمجتمع ليكون معه وليس فرداً وحيداً ويحتاج للدولة لتنظم المعاملات والحياة دون فوضى.

ووازن الفكر الإسلامي بين الفرد والمجتمع والدولة في حقوقهم وواجباتهم فيفعل الفرد أقصى ما بوسعه من أجل مصلحة المجتمع والدولة والمصلحة العامة فتصب في مصلحته الشخصية في النهاية، فلا يكون أنانياً ويؤثر غيره والمصلحة العامة على مصلحته الشخصية. لأنه لو فعل ما بوسعه من أجل مصلحته الشخصية فقط من الممكن أن يضر المجتمع والدولة من أجل مصلحته الخاصة بانتهازية وأنانية. ويؤدي الفرد واجباته كامله ويحصل على حقوقه من الدولة التي تؤدي دورها كامل للفرد والمجتمع لكي يتوازن العدل والمساواة.

ويحقق الإخوة الإنسانية بتحقيق العدل والرحمة والمساواة والتوصية بكلمة (أخيك) لكل فرد حتى يتعاون مع الجميع ويحافظ على الجميع وتظهر المعاملة الحسنة وتتحقق مقولة (الدين المعاملة) ليدلل على أن الفكر الإسلامي رسالة رحمة وعدل للجميع، ويعمل على تنمية الوعي الفكري والاجتماعي والإنساني بالترابط الاجتماعي لمن يقدر على حماية غيره من مصاعب الحياة والظلم.

ويعمل الفكر الإسلامي بفلسفته على تحقيق حقوق المواطن، فالمواطن يجب أن تهتم به الدولة لأنه الأساس بالدولة وهيبتها من هيبته وحقوقه المكتملة وهذا هو الاستثمار في الانسان وبناءه بالتعليم والصحة والحقوق السياسية المكتملة. وإنه يجعل من الشعوب والدول تعرف قوتها الشرعية من ممثليها ومراقبين السلطة التنفيذية، ألا وهم رقابة الشعب ونوابه بالسلطة التشريعية، وتكون هيبتها من تنفيذ القانون بالسلطة القضائية لصالح الشعوب فتكون هيبة الشعوب والمواطن. أما السلطة التنفيذية تكون كإدارة للدولة وتحت المحاسبة والمراقبة وتنفذ رغبة الشعوب في إدارة ثرواتها وتحافظ عليه وتنفذ القانون والدستور لصالح الشعوب.

ويجعل من المجتمع يكتسب وعيه من الممارسة السياسية، وليس من الهيمنة والسيطرة والاستبداد والتضييق عليه بحجة أنه غير مؤهل لممارسة حقوقه السياسية الكاملة. فقد يقع في الأخطاء والكوارث ولكن هذا صحي ومفيد إلى أن يشتد عوده ووعيه وقوته السياسية. وأي سلبيات لممارسة الحريات هي أقل بكثير من سلبيات الاستبداد.

فيعمل الفكر الإسلامي على ثلاث محاور هي: -

1-   عبادة الله وهي خاصة بالفرد ولكنه يطبقها في تعامله مع المجتمع.

2-   الإنسان بالتربية الفكرية والأخلاقية والتعليم والحرية.

3-   العالم بالأخوة الإنسانية والسلام بين الناس وعدم الاعتداء على أحد.

-فيوضح لنا سمو ومميزات الفكر الإسلامي بأنه: -

1- يربط بين الحالة الروحية والحالة المادية ويعلي من الحالة الروحية لصلاح الفرد والمجتمع والدولة.

2- الشمولية والتكامل في التطبيق لكل أوجه الحياة في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والعلمية والقانونية.

3- المرونة في التطبيق بوجود خطوط إلهية عريضة بفهم بشري وترك كيفية التطبيق للفرد والتفكير فيه حسب الزمان والمكان.

4- يدعم إعمال العقل لتطوير الثوابت لتناسب العصر ومتطلباته وتتكيف معه.

5-تطبيق قيم العدل والحق والخير والجمال في نواحي الحياة ويطبق قيم العدل والحرية والمساواة لتحقيق السلام بين الناس أجمين دون تفرقة.

6-يشمل التطبيق على كل الناس وليس للمسلمين فقط فهو فكر دنيوي مستلهم من الدين لا علاقة له بدين الفرد.

7-التناسب والواقعية مع فطرة الإنسان ومطالب الفرد والمجتمع والدولة بنزعة إنسانية أخلاقية.

1-  سيطرة النزعة الأخلاقية الإنسانية الرحيمة في كل التعاملات.

2-  يساوي بين المصلحة العامة والخاصة.

10- يحمي حقوق الفرد وملكيته وحياته.

11- يجعل من الفرد يعطي ما بوسعه لمصلحة المجتمع ككل بعدل ودون استغلال أو ظلم لأحد، فتصب في النهاية بمصلحته الخاصة أيضاً فتتوازن المصلحة العامة والخاصة.

12- يؤكد على أن حرية الإنسان كاملة مطلقة وهي أساس حياته لأنه بشعوره كمواطن بحريته يحصل بها على الأمن والاستقرار والغذاء والحياة الكاملة والانتماء الكامل للأمة والوطن وتجعله يعطي أقصى ما في وسعه للدولة.

13-الموازنة بين العدل والقوة، فيطبق العدل بقوة تحافظ عليه، والقوة يكبحها عن الانحراف بالعدل، والتطبيق للقانون الدولي العام على الدولة كما ذكرنا في باب القانون بحالة المرجعية الإسلامية الروحية.

14-الحرية الفكرية والشخصية للفرد وتحقيق الحريات عامة الاجتماعية بحرية الرأي والتعبير والحريات السياسية والاقتصادية والملكية الفردية.

15- تحقيق المساواة والعدل والخدمات بتوفير التعليم والصحة بين أفراد الدولة على حد سواء دون أدنى تفرقة على أي أساس.

16- بناء دولة ومجتمع يقضي على الفقر والجهل والمرض والكراهية والاستبداد وتبنيها بالعدل والمساواة والعلم والحرية والأخلاق.

17- توفير حد الكفاية للفرد والمدخرات التي تحميه.

18- أن جوهر الدين بالعقيدة والحياة هو العدل، الصدق، الأمانة، التضامن، العلم، المساواة، الحرية، القيم الإنسانية والأخلاقية فيجعل الفرد يبحث عنهم لتحقيقهم.

19- عدم قبول الاستبداد الذي يؤدي إلى دمار وتخلف الشعوب والمحاربة من أجل التخلص منه وتغيير الحكام المستبدين.

20- يبني الفرد بالعلم والعمل والأخلاق الإنسانية وبالتالي يتحضر المجتمع وتبنى الدولة والحضارة فيبدأ بإصلاح الفرد الذي يكون الأسرة ومن ثم الأسر التي تكون المجتمع.

21- تطبيق العدل والمساواة في تطبيق القانون بين الناس، وتطبيق دولة القانون الذي يطبق على الجميع دون تفرقة. حتى لا يظلم أحد.

22- الفكر الإسلامي بفلسفته يسعى دائماً في كل نواحي الحياة إلى تحقيق الحق والخير والعدل والسلام العام بين الناس جميعاً.

23- دفع الناس للعلم والاهتمام به والسعي لتحصيله وعدم الجهل وعدم ادعاء المعرفة، وإعمال العقل والتفكير وغرس قيم النقد والشك بالطفل لكي يسعى في الكبر للعلم والإنتاج والمعرفة والإبداع والاختراع وجعل الفرد يمتلك فكره ورأيه، بل وأهمية تعليم الآخرين مما تعلمنا، وهذا للقضاء على الجهل لأنه عدو الإنسان الأول.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 194 (الخاتمة 3)

 


وأن فلسفة الفكر الإسلامي توازن في عدلها بين جميع القوى الفاعلة في الحياة وتعطي كل ذي حق حقه. فأصبح مفهوم الحرية منضبطاً متوازناً لا يطغى فيه المجتمع على الفرد ولا الفرد على المجتمع وأصبح مفهوم المساواة مفهوماً شرعياً مرتبطاً بالعدل. فالعدل هو الميزان الذي يضبط حركة الحرية وحركة المساواة وهو أيضا الضامن لتحقيق إنسانية كل الناس وكرامة البشر كلها بحرية تنالها الأمة بالجد والكد. فحقق الفكر الإسلامي كمالاً للشخص وألفة في البيت ونظاماً للحكم امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم تدخل فيه.

ورأينا كيف أن الفكر الإسلامي يعطي الحق المدني للمواطن في ممارسة حياته السياسية والاقتصادية والملكية والعقود ولا يسلب حريته بالاستبداد السياسي والاقتصادي فيكون عبداً للدولة ويمنع الكسل والتواكل وحث على الجهد والنشاط ومنع الاستغلال والاحتكار والغش والرشوة وما من فضيلة أرادتها البشرية إلا وصى بها الفكر الإسلامي وما من رذيلة نبذها المجتمع العالمي إلا حذر منها ومنعها. وأنه يجمع بين الطهر الفردي والإصلاح الاجتماعي والارتباط العالمي وفيه عوامل نصرة الإنسانية وهي الجهاد الشخصي والاجتماعي وطهارة الخلق وحسن المعاملة الاجتماعية والمادية فيكون رابط القيمة المادية بالروحية هو الضمير الحي الذاتي للإنسان والمجتمع والدولة مع المراقبة المجتمعية.

ويحث المنهج الإسلامي على الفكر والتفكير العقلي والعمل والأخلاق ومنع الابتذال في الفن والسياسة والاقتصاد بل ويجعل الفرد في المجتمع يعي أن من المصلحة المتبادلة له مع أفراد المجتمع مواجهة سلبيات المجتمع المدني والسياسي للحفاظ على حقوقه من واقع مفهوم المواطن الفعال في الدولة.

والفكر الإسلامي يرسخ مفاهيم الحب والتسامح في المجتمع على ركائز الحدود لمن يحيد عن القيم الأخلاقية مع وجود الأعراف الاجتماعية والقيم الإنسانية والأخلاقية وهذا بوجود نظم الردع الذاتي بمحاسبة النفس والمراقبة المجتمعية بالأمر بالمعروف بالحسنى ودور الدولة بتطبيق القانون والحدود.

ويؤكد على الأخوة الإنسانية والمساواة وعدم العنصرية أو العبودية والاستعلاء لاستكمال الوحدة الاجتماعية فيكون التكافل بين الناس جميعاً فكان استعمال كلمة (أخيك) تأكيداً على هذا. مع وجود الزكاة التي تؤخذ من الغني وتعطي الفقير.

وأن فلسفة الفكر الإسلامي تهتم بحقوق الإنسان بدقة بالغة وتؤكد عليها. فالإسلام والإنسانية متلازمان فإن فُقد أحداهما فُقد كليهما وإعطاء الفرد الحرية الكاملة، فأكد على حرية الفرد وحقه في معتقداته وممارسة عقيدته وقناعاته الفكرية دون فرض من أحد في أي شيء.

ونجد أنه لابد من وجود الأخلاق مع وجود السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية فتكون أخلاق الشخص سابقة له في العمل السياسي لتكون عمل عام ومنفعة عامة فهذه هي أهمية الأخلاق للمجتمع.

وأكد الفكر الإسلامي على أن بناء الدول يأتي بالتعاون والعمل والجد والعدل وبناء المؤسسات وليس بالزعامة والشعارات الكاذبة الفارغة من أي عمل جدي.

وأنه يدعم في الفرد القيم العليا (الحق والخير والجمال). ومعايير المعرفة (الحق والبرهان واليقين). وتنمية وتوعية وتثقيف الفرد والمجتمع وحثه أن يكون فعالاً في الدولة فلا يكل عن المراقبة والمطالبة بحقه السياسي والعلمي والثقافي والقانوني والاقتصادي ويحارب الفرد والمجتمع بوعيهم وثقافتهم أي شكل من أشكال التجهيل سواء في الفن أو السياسة أو العلم والتربية حتى لا يتحكم فيه أي مستبد.

وهذا المنهج الإلهي يظهر العلاقة بين العبد وربه والعلاقة بين الناس بعضها البعض والود والحب والإخاء بينهم والعلاقة الداخلية للإنسان وذاته ومدى يقظة ضميره ومراقبته على أفعاله بناء على العلاقات السابقة وتماشياً مع مبادئ الفكر الإسلامي.

ويتضح لنا أن الفكر الإسلامي يجعل من الإنسان ملزم بالبحث عن حقوقه والمحاربة من أجل الحفاظ عليها.

ووضحت فلسفة الفكر الإسلامي أن يقوم كل فرد بامتلاك التغيير من نفسه للأصلح كي يساعد على إصلاح الغير والمجتمع والدولة.

-فقال الله تعالى: -

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ)

-ونجد أن الفكر الإسلامي وضع أطر للنظام وعلامات الوعي المجتمعي وهي: -

1- النظام السياسي: -

أ‌-     أن لكل فرد حق ممارسة السياسة والسلطة والمشاركة في بناء المصير السياسي.

ب‌- كل مسئول خاضع للشعب صاحب السلطة فنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ج-المساواة للشعب كله.

د- ضمان حقوق الأقليات.

ه- حق المواطن في مراقبة ومساءلة الحاكم وكل فرد مسئول بالدولة.

و- الحرية الفردية الكاملة.

ز- تعزيز دور الوطن والمواطن.

ح-تعريف الشعب الحقوق والواجبات.

2- النظام الاقتصادي: -

أ‌-     يقوم على أساس العدل الاجتماعي والمساواة والعمل الكاد.

ب‌- التوزيع العادل للمال بالعدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي والزكاة والصدقات.

ج-عدم اكتناز المال بل تدويره من أجل إنعاش الاقتصاد.

د- التطور والتقدم العلمي مهم من أجل دفع الاقتصاد.

ه- العدالة في الأجور.

و- العدل والأمانة في البيع والشراء.

ز- مراقبة السوق والتنافس الحكومي.

3-النظام الاجتماعي: -

أ‌-     التأكيد على كرامة الفرد.

ب‌- دعم الأسرة وإعطاء أفرادها الوقت للتواصل ولم الشمل وعدم إعطاء كل الوقت للعمل فقط.

ج-حماية الفئات المستضعفة (النساء واليتامى والأطفال).

د-الدين المعاملة.

ه- التفاعل الاجتماعي بالنصح والإرشاد.

و- ثقافة الحوار والاختلاف وقبول الآخر.

ز- تفعيل الأخلاقيات الإنسانية.

1-  النظام التربوي والعلمي: -

أ‌-     أهمية العلم.

ب‌- أهمية التربية بكل أنواعها النفسية والجسدية والفكرية والجنسية.

ج-الاهتمام بالمواهب والفنون والآداب.

2-  النظام القانوني: -

أ‌-     حق الفرد في تحقيق العدل بمحاكمة عادلة بمعرفة ثقافة العدل.

ب‌- حق الدفاع عن النفس والآخر.

ج-عدم مصادرة الحقوق والملكيات.

د-تطبيق القانون على الجميع حتى لا يأمن أحد العقاب فالجميع سواسية.

ه- حق الحماية من تعسف السلطة.

و- عدم التعدي على الخصوصيات.

-فحققت فلسفة الفكر الإسلامي هكذا: -

1- الديمقراطية السياسية: -

أن تكون سلطة الدولة بيد الشعب صاحب السلطة

2- الديمقراطية الاجتماعية: -

أن تعمل الحكومة على مصلحة المجتمع والفرد بتحقيق العدل والمساواة والكفاية للفرد.

-فيكون الحكم في الدولة على نظام مدني ديمقراطي محققاً الأسس لها وهي: -

1- وجود نظام حكومي.

2- الحكم للشعب بأي وسيلة تناسب العصر وتحقق الشورى والعدل.

3- الحكم للشعب بتحقيق الأهداف والمبادئ والمطالب الشعبية للدولة والمجتمع والفرد.

4- الحكم من الشعب بأن لا يكون أعضاء الحكومة منفصلين عن الشعب وأهدافه ومطالبه.

5- تداول السلطة بسلمية وعدم تمركزها في يد حزب أو جماعة.

3-  الحكم على أسس محددة أمام الشعب ويوجب تنفيذها.

4-  الحكم مؤسس على حكم وقرار الأغلبية وليس باستبداد وديكتاتورية.

فبهذا تتميز فلسفة المنهج الإسلامي بتجميع المفاهيم الخارجية (السياسية والاقتصادية) مع المفاهيم الداخلية (الاجتماعية والعلمية التربوية والقانونية) وربط بينهم لأنه لن يتم السمو والتقدم سياسياً واقتصادياً إلا بالتنمية الداخلية للفرد والمجتمع من منطلق الآية (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 193 (الخاتمة 2)

 


ويوفر الفكر الإسلامي الاقتصادي حد الكفاية لكل مواطن والأمن والسلام والعدل والرحمة والمساواة فيجعل المواطن منتمي لوطنه بعدم وجود عنصرية سياسية أو اجتماعية وأهم ما يميز الفكر الإسلامي في الاقتصاد أنه ربط القيمة المادية بالقيمة الروحية داخل الإنسان بالتأكيد على أن المال حلال ويتبع تعاليم الاقتصاد الإسلامي وسماحته وإخراج زكاته وخراجه لمساعدة الفقراء وتحسين مرافق الدولة من أجل كسب الآخرة.

ويؤكد الفكر الإسلامي على الحرية الشخصية في كل شيء دون المساس بمشاعر الآخرين وبحدود ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده بقاعدة (أنت حر ما لم تضر).

وأنه يحقق المساواة السياسية بجوار المساواة القانونية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية لتحقيق مجتمع لا يوجد بينه بغضاء أو طبقية وهذا هو الهدف من قول الله تعالى: -

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ...).

فلا يشعر المواطن بتفاوت طبقي وعدم شعور الغني بالفقير وانفصاله عنه، وتعمل الدولة على إغناء الفقراء وسد حاجتهم التقارب بين الطبقات وإلغائها.

عمل الفكر الإسلامي على بناء الفرد والمجتمع والنشء والدولة منذ البداية لتنمية الحياة الاجتماعية لكي يصنع التوازن في التربية الأخلاقية والاجتماعية والثقافية بين الفرد والمجتمع بالدولة منذ بداية نشأة الفرد. ففي المرحلة المكية عني النبي بتكوين الإنسان وقيمه وصياغته إنسانياً وتكوين الأمة الصالحة وفي المرحلة الأولى بالمدينة عني ببناء الدولة والمؤسسات والتشريعات والجيوش والفتوحات ثمرة ناضجة وصالحة لهذا الأساس الذي صنعته التربية وأسس أن الإصلاح للأمة يأتي بتوازي إصلاح (الحكومة والتربية للأمة).

ونجد أن فلسفة الفكر الإسلامي أنها تهتم ببناء وتنمية الفرد والمجتمع في كل نواحي الحياة السياسية والعقلية والعلمية والتربوية والأخلاقية من أجل بناء الدولة القوية ذات الحضارة والعلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(المؤمن القوي خيراً عند الله من المؤمن الضعيف)

والمقصد هنا ليست القوة الجسمانية فقط وإنما القوة العقلية والفكرية والتعليمية والأخلاقية التي تنمي وتدعم الدولة في النواحي السياسية والاقتصادية والقانونية والعسكرية ليتشجع كل فرد لبناء نفسه فكرياً وجسمانياً، فتبني بسواعد وعقول قوية دولة قوية متحضرة تنشر الخير والسلام والدين الإسلامي للعالم.

فنجد أن الفكر الإسلامي يعمل على الإصلاح المجتمعي للفرد والمجتمع والطفل والأسرة مع الإصلاح السياسي ليكتمل البناء المجتمعي السوي لبناء دولة سليمة وقوية فيكون الإصلاح من أعلى الهرم وأسفله ليكتمل البناء بطريقة سوية، وأنه يحقق مقاصد الشريعة من حفظ للدين لحفظ حرية العقيدة والعقل لحفظ الفكر والعلم والمال لحفظ الاقتصاد والعرض لكرامة الفرد والنفس لحفظ الدماء والحياة البشرية والكرامة الإنسانية.

ويدعو الفكر الإسلامي أن يمتلك الفرد فكره الخاص ولا يكون منقاد وراء أحد حتى لا يتلاعب به أحد وبالتالي يكون الفرد والمجتمع غير قابل للانقياد وراء الخدع والأكاذيب، بل يفكر ويمحص في الأدلة. ويجعله لا يتعود على النقل والحفظ دون فهم، ويدعوه لحرية التفكير والنقد والشك فلا يقبل الظلم ولا يستكين للجهل، ويعمل على مواكبة العصر والانفتاح الثقافي على العالم، ويعود الطفل منذ الصغر على هذا ليتم تربية المجتمع كله على حرية الفكر وتقبل الآخر وإعمال العقل.

-وأن المشروع الحضاري للدولة يقوم على: -

1- كفاءة الإنسان.

2-فاعلية المجتمع.

1-  قوة الدولة سياسيا واقتصاديا

2-  تحقيق مقاصد الشريعة (حفظ الدين، العقل، المال، النفس، العرض).

ولذا يجب أن يقوم الفكر للدولة على بناء الإنسان الكفؤ، تكوين مجتمع فاعل، دولة قوية حضاريا واقتصاديا، تحقيق مقاصد الشريعة لحماية حقوق الإنسان. وهذا ما يؤسس له الفكر الإسلامي.

وأنه يجب لبناء دولة قوية متحضرة لابد من الاهتمام (بالأفكار والعلم، الإنسان المفكر الفنان المجدد للفكر وطرق تطبيقه، الأدوات التي تساعده على العمل والإمكانيات والموارد) وهذا ما يقوم به الفكر الإسلامي فينمي الفرد ويجعله يفكر ليتقدم بالحضارة.

وأن الفكر الإسلامي يبني الإنسان ويربي الفرد على ألا يكون كل فكره في أن يأكل ويشرب ويتكاثر فقط وإنما يعمل ويعمر وينمي الحضارة ويفكر ويتعلم ويربي الأسرة والمجتمع والدولة من أجل البناء الحضاري.

وأن الفكر الإسلامي يصلح الدولة والمجتمع والفرد عن طريق إصلاح أربعة أضلع وهي (الحرية وعدم قبول الاستبداد، التعليم، التربية، إصلاح النفس بالأخلاق).

وذلك من أجل بناء مجتمع ودولة وفرد متحضر ذو أخلاق.

-يتميز الفكر الإسلامي الاجتماعي بأنه يعمل على أربعة نقاط هي: -

1- الصلة بين الأفراد وتقويتها بالعلاقات الاجتماعية الإنسانية.

2- تأصيل الحب والمودة والإخاء بين أفراد المجتمع.

3-وجود رقابة داخلية من الفرد لذاته بناء على ضوابط الفكر الإسلامي في مختلف نواحي الحياة.

2-  يعمل على جعل الناس تفرق بين الحق والباطل وتسعى لتحقيق العدل والحق ودحض الباطل.

ويحفز الفكر الإسلامي على الخلق والإبداع ووجود حريات ولكن بضوابط أخلاقية وإنسانية حتى لا تكون حرية البعض تؤذي البعض الآخر فيكون الفكر والإبداع بمرجعية إسلامية أخلاقية وهي مرجعية الحضارة الإسلامية التي شارك في بنائها العديد من الجنسيات والأديان المختلفة عرب مسلمون (من مكة والمدينة) ومسلمون غير عرب (مصر والشام) وعرب غير مسلمين (اليمن وقتها) وغير عرب وغير مسلمين (أشوريين وفرس) دليلاً على التعاون مع كل الحضارات والأشخاص التي تعيش في نفس الدولة وتعمل بالمشترك العام من أجل تقدم الدولة وبناء حضارة واحدة ولم تفرق أبداً بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين بل الكل واحد يعمل ويأخذ من الدولة مثل أي فرد آخر دون أدنى تفرقة.

ونجد أن الفكر الإسلامي يحافظ على الضرورات الخمس للحياة ويضع القوانين لحمايتهم والأسس لتنميتهم وحرية العمل بهم وهي مقاصد الشريعة لحفظ كرامة الإنسان (الدين، النفس، العقل، النسل، العرض، المال). وأن دعائم إقامة الدولة لحماية الحياة والمواطن وهذه الضروريات هي (العدل، المساواة، الحري، رعاية حقوق الشعب، الشورى)، وتكون بأسس الفكر الإسلامي للحفاظ على الدولة وشعبها وحقوقهم بتحقيق المساواة في الواجبات والعدل في الحقوق، وبتحقيق العدل والحرية في الاعتقاد والدين والحرية في امتلاك المال.

وضع الفكر الإسلامي أفضل الطرق من أجل إصلاح وتطهير المجتمع من الفساد في كل نواحي الحياة فبعد الهجرة بدأ الرسول تأسيس المجتمع فسار على ثلاثة محاور وهي: -

1-  الإصلاح السياسي والدستوري: -

بعمل دستور الدولة (وثيقة المدينة) ومجلس شورى وتحديد اختصاصات أعوانه في الحكم، ووضع دستور وقوانين للدولة لحمايتها وحماية أفراد الشعب.

2-  إصلاح المجتمع: -

بتقوية أوصاله والمؤاخاة بينهم وجعله مجتمع حسن أخلاقي فاضل بالتربية الإسلامية.

3-  التعليم: -

فطلب النبي من كل متعلم أن يعلم باقي الأفراد القراءة والكتابة وأيضاً طلب من أسرى بدر أن من يريد أن يفدي نفسه فيعلم عشرة أفراد القراءة والكتابة فضلاً عن حث القرآن والرسول للعلم والتعلم.

وهذه هي أفضل طرق النهضة والتقدم في الدول وهذا ما سارت عليه الدول التي وصلت إلى الحضارة والتقدم.

ويجعل الفكر الإسلامي الدولة تعمل من أجل المواطن والعكس ويجعل العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة طردية.

ويمنع منهج الفكر الإسلامي الاستبداد بكل أنواعه سواء (السياسي، الاقتصادي، العقائدي، الفكري، المعرفي، الاجتماعي والطبقي، القانوني).

بتهذيبه للفرد والدولة ووضع المبادئ التي يعمل عليها الطرفان وتحديد حقوقهم وواجباتهم.

ونجد في الفكر الإسلامي أنه الفكر والأيدلوجية الوحيدة التي حافظت على قوة التنظيم للدولة مع الحفاظ في نفس الوقت على القوة الفكرية التقدمية بدافع الأخلاق والتعلم وحرية الرأي وقبول الاختلاف والاستماع للمعارض والتعاون معه لمصلحة الدولة والإيثار بعكس أي فكر آخر يحافظ على قوة التنظيم بكبت المعارضة وحرية الرأي أو يحافظ على قوة الفكر بحرية مطلقة تجعل من قوة التنظيم في الدولة من حيث الأخلاق سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الحياة الاجتماعية تصبح مخلخلة.