كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 146 (الرسائل الاجتماعية)




الرسائل الاجتماعية والخلاصة

-قال الله تعالى: -ِ

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3))

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)

فالغامز هو المغتاب واللامز هو من يعيب ويطعن في الناس.

فالآية الأولى لحماية أموال الناس، والثانية لحماية أعراض الناس. فلا يقترب منهم لحفظ الأخلاق بين الناس في التجارة والأعراض ويسلم الجميع ويعم السلام والمحبة.

(الدين المعاملة)

هو تأكيد على أن أهم ما يميز الفكر الإسلامي الاجتماعي هو التعامل بين الناس سواء كعلاقة الحاكم بالمحكوم أو أفراد المجتمع أو دول بعضهم ببعض. فتحكمها الأسس والأخلاق التي يدعو لها الفكر الإسلامي في مختلف أنحاء الحياة فاتخذ الفكر الإسلامي المنهج الإصلاحي للفرد والمجتمع عل السواء بالربط بينهم بحسن المعاملة والدعوة لحسن الأخلاق والتسامح.

ويقول أبو ذر الغفاري: -

سألت رسول الله: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله. قلت: يا نبي الله: مع الإيمان عمل؟ قال: أن تعطي مما رزقك الله. قلت: يا نبي الله فإن كان فقيراً لا يجد ما يعطي؟ قال: يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا يستطيع أن ينهي عن المنكر؟ قال: فليعمل أخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فليعن مظلوماً. قلت: فإن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوماً؟ قال: ما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس. قلت: يا رسول الله أو إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ما من عبد مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى أدخله الجنة.

فعلى الفرد مساعدة غيره كي يترابط المجتمع ويتوحد بأي طريقة يستطيع أن يفعلها. وعلى كل فرد التغيير من نفسه للأفضل ومنها المجتمع فلن يحدث تغيير للشعب وتقدم للدول إلا بعد أن يحاول كل شخص أن يغير نفسه للأفضل ويتقي الله في عمله وينفذه على أكمل وجه ودعوة تغيير النفس للأفضل لصلاح الفرد فيصلح المجتمع.

فتتحدد الوظيفة الاجتماعية للفرد بمحاولة التغيير للأفضل للنفس والمجتمع فيتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنفع الناس أنفعهم للناس)، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحسنى ونقل العلم وتبادل الود والخير والتراحم بين الناس. والتأكيد على أخلاقيات المجتمع لأنه يساهم في تربية الطفل وأن يكون قدوة له مع الأهل والأسرة في التربية.

- فوجدت بهذا أهمية الترابط بين الفرد والمجتمع وأهميتهما لبعضهما وغلبة المصلحة العامة على الخاصة لأن: -

1- أهمية الترابط الأسري.

2- الترابط العائلي.

3- الترابط الاقتصادي المتبادل مع المجتمع.

4- الترابط والتعاون السياسي لمصلحة الدولة.

5- الترابط الإنساني والإخوة الإنسانية.

والعملية الاجتماعية التي يحدثها الفكر الإسلامي بين الناس بالمجتمع تؤدي إلى وجود تفاعل بينهم على كل الأصعدة سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالعلاقة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مرتبطان بعلاقة طردية فكلما ازداد أحدهم ازداد الآخر ونما وازداد الترابط الاجتماعي والعلاقات المتبادلة، ويكون كل فعل من كل فرد بالمجتمع مهم فلا يقلل أحد من نفسه وفعله البسيط في التفاعل الاجتماعي فكل فعل صغير يؤدي بتراكم التفاعل الاجتماعي من الآخرين إلى تفاعل وتغيير أكبر يؤدي إلى حراك وتفاعل اجتماعي فعال.

ويجعل من الفرد يعمل الفرد على مبدأ المصلحة العامة وليست الفردية فيسعى للإصلاح الاجتماعي، وتكون المسئولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع في توجيه الفرد وإرشاده وبناء مجتمع أفضل.

ويكون دور الدولة والمجتمع متوازيان فبتشجيع الدولة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيام المجتمع بهذا الدور بالحسنى وتغيير المنكر بكل الطرق ويكون التغيير باليد للدولة بتطبيق القانون فيكون المجتمع رقيب على نفسه والدولة مساعدة له والاثنان موجهان للفرد للطريق الصواب. فحث الفكر الإسلامي على التفاعل بكل أشكاله بين الأفراد وبعضها وبين الأسر وبين الجيران وبين المجتمعات وبين الدول وإحداث تفاعل على الأصعدة المختلفة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية).

وهذا هو معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).

-والهدف من هذا هو: -

1- تحقيق الانتماء والترابط للأسرة ثم المجتمع ثم الدولة.

2- الاندماج الاجتماعي الشامل بين فئات المجتمع ككل.

3- الترابط بين الدول المختلفة بالود والسلام.

4- تحقيق تبادل ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الدول.

5-نشر القيم الأخلاقية الكريمة التي يحث عليها الفكر الإسلامي.

6- مساعدة الغير وتقديم يد العون بتغيير المنكر باليد.

7- تحقيق الإخوة الإنسانية.

ومن الأخلاقيات الإنسانية والاجتماعية ألا تكون الغاية تبرر للإنسان الوسيلة مهما كان نبل الغاية فلا تتم الغاية النبيلة إلا بنبل الوسيلة فإن فسدت الوسيلة فسدت الغاية ومن ثم فسدت الأخلاق.

فتؤكد فلسفة الفكر الإسلامي على البعد عن الشهوات المدمرة للإنسان (المال، الجنس، الأكل، السلطة والنفوذ) بتحكمها فيه ولابد من تهذيب النفس والغرائز والتحكم بالشهوات حتى لا يجعل تحكمها بالفرد أن يضر نفسه والمجتمع.

وفلسفة الفكر الاجتماعي الإسلامي في الترابط الروحي والمادي بين العمل على ترك الملذات والشهوات ألا تتحكم بالفرد بل ويتمتع بزينة الدنيا وملذاتها كما حللها الله في الفكر الإسلامي دون إسراف ودون إتلاف للفرد، ويعلي الحالة الروحية على المادية، والنتيجة أن الفائدة تكون هنا ليست على الفرد فقط الذي يتعامل بخلق حسن وإنما للآخر والمجتمع والدولة أيضاً.

فينم بالفرد اتقان لغة الابتسام مع الآخر لكسر الجليد بينهم، والتسامح مع الآخرين والتعايش المشترك، وينمي الأدب ومكارم الأخلاق، وينمي المعاملة الحسنة، والتعاون مع الآخرين لخلق مجتمع متعايش في حب وسلام.

التأكيد على إعلاء قيمة المرأة وأهميتها في المجتمع وحصولها على كامل حقوقها وحريتها والتصرف فيها كما تريد لتكون مفيدة للأسرة والمجتمع والدولة.

-وقول الله تعالى: -

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ).

هو من أجل تداول المال وصرف الدولة على الفقراء والمساكين ولعدم تكوَن مجموعة لا تشعر بالمواطن الفقير ولا تساعده وليس لمنع الغنى فلكل فرد حق امتلاك المال وتنميته ولكن لكل فرد الحق بالمساعدة فلا يشعر الفرد الفقير أنه منبوذ لا يجد من يقف بجانبه بمحنته وينتشله منها فتتولد الضغائن والطبقية ولكن بالحث على التكافل المادي والمعنوي يمنع هذا الشعور ويولد الألفة والمحبة والتقارب بين الطبقات وإلغائها.

وأهم ما نجده في الفكر الإسلامي الاجتماعي أنه مع كل هذه الوصايا لنشر المحبة والأخوة الإنسانية أنها ليست للمسلم فقط وإنما لكل الناس ولا يكون السلام بين المسلمين فقط وإنما بين المسلم وغيره من الناس دون النظر لدينه كما في التوصية على الجار والعامل ونبذ العنف ونشر السلام والمحبة والإخوة الإنسانية بكلمة (أخيك) المكررة بكل الأحاديث، فتتم بهذه الأخلاقيات رفع المستوى الخلقي والروحي والاجتماعي لدى الناس.

وتظهر فلسفة الاجتماع في الفكر الإسلامي أن يظهر الفرد بمظهر متحضر وآدمي ولا يكون بربرياً ويشمئز منه الناس فتكون هيئته وتصرفاته وحياته مدعاة للجمال والتحضر ورغبة في التقرب منه ومجالسته والتعلم منه. فيخلق فرد سوي أخلاقياً واجتماعياً محافظاً على هيئته ونظافته وأسرته ومجتمعه ودولته، فالقيم الأخلاقية تصنع الإنسانية بالفرد، ومستوى ثقافة وتحضر المجتمع تظهر في نظافته الشخصية وفي الأماكن العامة بالدولة، وهذا بتعليمه الآداب الاجتماعية في التعامل مع الآخرين.

وتعمل المبادئ الاجتماعية للفكر الإسلامي على نشر الفضيلة والأخلاق بالمجتمع وأسس التكافل الاجتماعي بين الناس والذي لا يعمل على التعاون المادي فقط بل أن كل المعاملات الإنسانية التي وصى عليها الفكر الإسلامي هي من أشكال التكافل الاجتماعي المعنوي لنشر المحبة والألفة بين الناس.

وتعمل فلسفة الفكر الإسلامي بالمجتمع على الاعتناء بتربية الأب والأم والأسرة والمجتمع أخلاقياً وثقافياً، خاصة الأم التي هي أساس التربية في البيت لذا يسعى لتعليمها وتربيتها وغرس القيم الاجتماعية بها وبالأسرة والمجتمع. لأنهم أساس الأمة والدولة الصالحة والمتحضرة

ويجعل الفكر الإسلامي من الفرد ذو ضمير حي يقظ يحب السلام والموجة والأخوة والتواصل مع الآخرين ويسعى لها، ويجعل كل هذا ينبع من ذاته وضميره الداخلي. رابطاً هذا بالحالة الروحية ليعلي الحق والعدل والأخوة والمساواة، ويعلي الحالة الروحية على الحالة المادية التي تجعل من الفرد أنانياً ويؤذي غيره إن تحكمت به شهواته.

فالدين والفكر الإسلامي وفلسفته تحفز الأخلاق الإنسانية، والاجتماعية، والبشرية ليتكاملوا سوياً ولا يتقاطعوا. فلذا يحث عليها بالترابط الروحي والمادي وإعلاء القيمة الروحية على المادية ليكون مكمل للأخلاق والإنسانية وتنعم البشرية في سلام ومحبة.

فأساس الفلسفة الاجتماعية الإسلامية هي الدعوة للأخلاق الحميدة ونشرها بين الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق).

إن القيم الإنسانية في الفكر الإسلامي تدعو إلى الفضائل والأخلاق وإغاثة المحتاج والتعاون وحب الخير وترابط الأفراد في المجتمع والحفاظ على كرامة الإنسان وحقوق الحيوان ونشر الأمانة والصبر وما غير ذلك من مكارم الأخلاق فيكون مجتمع فاضل متفاعل فيما بينه لنشر الأخلاق الكريمة والحث على البعد عن المساوئ.

 

أحمد عادل داوود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم