كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 149 (تبادل الثقافات والحضارات، أنواع العلوم)



- تبادل الثقافات والحضارات والمشترك العام (العولمة): -

-  فقال الله تعالى: -

(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)) (يوسف)

- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها هو أحق بها).

يتضح لنا أهمية المشترك العام والانفتاح الثقافي لبناء الحضارات وهو ما فعلته الحضارة الاسلامية باشتراك كل الجنسيات والديانات في بناء حضارة الدولة. فكان عظمة المعمار المسيحي في عصر الدولة الأموية ووصول الأدب اليهودي إلى قمته في عهد الدولة العباسية وشارك عرب مسلمون (كابن كلدة) ومسلمون غير عرب (كسليمان الفارسي وابن رشد) وغير عرب غير مسلمين (كنصارى مصر وأطباء الإسكندرية) في بناء الدولة وقد ذكرنا الأمثلة عليهم في (نقطة المواطنة بباب السياسة).

فكل فرد منهم حمل معه ثقافته وحضارته السابقة التي كان يحملها ونقلها إلى الدولة الإسلامية وبدأ يساعد في بناء الحضارة الإسلامية في العلوم المختلفة (الطب والفلسفة والمنطق والكيماء والرياضيات و....) من علماء الإسكندرية والشام والعراق وغيرهم مكونين تعددية ثقافية داخل مجتمع موحد لبناء حضارة ودولة واحدة تجمعهم.

ونجد أن من أوائل الأطباء ومعلمي الطب في الدولة الإسلامية كانوا من اليونانيين وأقباط مصر من الإسكندرية، فاستعانت بهم الدولة وتعلم منهم العلماء المسلمون. هذا غير الاستفادة من تجارب الآخرين وعلمهم وترجمتها والاستعانة بها. فاستفاد عمر بن الخطاب في الأنحاء الإدارية بفكرة الدواوين التي طبقها الفرس في بلادهم من أجل تنظيم العمل. فاستفادوا من الحضارات السابقة وانفتحوا ثقافيا على العالم ولم يكونوا منغلقين وتعلموا من ثقافات الغير وأضافوا عليها.

ولم تدمر الدولة الإسلامية أي معلم من معالم أي حضارة لبلد فتحها المسلمون بل استفادوا منها وتعلموا منهم وطوروها. فبهذا وضع الفكر الإسلامي أهمية الاستفادة من خبرة وتجارب الآخرين في العلوم والبدء مما وصل إليه الآخرون دون أدنى حزازية في التعلم من الآخر بل واحترام ما وصل إليه الآخرون من العلم والفن والأدب. فالتعلم من الآخرين وتجاربهم والاستفادة مما وصلوا إليه والانفتاح الثقافي والفكري على الثقافات المختلفة مهم وضروي والأهم هو أنهم أضافوا عليها وأسسوا حضارة جديدة. فيعتبر بداية الوعي والطريق لتأسيس الحضارة العلمية والثقافية الخاصة بنا وهذه هي العولمة العلمية والثقافية ومهما بلغ العلم يوجد الأكثر منه نتعلمه ونصل إليه.

فليس عيباً النقل من الغير وما وصل إليه والتعلم منه بل يجب تطويره والإضافة عليه. فالعيب يكون بمجرد النقل دون اجتهاد ويكون مجرد استهلاك لعلوم الغير دون تطوير ومعرفة.

فالعولمة الفكرية وتبادل المنافع والتعامل مع الجميع أساس للأمة والتعامل الدولي دون النظر لدين أو جنس.

-       فقال الله تعالى: -

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ)

والدفع هنا للخلاف في الرأي ثم النقاش والتعاون والعمل مع الجميع في كل نواحي الحياة والتعلم والتبادل والانفتاح الثقافي على الجميع من أجل الاستزادة والاستفادة من العلوم وما وصل إليه الغير من تطور وتقدم لكي نعمل على تطويره وبناء الحضارة.

 

-أنواع العلوم: -

قسمت العلوم إلى فرضين هما: -

1- فرض عين: -

وهو علم الدين الواجب تعلمه لكل مسلم ومسلمة على قدرته وحاجته له ليتفقه في أمور دينه ولا يكون عرضة للتلاعب من أحد من تجار الدين حتى لا يكون تابع لأحد ويكون قادر على التفكير والفهم واستفتاء قلبه في كل الأمور بعد التدبر والقراءة.

2- فرض كفاية: -

وهي العلوم الدنيوية التي واجب على الإنسان الاهتمام بإحداها وتعلمها من أجل التقدم وبناء الحضارة، فتكفيه الحياة ومطالبها وتساعده على بناء الحضارة. وقسمت إلى قسمين: -

أ‌-     علوم نافعة: -

وهي كل علم يفيد ويزيد البشرية والإنسانية والحضارة، ويساعدها على الارتقاء والتقدم وتنفع الإنسان والبشرية كافة، وتتناقل منها الحضارات من أجل التطوير والاستفادة العامة منها كالعلوم الطبية والتعليمية والتكنولوجية الهامة لبناء الحضارات وتقدم الدول والأمم.

ب- علوم تستخدم في الضرر: -

-قال الله تعالى: -

(يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(قل أعوذ بالله من علم لا ينفع).

(ما كثيره ضار فقليله حرام).

هي العلوم التي تستخدم للضرر ويدل على أن كل ما يضر الإنسان والحياة لابد أن نبتعد عنه لرحمانيته كالخمور ومكسبات الطعم واللون والرائحة التي تضر الإنسان وتصنيع الأدوات الجنسية والمواد المثيرة للغرائز فلابد للدولة من تقنين هذه الصناعات وعدم الإتجار بها.

فالعلوم الضارة هي التي تضر الإنسان والبيئة والحياة ومنعها الفكر الإسلامي بحكم أن ضررها أكثر من نفعها كعلوم التجسس والمراقبة على عورات الناس والدمار الشامل والقنابل التي تؤدي إلى التدمير.

وقد تستخدم بعض العلوم النافعة في الإضرار بالإنسان وتتحول لعلوم ضارة كالطاقة النووية فرغم كل فائدتها إلا أنه من الممكن أن تصنع منها القنابل وتضر البشرية وتهلكها فتكون علوم ضارة ما لم تستخدم في السلم والمنفعة. ولا يقوم أحد بفعل هذا واستخدام العلم للإضرار بالناس إلا من تسول له نفسه الفسق وواجب محاسبتهم. فيجب عدم تحويل العلوم من النفع إلى الضرر واستخدامها لفائدة المجتمع ونفع البشرية والإنسانية وفي أوجه الخير وبناء الحضارة وليس تدميرها.

ونجد أن العلوم الدينية مربوطة برابط وثيق بالعلوم الدنيوية فإن الله حث الإنسان أن ينظر في الأرض والجبال والسماء ويتفكر فيها كما ذكرنا وكلها من العلوم الدنيوية بل وبالعلم الدنيوي نذهب به لإثبات صحة الدين في مواضع كثيرة.

وذهب الإمام أبو حامد الغزالي إلى أن كل علم به نفع للدين والدنيا والإنسان والحياة واجب معرفته ودراسته لأنه أصبح فرض كفاية كعلوم الهندسة والنانو والتكنولوجيا والتسليح وغيرها من أنواع الصناعات المدنية الحديثة.

فيجب معرفة كل العلوم طالما بها نفع في الدين والدنيا من أجل أن يستفيد منها الإنسان والبشرية لبناء الدولة والحضارة ونفع الإنسانية والبشرية جمعاء.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 148 (أهمية العلم)

 


-أهمية العلم وأنه فريضة على الناس والدعوة للعلم: -

-قال الله تعالى: -

(... أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)

(... أَفَلَا تَعْقِلُونَ)

(...يَا أُولِي الْأَلْبَابِ...)

(...وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

(...وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)

(...فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

(...قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)

(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ...)

(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)

(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

(قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ)

(أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (8وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10))

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ)

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20))

(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)

(فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ)

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ﴿82 النساء﴾

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ﴿24 محمد﴾

(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)) (يوسف)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(قيل للنبي: أي الأعمال أفضل؟ فقال: العلم بالله عز وجل. فقيل: الأعمال نريد؟ فقال: العلم بالله. فقيل له: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم. فقال: إن قليل العمل ينفع مع العلم، وأن كثير العمل لا ينفع مع الجهل).

(من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع).

(من طلب العلم كان كفارة لما مضى).

(طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

(ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين الرجل له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها ويؤدبها فيحسن أدبها ثم يعتقها فيتزوجها فله أجران).

(من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

(فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم).

(أعطوا أعينكم حظها من العبادة. قالوا يا رسول الله: وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه).

(من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

(من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة).

(أُثني على رجل عند رسول الله بخير، فقال: كيف عقله؟ قالوا: إن من فضله، إن من أدبه. فقال: كيف عقله؟ قالوا: يا رسول الله نثني عليه العبادة، وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟ فقال رسول الله: إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم).

(قال لأبي الدرداء، يا عومير ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً. قلت: بأبي أنت وأمي ومن لي بالعقل؟ قال: اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلاً ثم تنقل بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً وتزدد من ربك قرباً وبه عزاً).

(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كل خير...).

وقالت السيدة عائشة: -

(نِعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).

وقال عقبة بن عامر: -

(تعلموا العلم قبل الظانين-أي الذين يتكلمون بالظن-).

ومن الأقوال والحكم: -

(تفكر ساعة خير من عبادة سنة).

(مداد العلماء أحب إلى الله من دماء الشهداء).

(إن أردت أن تأمن مكر قوماً فتعلم لغتهم).

(اطلبوا العلم ولو في الصين).

(من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم).

(لا عبادة كالتفكير).

 دعا الفكر الإسلامي للفهم والتفكير وإعمال العقل في أمور الحياة والقراءة والتعلم وهذا المقصود بالذكر. فالذكر هو كل علم يفيد الإنسانية سواء ديني أو دنيوي فأول ما نزل من القرآن هو (اقرأ) لأهمية العلم وتكريمه من قبل الله عز وجل وليس فقط لحث الفرد على تحصيل العلم وإنما أيضاً للتأكيد على دور الدولة في دعم العلم والثقافة.

وكلمة اقرأ جاءت بمعنى أشمل وأكبر فمع دعوتها للقراءة جاءت لأهمية وقوة الكلمة والمعلومة التي يتغير بها الفرد والمجتمع والدول والعالم أجمع، وتصل به إلى الوعي والفهم والعلم والاستقراء وأهميتهم، وهو الذي يؤرق الفاسد والظالم ومن يريد تجهيل الناس ليتحكم بهم فيحارب العلم دائما.

والبعد الآخر لها بجانب القراءة والمعرفة والتعلم هو توصيل المعلومة والمعرفة ونقل الأفكار وبناء الحضارات وتبادلها بعد القراءة والوعي. والكلمة هي بداية كل دعوة فكرية ودينية وأخلاقية ومفتاح كل تحرك. فيبدأ بالوعي من القراءة والتعلم ثم الكلمة ثم النشر لها وللفكرة بين الناس ثم التحرك عليها على أرض الواقع وكيفية تنفيذها والنجاح فيها والاستفادة من العلوم ومن تجارب الآخرين لكي نسعى إلى النجاح وتحقيق العلم والمعرفة ليستفيد منها الجميع في الدولة من أجل التقدم وبناء الحضارة.

فقال الله تعالى: -

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24))

ليؤكد على أهمية الكلمة التي قد تساعد الناس وتعلمهم الحق والعدل والفضيلة، وعكسها الذي قد يؤدي إلى المفاسد في المجتمع. لذا يجب الاهتمام بالعلم والتعليم والقراءة والكتابة ونشر العلم بين الناس وأهميتها لتنمية الثقافة بالفهم والوعي الذي يحتاجه الفرد والمجتمع والدولة لبناء الحضارة.

وقرن الله في الآيات والنبي بالأحاديث التفكر والنظر إلى الدنيا والخلق والمعرفة والعلم مع العبادة للتأكيد على أهميتها في الحياة، وأن العبادة وحدها لا تسير الحياة الدنيا، فيجب العمل والعلم معاً لبناء الحياة والتقدم للاستفادة العامة للدولة والشعب والأفراد.

ودعا الله للنظر إلى الكون والتفكير فيه ودراسته ومعرفة ماهيته، ودراسة تاريخ الأمم السابقة لنستفيد من أخطاء من كانوا قبلنا في الدنيا والتعلم والاستفادة من ثقافا العالم المختلفة والانفتاح عليها. ودعوة السؤال عن العلم –الذكر- المقصد بها النظر في التاريخ وبقصص الأولين ممن أرسلوا للناس للتعلم من قصصهم وفهم العبرة منهم، وهذا تأكيداً على أن دراسة التاريخ مهمة لفهم الواقع والاستطاعة أن نتفادى أخطاء السابقين بسيرنا للمستقبل. فقراءة التاريخ تكون من أجل العظة والعبرة والفهم وليس للسرد فقط وإنما للتعلم والاستفادة من التجارب المختلفة وما حدث فيها من نجاحات واخفاقات نتعلم منها ونتفادى الوقوع في هذه الأخطاء والبداية مما انتهى إليه الآخرون.

-فقال الله تعالى: -

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) (سورة يوسف)

ولابد من تعلم كل أنواع العلوم النافعة للإنسانية فنجد قراءة الطريق واتجاه القبلة هو دعوة لتعلم الفلك والجغرافيا وغيرها من العلوم الدنيوية والدينية.

-وقول الله تعالى: -

(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ...)

المعنى هنا ل(ثقفتموهم) أي علمتموهم وفهمتموهم ووعيتم عن العدو قدراته العسكرية والاقتصادية، ويصل بنا العلم لإيصال قدرتنا بأن نكون أقوى من العدو اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً ودراسة فنون الحرب والقتال وآلات الحرب وتحديثها ولابد من فهم لغات العدو لفهم فكره وثقافته بالحكمة التي تقول: -

(من تعلم لغة قوم أمن مكرهم).

فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم اللغة السريانية، وقال له أن يتعلم كلمات من كتاب اليهود وقال له النبي: إني والله ما آمن يهود على كتاب. قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته، وقال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى اليهود كتبت إليهم، وغذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم.

وهذا تأكيداً لأهمية اللغات والعلم والدراسة في كل نواحي الحياة سواء في السلم أو الحرب للتمكن من التفوق العلمي والاقتصادي والذي يدعم بدوره التفوق العسكري.

وأكد الفكر الإسلامي على استمرارية تحصيل العلم وطلبه وعدم الوقوف عند حد معين من العلم لأن ليس له حدود ودائماً يوجد الأعلم الذي نتعلم منه، وتدليلاً على أن العلم لا نهاية له وأهمية السعي لتحصيل العلم وأهمية تعليم النساء وطلبه وربطها بالحالة الروحية لدفع الإنسان للتفكير فهي كالعبادة.

والتأكيد على أهمية الاستفادة والتعلم من الآخرين دون النظر لدين أو جنس أو لون أو سن فاستمع الرسول لرأي سلمان الفارسي في غزوة الخندق وأخذ في تنفيذه لصواب رأيه دون النظر إلى أنه غير عربي أو لسنه.

والفكر الإسلامي يدعو للحوار وحرية الرأي والتعبير والتفكير والشك للوصول لليقين والحقيقة وإعمال العقل وليس السمع والطاعة العمياء فكل هذا هو أساس البناء القويم للإنسان المفكر والدولة.

-       فقال الله تعالى: -

(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)) (يوسف)

-وقول النبي صلى الله عليه وسلم: -

(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كل خير...).

لدعم القوة في الإنسان، حيث أن القوة الفكرية كالقوة البدنية مهمة وتفيد الفرد والمجتمع والدولة. لذا يكون خير عند الله أن يكون الفرد يمتلك قوة سواء عقلية أو بدنية تقدم الخير وتساعد المجتمع والناس والدولة وتفييدها في التقدم الحضاري.

كل هذا حث للسعي لطلب العلم لكل فرد في الأمة وخاصهً النساء الموكل لهم تربية الأطفال، فيجب أن تكون على قدر جيد من التعليم. فدون العلم لن تستطيع الزوجة تربية الأطفال وحثهم بدورهم على الاطلاع والقراءة وطلب العلم وفهم ما يدرسونه بالمدارس ويساعدها على فهم الأطفال ومعرفة مكنون موهبتهم ومساعدتهم على إخراجها وتنميتها فيكون الطفل عامل فعال في المجتمع ومنتج وليس كسولاً. فضلاً عن حسن التربية مع التعليم يساعد على إخراج جيل جديد للدولة يتمتع بالأخلاق الفاضلة والدين مع العلم والثقافة.

فالرجل والمرأة هما عنصرا الأمة ولابد أن يشتركا فيها من أجل بنائها وتقدمها. إذن لابد أن تتعلم مثلها مثل الرجل وتحصل على العلم والثقافة لتساعده على بناء الدولة. وتعليم المرأة هو حماية لها من غدر الزمان إن فقدت من يعيلها فيكون لديها علمها وثقافتها التي تساعدها على العمل ومواجهة مصاعب الحياة وإيجاد مصدر جيد للرزق وإن كان لها إرث فيساعدها علمها على إدارة أموالها بدل من أن توكل أحد ليقوم عنها في إدارة إرثها فيسرقها بسبب جهلها وعدم معرفتها. هذا غير أنها تكون عندها القدرة العلمية لمساعدة الزوج في الازدياد الثقافي والعلمي والإبداع ومشاركته حياته العلمية والثقافية والأدبية كالزوجة الفلاحة التي تساعد زوجها بالزراعة لعلمها بفنون الزراعة فتكون مشاركة في الدولة بفكرها وعملها.

فكان رسول الله يدفع بزوجته حفصة لتتعلم الخط وتزيين الكتابة عند الشفاء العدوية (سيدة تعلم الخط). وكان لا يمنع النساء من حضور تعاليمه ودروسه في المسجد حتى أن من شدة التزاحم كان يخصص لهم باب لدخول مسجده بالمدينة يسمى بباب النساء إلى الآن. ولم يمنع سؤالهم في كل الأمور الدينية والدنيوية ولا يمنع المرأة حياءها من تحصيل العلم. فلا حياء في العلم ولكن الحياء في كيفية طلب العلم فلم ينكر النبي المرأة التي سألت عن الاغتسال إذا نزل ماؤها وكيفيته، ولكن السؤال ليس أمام الناس من أجل الحفاظ على الحياء وللمعرفة وتحصيل العلم، فلا حياء في العلم الديني والدنيوي. وكان يوجد بعض السيدات التي تساعد في التمريض بل وتحارب أيضاً دليل على تعلمهم فن الطب وفن الحرب والقتال وهذا تأكيداً على ضرورة تعليم النساء كل أنواع العلوم.

وضرورة تحصيل العلم من أي أحد دون النظر لجنس أو دين حتى النساء فكان الرسول يقول: -

(خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء يقصد عائشة)

فرغم وجود العديد من الصحابة إلا أنه كان يدعو إلى تحصيل العلم من عائشة لعلمها الزائد.

فدعا النبي الصحابة لتعلم الطب من طبيب نصراني وكذا استعان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان بأطباء نصرانيين وتعلم منهم الناس لقدرتهم وقتها عن المسلمين في هذا العلم هذا غير ترجمة الكتب اليونانية. فإن وجدنا من نتعلم منه فيجب التماس العلم منه طالما أن الفائدة تعود على المجتمع والأمة دون النظر لدين أو جنس. لنبدأ مما انتهى إليه الآخرون ثم نضيف عليه ونطوره لبناء الحضارة.

ونجد موقف النبي بعد أن أسر من قريش أشخاص في غزوة بدر طلب منهم أن من يستطيع القراءة والكتابة يفدي نفسه من الأسر مقابل تعليم 10 أفراد من المسلمين. دعماً لهم ليكون لديهم القدرة على التعلم ومتابعة العلوم الأخرى وتأكيداً على دور الدولة في استخدام كل السبل لنشر العلم للأمة.

فدعوة الفكر الإسلامي للتعلم والازدياد العلمي للتأكيد على العلم والتفقه فيه من أجل الوصول إلى أعلى مراحل الوعي وهي الإدراك (فليس كل من يقرأ يعي) حتى يكون لكل فرد رأي خاص به ناتج عن قراءاته ومنها يستطيع أن يتفاعل في المجتمع والدولة فيؤدي إلى ازدياد التطور والعمل وبناء الحضارة.

وتأكيداً على أهمية العلم للعمل فهو يطوره ويقويه وأن دون العلم مهما كان العمل سيكون بنتيجة عكسية وضعيف لأنه غير مدعوم بقوة العلم وأن الدراسة والعلم أهم من الجهاد العسكري لأن دون العلم سيكون العمل العسكري ضعيف.

وأكد الفكر الإسلامي على أن تحصيل العلم مهم كالعبادة ومكمل لها كما رأينا في الآيات والأحاديث وأنه أساس العمل وبناء الحضارة ونجاة الناس في الحياة.

فقال الدكتور مصطفي محمود: -

(إذا نزل البحر متعلم كافر وجاهل مؤمن نجا من له علم بالسباحة وليس بالإيمان وحده ينجو الغارق).

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 147 (الباب الرابع، الحياة الثقافية والعلمية والتربوية)



 الباب الرابع

الحياة الثقافية والعلمية والتربية

تربية، علم، ثقافة

تمهيد

ظل العالم منذ نهاية الدولة اليونانية بعيداً عن التقدم العلمي والحضاري قروناً طويلة حتى أتت الدولة الإسلامية بفكرتها الثقافية ودعوتها للعلم والتعلم وإثراء الحياة الثقافية في جميع المجالات وبدأوا مما انتهى إليه الآخرين ووضعوا أسس التبادل الثقافي والمعرفي بين الحضارات الأخرى كالصين ووضعوا عالم اليوم على طريق التقدم بالأسس التي وضعها العلماء المسلمون في العلوم.

وحاجة الناس إلى العلم من أهم ما يحتاجه الإنسان في حياته فدون العلم والبحث والابتكار كان سيظل الإنسان يعيش في الكهوف إلى الآن.

والعلم الذي يدعو له الفكر الإسلامي ليس العلم الديني فقط، وإنما كل نواحي العلوم يجب دراستها والتفكر بها لأنها كلها تفيد الإنسان في الحياة سواء علوم دينية أو دنيوية بمختلف تخصصاتها والاستفادة من أوجه الخير فيها وتجنب آفاتها وضررها على المجتمع. لأن العلم هو أساس التقدم والبناء الحضاري.

فيقول الإمام أحمد بن حنبل: -

(الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه).

ويقول ابن القيم: -

(نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب فيتلمح البصير في ذلك عواقب الأمور).

والعلم لا يتطور إلا بالعمل والكد. فالانتقال من الرعي إلى الزراعة ثم الصناعة إلى عصور الذرة وصولاً إلى عصر النانو لم يتحقق إلا بالعلم والعمل فالاثنان متلازمان ويحققان الوصول للحضارة ودون واحدة منهم تتوقف عجلة التحضر والتقدم فحث الفكر الإسلامي إلى العلم والعمل الملازم له.

ولأن الثقافة خامة تبادلية لم يقف منهج الفكر الإسلامي في وجه التعلم من الآخرين بل لابد أن نبدأ مما انتهى إليه الآخرين ولكي نبدأ مما انتهوا إليه لابد من تعلمه منهم دون أي حساسية وهذا ما شجع عليه الفكر الإسلامي من أجل التقدم والعلم فسمح بتبادل الثقافات والتعلم من أي شخص يملك بعض من العلم دون حرج في سبيل بناء الحضارة طالما أن هذا العلم لا يتنافى مع تعاليم الفكر الإسلامي.

فدعا الفكر الإسلامي إلى العلم والتعلم فأول ما نزل من الله على رسوله الكريم هو كلمة (اقرأ) دعوة منه للتعلم فالقراءة بداية طريق العلم والتعلم ثم الاجتهاد الفكري في الدين وكل علوم الحياة والاقتباس من الآخرين والتعلم من كل ذي علم دون النظر لديانته من أجل التعلم والتفكير وبناء حضارة علمية لنا وبنا وبعلمنا واجتهادنا.

فحث النبي على تعلم اللغات والطب وقام الخلفاء من بعده والولاة بدعم نقل علوم اليونان وما وصلوا وانتهوا إليه في الطب والفلسفة وغيرهم من الحضارات وغيرها من العلوم من أجل بناء الحضارة الإسلامية والبداية مما انتهى إليه الآخرون.

وأكد الفكر الإسلامي على ضرورة التعليم للرجل والمرأة التي تربي الأطفال وأن العلم ليس حكراً على أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

ولم يجعل الفكر الإسلامي بين العبد وربه وسيط، بل جعل من حق كل فرد التفقه والتفكر في الدين وإبداء رأيه في الدين والعلم بعد فهمه ودراسته ولم يجعل العلم حجراً على أحد وإنما دعا له المرأة مع دعوته للرجل حتى أن الرسول قال: -

(خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء) قاصداً السيدة عائشة لعلمها الغزير في الدين.

وسنتحدث عن العلم والدعوة للتعلم والحياة الثقافية وسنتحدث قبلها عن نقاط هامة كأسس للتعليم والبناء الحضاري إذا تمسكنا بها وابتعدنا عن عكسها أصبح لنا فكرنا وحضارتنا الخاصة والقدرة على التقدم الحضاري.


كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 146 (الرسائل الاجتماعية)




الرسائل الاجتماعية والخلاصة

-قال الله تعالى: -ِ

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3))

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)

فالغامز هو المغتاب واللامز هو من يعيب ويطعن في الناس.

فالآية الأولى لحماية أموال الناس، والثانية لحماية أعراض الناس. فلا يقترب منهم لحفظ الأخلاق بين الناس في التجارة والأعراض ويسلم الجميع ويعم السلام والمحبة.

(الدين المعاملة)

هو تأكيد على أن أهم ما يميز الفكر الإسلامي الاجتماعي هو التعامل بين الناس سواء كعلاقة الحاكم بالمحكوم أو أفراد المجتمع أو دول بعضهم ببعض. فتحكمها الأسس والأخلاق التي يدعو لها الفكر الإسلامي في مختلف أنحاء الحياة فاتخذ الفكر الإسلامي المنهج الإصلاحي للفرد والمجتمع عل السواء بالربط بينهم بحسن المعاملة والدعوة لحسن الأخلاق والتسامح.

ويقول أبو ذر الغفاري: -

سألت رسول الله: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله. قلت: يا نبي الله: مع الإيمان عمل؟ قال: أن تعطي مما رزقك الله. قلت: يا نبي الله فإن كان فقيراً لا يجد ما يعطي؟ قال: يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا يستطيع أن ينهي عن المنكر؟ قال: فليعمل أخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فليعن مظلوماً. قلت: فإن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوماً؟ قال: ما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس. قلت: يا رسول الله أو إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ما من عبد مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى أدخله الجنة.

فعلى الفرد مساعدة غيره كي يترابط المجتمع ويتوحد بأي طريقة يستطيع أن يفعلها. وعلى كل فرد التغيير من نفسه للأفضل ومنها المجتمع فلن يحدث تغيير للشعب وتقدم للدول إلا بعد أن يحاول كل شخص أن يغير نفسه للأفضل ويتقي الله في عمله وينفذه على أكمل وجه ودعوة تغيير النفس للأفضل لصلاح الفرد فيصلح المجتمع.

فتتحدد الوظيفة الاجتماعية للفرد بمحاولة التغيير للأفضل للنفس والمجتمع فيتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنفع الناس أنفعهم للناس)، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحسنى ونقل العلم وتبادل الود والخير والتراحم بين الناس. والتأكيد على أخلاقيات المجتمع لأنه يساهم في تربية الطفل وأن يكون قدوة له مع الأهل والأسرة في التربية.

- فوجدت بهذا أهمية الترابط بين الفرد والمجتمع وأهميتهما لبعضهما وغلبة المصلحة العامة على الخاصة لأن: -

1- أهمية الترابط الأسري.

2- الترابط العائلي.

3- الترابط الاقتصادي المتبادل مع المجتمع.

4- الترابط والتعاون السياسي لمصلحة الدولة.

5- الترابط الإنساني والإخوة الإنسانية.

والعملية الاجتماعية التي يحدثها الفكر الإسلامي بين الناس بالمجتمع تؤدي إلى وجود تفاعل بينهم على كل الأصعدة سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالعلاقة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مرتبطان بعلاقة طردية فكلما ازداد أحدهم ازداد الآخر ونما وازداد الترابط الاجتماعي والعلاقات المتبادلة، ويكون كل فعل من كل فرد بالمجتمع مهم فلا يقلل أحد من نفسه وفعله البسيط في التفاعل الاجتماعي فكل فعل صغير يؤدي بتراكم التفاعل الاجتماعي من الآخرين إلى تفاعل وتغيير أكبر يؤدي إلى حراك وتفاعل اجتماعي فعال.

ويجعل من الفرد يعمل الفرد على مبدأ المصلحة العامة وليست الفردية فيسعى للإصلاح الاجتماعي، وتكون المسئولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع في توجيه الفرد وإرشاده وبناء مجتمع أفضل.

ويكون دور الدولة والمجتمع متوازيان فبتشجيع الدولة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيام المجتمع بهذا الدور بالحسنى وتغيير المنكر بكل الطرق ويكون التغيير باليد للدولة بتطبيق القانون فيكون المجتمع رقيب على نفسه والدولة مساعدة له والاثنان موجهان للفرد للطريق الصواب. فحث الفكر الإسلامي على التفاعل بكل أشكاله بين الأفراد وبعضها وبين الأسر وبين الجيران وبين المجتمعات وبين الدول وإحداث تفاعل على الأصعدة المختلفة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية).

وهذا هو معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).

-والهدف من هذا هو: -

1- تحقيق الانتماء والترابط للأسرة ثم المجتمع ثم الدولة.

2- الاندماج الاجتماعي الشامل بين فئات المجتمع ككل.

3- الترابط بين الدول المختلفة بالود والسلام.

4- تحقيق تبادل ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الدول.

5-نشر القيم الأخلاقية الكريمة التي يحث عليها الفكر الإسلامي.

6- مساعدة الغير وتقديم يد العون بتغيير المنكر باليد.

7- تحقيق الإخوة الإنسانية.

ومن الأخلاقيات الإنسانية والاجتماعية ألا تكون الغاية تبرر للإنسان الوسيلة مهما كان نبل الغاية فلا تتم الغاية النبيلة إلا بنبل الوسيلة فإن فسدت الوسيلة فسدت الغاية ومن ثم فسدت الأخلاق.

فتؤكد فلسفة الفكر الإسلامي على البعد عن الشهوات المدمرة للإنسان (المال، الجنس، الأكل، السلطة والنفوذ) بتحكمها فيه ولابد من تهذيب النفس والغرائز والتحكم بالشهوات حتى لا يجعل تحكمها بالفرد أن يضر نفسه والمجتمع.

وفلسفة الفكر الاجتماعي الإسلامي في الترابط الروحي والمادي بين العمل على ترك الملذات والشهوات ألا تتحكم بالفرد بل ويتمتع بزينة الدنيا وملذاتها كما حللها الله في الفكر الإسلامي دون إسراف ودون إتلاف للفرد، ويعلي الحالة الروحية على المادية، والنتيجة أن الفائدة تكون هنا ليست على الفرد فقط الذي يتعامل بخلق حسن وإنما للآخر والمجتمع والدولة أيضاً.

فينم بالفرد اتقان لغة الابتسام مع الآخر لكسر الجليد بينهم، والتسامح مع الآخرين والتعايش المشترك، وينمي الأدب ومكارم الأخلاق، وينمي المعاملة الحسنة، والتعاون مع الآخرين لخلق مجتمع متعايش في حب وسلام.

التأكيد على إعلاء قيمة المرأة وأهميتها في المجتمع وحصولها على كامل حقوقها وحريتها والتصرف فيها كما تريد لتكون مفيدة للأسرة والمجتمع والدولة.

-وقول الله تعالى: -

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ).

هو من أجل تداول المال وصرف الدولة على الفقراء والمساكين ولعدم تكوَن مجموعة لا تشعر بالمواطن الفقير ولا تساعده وليس لمنع الغنى فلكل فرد حق امتلاك المال وتنميته ولكن لكل فرد الحق بالمساعدة فلا يشعر الفرد الفقير أنه منبوذ لا يجد من يقف بجانبه بمحنته وينتشله منها فتتولد الضغائن والطبقية ولكن بالحث على التكافل المادي والمعنوي يمنع هذا الشعور ويولد الألفة والمحبة والتقارب بين الطبقات وإلغائها.

وأهم ما نجده في الفكر الإسلامي الاجتماعي أنه مع كل هذه الوصايا لنشر المحبة والأخوة الإنسانية أنها ليست للمسلم فقط وإنما لكل الناس ولا يكون السلام بين المسلمين فقط وإنما بين المسلم وغيره من الناس دون النظر لدينه كما في التوصية على الجار والعامل ونبذ العنف ونشر السلام والمحبة والإخوة الإنسانية بكلمة (أخيك) المكررة بكل الأحاديث، فتتم بهذه الأخلاقيات رفع المستوى الخلقي والروحي والاجتماعي لدى الناس.

وتظهر فلسفة الاجتماع في الفكر الإسلامي أن يظهر الفرد بمظهر متحضر وآدمي ولا يكون بربرياً ويشمئز منه الناس فتكون هيئته وتصرفاته وحياته مدعاة للجمال والتحضر ورغبة في التقرب منه ومجالسته والتعلم منه. فيخلق فرد سوي أخلاقياً واجتماعياً محافظاً على هيئته ونظافته وأسرته ومجتمعه ودولته، فالقيم الأخلاقية تصنع الإنسانية بالفرد، ومستوى ثقافة وتحضر المجتمع تظهر في نظافته الشخصية وفي الأماكن العامة بالدولة، وهذا بتعليمه الآداب الاجتماعية في التعامل مع الآخرين.

وتعمل المبادئ الاجتماعية للفكر الإسلامي على نشر الفضيلة والأخلاق بالمجتمع وأسس التكافل الاجتماعي بين الناس والذي لا يعمل على التعاون المادي فقط بل أن كل المعاملات الإنسانية التي وصى عليها الفكر الإسلامي هي من أشكال التكافل الاجتماعي المعنوي لنشر المحبة والألفة بين الناس.

وتعمل فلسفة الفكر الإسلامي بالمجتمع على الاعتناء بتربية الأب والأم والأسرة والمجتمع أخلاقياً وثقافياً، خاصة الأم التي هي أساس التربية في البيت لذا يسعى لتعليمها وتربيتها وغرس القيم الاجتماعية بها وبالأسرة والمجتمع. لأنهم أساس الأمة والدولة الصالحة والمتحضرة

ويجعل الفكر الإسلامي من الفرد ذو ضمير حي يقظ يحب السلام والموجة والأخوة والتواصل مع الآخرين ويسعى لها، ويجعل كل هذا ينبع من ذاته وضميره الداخلي. رابطاً هذا بالحالة الروحية ليعلي الحق والعدل والأخوة والمساواة، ويعلي الحالة الروحية على الحالة المادية التي تجعل من الفرد أنانياً ويؤذي غيره إن تحكمت به شهواته.

فالدين والفكر الإسلامي وفلسفته تحفز الأخلاق الإنسانية، والاجتماعية، والبشرية ليتكاملوا سوياً ولا يتقاطعوا. فلذا يحث عليها بالترابط الروحي والمادي وإعلاء القيمة الروحية على المادية ليكون مكمل للأخلاق والإنسانية وتنعم البشرية في سلام ومحبة.

فأساس الفلسفة الاجتماعية الإسلامية هي الدعوة للأخلاق الحميدة ونشرها بين الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق).

إن القيم الإنسانية في الفكر الإسلامي تدعو إلى الفضائل والأخلاق وإغاثة المحتاج والتعاون وحب الخير وترابط الأفراد في المجتمع والحفاظ على كرامة الإنسان وحقوق الحيوان ونشر الأمانة والصبر وما غير ذلك من مكارم الأخلاق فيكون مجتمع فاضل متفاعل فيما بينه لنشر الأخلاق الكريمة والحث على البعد عن المساوئ.

 

أحمد عادل داوود