كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 193 (الخاتمة 2)

 


ويوفر الفكر الإسلامي الاقتصادي حد الكفاية لكل مواطن والأمن والسلام والعدل والرحمة والمساواة فيجعل المواطن منتمي لوطنه بعدم وجود عنصرية سياسية أو اجتماعية وأهم ما يميز الفكر الإسلامي في الاقتصاد أنه ربط القيمة المادية بالقيمة الروحية داخل الإنسان بالتأكيد على أن المال حلال ويتبع تعاليم الاقتصاد الإسلامي وسماحته وإخراج زكاته وخراجه لمساعدة الفقراء وتحسين مرافق الدولة من أجل كسب الآخرة.

ويؤكد الفكر الإسلامي على الحرية الشخصية في كل شيء دون المساس بمشاعر الآخرين وبحدود ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده بقاعدة (أنت حر ما لم تضر).

وأنه يحقق المساواة السياسية بجوار المساواة القانونية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية لتحقيق مجتمع لا يوجد بينه بغضاء أو طبقية وهذا هو الهدف من قول الله تعالى: -

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ...).

فلا يشعر المواطن بتفاوت طبقي وعدم شعور الغني بالفقير وانفصاله عنه، وتعمل الدولة على إغناء الفقراء وسد حاجتهم التقارب بين الطبقات وإلغائها.

عمل الفكر الإسلامي على بناء الفرد والمجتمع والنشء والدولة منذ البداية لتنمية الحياة الاجتماعية لكي يصنع التوازن في التربية الأخلاقية والاجتماعية والثقافية بين الفرد والمجتمع بالدولة منذ بداية نشأة الفرد. ففي المرحلة المكية عني النبي بتكوين الإنسان وقيمه وصياغته إنسانياً وتكوين الأمة الصالحة وفي المرحلة الأولى بالمدينة عني ببناء الدولة والمؤسسات والتشريعات والجيوش والفتوحات ثمرة ناضجة وصالحة لهذا الأساس الذي صنعته التربية وأسس أن الإصلاح للأمة يأتي بتوازي إصلاح (الحكومة والتربية للأمة).

ونجد أن فلسفة الفكر الإسلامي أنها تهتم ببناء وتنمية الفرد والمجتمع في كل نواحي الحياة السياسية والعقلية والعلمية والتربوية والأخلاقية من أجل بناء الدولة القوية ذات الحضارة والعلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(المؤمن القوي خيراً عند الله من المؤمن الضعيف)

والمقصد هنا ليست القوة الجسمانية فقط وإنما القوة العقلية والفكرية والتعليمية والأخلاقية التي تنمي وتدعم الدولة في النواحي السياسية والاقتصادية والقانونية والعسكرية ليتشجع كل فرد لبناء نفسه فكرياً وجسمانياً، فتبني بسواعد وعقول قوية دولة قوية متحضرة تنشر الخير والسلام والدين الإسلامي للعالم.

فنجد أن الفكر الإسلامي يعمل على الإصلاح المجتمعي للفرد والمجتمع والطفل والأسرة مع الإصلاح السياسي ليكتمل البناء المجتمعي السوي لبناء دولة سليمة وقوية فيكون الإصلاح من أعلى الهرم وأسفله ليكتمل البناء بطريقة سوية، وأنه يحقق مقاصد الشريعة من حفظ للدين لحفظ حرية العقيدة والعقل لحفظ الفكر والعلم والمال لحفظ الاقتصاد والعرض لكرامة الفرد والنفس لحفظ الدماء والحياة البشرية والكرامة الإنسانية.

ويدعو الفكر الإسلامي أن يمتلك الفرد فكره الخاص ولا يكون منقاد وراء أحد حتى لا يتلاعب به أحد وبالتالي يكون الفرد والمجتمع غير قابل للانقياد وراء الخدع والأكاذيب، بل يفكر ويمحص في الأدلة. ويجعله لا يتعود على النقل والحفظ دون فهم، ويدعوه لحرية التفكير والنقد والشك فلا يقبل الظلم ولا يستكين للجهل، ويعمل على مواكبة العصر والانفتاح الثقافي على العالم، ويعود الطفل منذ الصغر على هذا ليتم تربية المجتمع كله على حرية الفكر وتقبل الآخر وإعمال العقل.

-وأن المشروع الحضاري للدولة يقوم على: -

1- كفاءة الإنسان.

2-فاعلية المجتمع.

1-  قوة الدولة سياسيا واقتصاديا

2-  تحقيق مقاصد الشريعة (حفظ الدين، العقل، المال، النفس، العرض).

ولذا يجب أن يقوم الفكر للدولة على بناء الإنسان الكفؤ، تكوين مجتمع فاعل، دولة قوية حضاريا واقتصاديا، تحقيق مقاصد الشريعة لحماية حقوق الإنسان. وهذا ما يؤسس له الفكر الإسلامي.

وأنه يجب لبناء دولة قوية متحضرة لابد من الاهتمام (بالأفكار والعلم، الإنسان المفكر الفنان المجدد للفكر وطرق تطبيقه، الأدوات التي تساعده على العمل والإمكانيات والموارد) وهذا ما يقوم به الفكر الإسلامي فينمي الفرد ويجعله يفكر ليتقدم بالحضارة.

وأن الفكر الإسلامي يبني الإنسان ويربي الفرد على ألا يكون كل فكره في أن يأكل ويشرب ويتكاثر فقط وإنما يعمل ويعمر وينمي الحضارة ويفكر ويتعلم ويربي الأسرة والمجتمع والدولة من أجل البناء الحضاري.

وأن الفكر الإسلامي يصلح الدولة والمجتمع والفرد عن طريق إصلاح أربعة أضلع وهي (الحرية وعدم قبول الاستبداد، التعليم، التربية، إصلاح النفس بالأخلاق).

وذلك من أجل بناء مجتمع ودولة وفرد متحضر ذو أخلاق.

-يتميز الفكر الإسلامي الاجتماعي بأنه يعمل على أربعة نقاط هي: -

1- الصلة بين الأفراد وتقويتها بالعلاقات الاجتماعية الإنسانية.

2- تأصيل الحب والمودة والإخاء بين أفراد المجتمع.

3-وجود رقابة داخلية من الفرد لذاته بناء على ضوابط الفكر الإسلامي في مختلف نواحي الحياة.

2-  يعمل على جعل الناس تفرق بين الحق والباطل وتسعى لتحقيق العدل والحق ودحض الباطل.

ويحفز الفكر الإسلامي على الخلق والإبداع ووجود حريات ولكن بضوابط أخلاقية وإنسانية حتى لا تكون حرية البعض تؤذي البعض الآخر فيكون الفكر والإبداع بمرجعية إسلامية أخلاقية وهي مرجعية الحضارة الإسلامية التي شارك في بنائها العديد من الجنسيات والأديان المختلفة عرب مسلمون (من مكة والمدينة) ومسلمون غير عرب (مصر والشام) وعرب غير مسلمين (اليمن وقتها) وغير عرب وغير مسلمين (أشوريين وفرس) دليلاً على التعاون مع كل الحضارات والأشخاص التي تعيش في نفس الدولة وتعمل بالمشترك العام من أجل تقدم الدولة وبناء حضارة واحدة ولم تفرق أبداً بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين بل الكل واحد يعمل ويأخذ من الدولة مثل أي فرد آخر دون أدنى تفرقة.

ونجد أن الفكر الإسلامي يحافظ على الضرورات الخمس للحياة ويضع القوانين لحمايتهم والأسس لتنميتهم وحرية العمل بهم وهي مقاصد الشريعة لحفظ كرامة الإنسان (الدين، النفس، العقل، النسل، العرض، المال). وأن دعائم إقامة الدولة لحماية الحياة والمواطن وهذه الضروريات هي (العدل، المساواة، الحري، رعاية حقوق الشعب، الشورى)، وتكون بأسس الفكر الإسلامي للحفاظ على الدولة وشعبها وحقوقهم بتحقيق المساواة في الواجبات والعدل في الحقوق، وبتحقيق العدل والحرية في الاعتقاد والدين والحرية في امتلاك المال.

وضع الفكر الإسلامي أفضل الطرق من أجل إصلاح وتطهير المجتمع من الفساد في كل نواحي الحياة فبعد الهجرة بدأ الرسول تأسيس المجتمع فسار على ثلاثة محاور وهي: -

1-  الإصلاح السياسي والدستوري: -

بعمل دستور الدولة (وثيقة المدينة) ومجلس شورى وتحديد اختصاصات أعوانه في الحكم، ووضع دستور وقوانين للدولة لحمايتها وحماية أفراد الشعب.

2-  إصلاح المجتمع: -

بتقوية أوصاله والمؤاخاة بينهم وجعله مجتمع حسن أخلاقي فاضل بالتربية الإسلامية.

3-  التعليم: -

فطلب النبي من كل متعلم أن يعلم باقي الأفراد القراءة والكتابة وأيضاً طلب من أسرى بدر أن من يريد أن يفدي نفسه فيعلم عشرة أفراد القراءة والكتابة فضلاً عن حث القرآن والرسول للعلم والتعلم.

وهذه هي أفضل طرق النهضة والتقدم في الدول وهذا ما سارت عليه الدول التي وصلت إلى الحضارة والتقدم.

ويجعل الفكر الإسلامي الدولة تعمل من أجل المواطن والعكس ويجعل العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة طردية.

ويمنع منهج الفكر الإسلامي الاستبداد بكل أنواعه سواء (السياسي، الاقتصادي، العقائدي، الفكري، المعرفي، الاجتماعي والطبقي، القانوني).

بتهذيبه للفرد والدولة ووضع المبادئ التي يعمل عليها الطرفان وتحديد حقوقهم وواجباتهم.

ونجد في الفكر الإسلامي أنه الفكر والأيدلوجية الوحيدة التي حافظت على قوة التنظيم للدولة مع الحفاظ في نفس الوقت على القوة الفكرية التقدمية بدافع الأخلاق والتعلم وحرية الرأي وقبول الاختلاف والاستماع للمعارض والتعاون معه لمصلحة الدولة والإيثار بعكس أي فكر آخر يحافظ على قوة التنظيم بكبت المعارضة وحرية الرأي أو يحافظ على قوة الفكر بحرية مطلقة تجعل من قوة التنظيم في الدولة من حيث الأخلاق سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الحياة الاجتماعية تصبح مخلخلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم