كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 149 (تبادل الثقافات والحضارات، أنواع العلوم)



- تبادل الثقافات والحضارات والمشترك العام (العولمة): -

-  فقال الله تعالى: -

(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)) (يوسف)

- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها هو أحق بها).

يتضح لنا أهمية المشترك العام والانفتاح الثقافي لبناء الحضارات وهو ما فعلته الحضارة الاسلامية باشتراك كل الجنسيات والديانات في بناء حضارة الدولة. فكان عظمة المعمار المسيحي في عصر الدولة الأموية ووصول الأدب اليهودي إلى قمته في عهد الدولة العباسية وشارك عرب مسلمون (كابن كلدة) ومسلمون غير عرب (كسليمان الفارسي وابن رشد) وغير عرب غير مسلمين (كنصارى مصر وأطباء الإسكندرية) في بناء الدولة وقد ذكرنا الأمثلة عليهم في (نقطة المواطنة بباب السياسة).

فكل فرد منهم حمل معه ثقافته وحضارته السابقة التي كان يحملها ونقلها إلى الدولة الإسلامية وبدأ يساعد في بناء الحضارة الإسلامية في العلوم المختلفة (الطب والفلسفة والمنطق والكيماء والرياضيات و....) من علماء الإسكندرية والشام والعراق وغيرهم مكونين تعددية ثقافية داخل مجتمع موحد لبناء حضارة ودولة واحدة تجمعهم.

ونجد أن من أوائل الأطباء ومعلمي الطب في الدولة الإسلامية كانوا من اليونانيين وأقباط مصر من الإسكندرية، فاستعانت بهم الدولة وتعلم منهم العلماء المسلمون. هذا غير الاستفادة من تجارب الآخرين وعلمهم وترجمتها والاستعانة بها. فاستفاد عمر بن الخطاب في الأنحاء الإدارية بفكرة الدواوين التي طبقها الفرس في بلادهم من أجل تنظيم العمل. فاستفادوا من الحضارات السابقة وانفتحوا ثقافيا على العالم ولم يكونوا منغلقين وتعلموا من ثقافات الغير وأضافوا عليها.

ولم تدمر الدولة الإسلامية أي معلم من معالم أي حضارة لبلد فتحها المسلمون بل استفادوا منها وتعلموا منهم وطوروها. فبهذا وضع الفكر الإسلامي أهمية الاستفادة من خبرة وتجارب الآخرين في العلوم والبدء مما وصل إليه الآخرون دون أدنى حزازية في التعلم من الآخر بل واحترام ما وصل إليه الآخرون من العلم والفن والأدب. فالتعلم من الآخرين وتجاربهم والاستفادة مما وصلوا إليه والانفتاح الثقافي والفكري على الثقافات المختلفة مهم وضروي والأهم هو أنهم أضافوا عليها وأسسوا حضارة جديدة. فيعتبر بداية الوعي والطريق لتأسيس الحضارة العلمية والثقافية الخاصة بنا وهذه هي العولمة العلمية والثقافية ومهما بلغ العلم يوجد الأكثر منه نتعلمه ونصل إليه.

فليس عيباً النقل من الغير وما وصل إليه والتعلم منه بل يجب تطويره والإضافة عليه. فالعيب يكون بمجرد النقل دون اجتهاد ويكون مجرد استهلاك لعلوم الغير دون تطوير ومعرفة.

فالعولمة الفكرية وتبادل المنافع والتعامل مع الجميع أساس للأمة والتعامل الدولي دون النظر لدين أو جنس.

-       فقال الله تعالى: -

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ)

والدفع هنا للخلاف في الرأي ثم النقاش والتعاون والعمل مع الجميع في كل نواحي الحياة والتعلم والتبادل والانفتاح الثقافي على الجميع من أجل الاستزادة والاستفادة من العلوم وما وصل إليه الغير من تطور وتقدم لكي نعمل على تطويره وبناء الحضارة.

 

-أنواع العلوم: -

قسمت العلوم إلى فرضين هما: -

1- فرض عين: -

وهو علم الدين الواجب تعلمه لكل مسلم ومسلمة على قدرته وحاجته له ليتفقه في أمور دينه ولا يكون عرضة للتلاعب من أحد من تجار الدين حتى لا يكون تابع لأحد ويكون قادر على التفكير والفهم واستفتاء قلبه في كل الأمور بعد التدبر والقراءة.

2- فرض كفاية: -

وهي العلوم الدنيوية التي واجب على الإنسان الاهتمام بإحداها وتعلمها من أجل التقدم وبناء الحضارة، فتكفيه الحياة ومطالبها وتساعده على بناء الحضارة. وقسمت إلى قسمين: -

أ‌-     علوم نافعة: -

وهي كل علم يفيد ويزيد البشرية والإنسانية والحضارة، ويساعدها على الارتقاء والتقدم وتنفع الإنسان والبشرية كافة، وتتناقل منها الحضارات من أجل التطوير والاستفادة العامة منها كالعلوم الطبية والتعليمية والتكنولوجية الهامة لبناء الحضارات وتقدم الدول والأمم.

ب- علوم تستخدم في الضرر: -

-قال الله تعالى: -

(يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(قل أعوذ بالله من علم لا ينفع).

(ما كثيره ضار فقليله حرام).

هي العلوم التي تستخدم للضرر ويدل على أن كل ما يضر الإنسان والحياة لابد أن نبتعد عنه لرحمانيته كالخمور ومكسبات الطعم واللون والرائحة التي تضر الإنسان وتصنيع الأدوات الجنسية والمواد المثيرة للغرائز فلابد للدولة من تقنين هذه الصناعات وعدم الإتجار بها.

فالعلوم الضارة هي التي تضر الإنسان والبيئة والحياة ومنعها الفكر الإسلامي بحكم أن ضررها أكثر من نفعها كعلوم التجسس والمراقبة على عورات الناس والدمار الشامل والقنابل التي تؤدي إلى التدمير.

وقد تستخدم بعض العلوم النافعة في الإضرار بالإنسان وتتحول لعلوم ضارة كالطاقة النووية فرغم كل فائدتها إلا أنه من الممكن أن تصنع منها القنابل وتضر البشرية وتهلكها فتكون علوم ضارة ما لم تستخدم في السلم والمنفعة. ولا يقوم أحد بفعل هذا واستخدام العلم للإضرار بالناس إلا من تسول له نفسه الفسق وواجب محاسبتهم. فيجب عدم تحويل العلوم من النفع إلى الضرر واستخدامها لفائدة المجتمع ونفع البشرية والإنسانية وفي أوجه الخير وبناء الحضارة وليس تدميرها.

ونجد أن العلوم الدينية مربوطة برابط وثيق بالعلوم الدنيوية فإن الله حث الإنسان أن ينظر في الأرض والجبال والسماء ويتفكر فيها كما ذكرنا وكلها من العلوم الدنيوية بل وبالعلم الدنيوي نذهب به لإثبات صحة الدين في مواضع كثيرة.

وذهب الإمام أبو حامد الغزالي إلى أن كل علم به نفع للدين والدنيا والإنسان والحياة واجب معرفته ودراسته لأنه أصبح فرض كفاية كعلوم الهندسة والنانو والتكنولوجيا والتسليح وغيرها من أنواع الصناعات المدنية الحديثة.

فيجب معرفة كل العلوم طالما بها نفع في الدين والدنيا من أجل أن يستفيد منها الإنسان والبشرية لبناء الدولة والحضارة ونفع الإنسانية والبشرية جمعاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم