كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 147 (الباب الرابع، الحياة الثقافية والعلمية والتربوية)



 الباب الرابع

الحياة الثقافية والعلمية والتربية

تربية، علم، ثقافة

تمهيد

ظل العالم منذ نهاية الدولة اليونانية بعيداً عن التقدم العلمي والحضاري قروناً طويلة حتى أتت الدولة الإسلامية بفكرتها الثقافية ودعوتها للعلم والتعلم وإثراء الحياة الثقافية في جميع المجالات وبدأوا مما انتهى إليه الآخرين ووضعوا أسس التبادل الثقافي والمعرفي بين الحضارات الأخرى كالصين ووضعوا عالم اليوم على طريق التقدم بالأسس التي وضعها العلماء المسلمون في العلوم.

وحاجة الناس إلى العلم من أهم ما يحتاجه الإنسان في حياته فدون العلم والبحث والابتكار كان سيظل الإنسان يعيش في الكهوف إلى الآن.

والعلم الذي يدعو له الفكر الإسلامي ليس العلم الديني فقط، وإنما كل نواحي العلوم يجب دراستها والتفكر بها لأنها كلها تفيد الإنسان في الحياة سواء علوم دينية أو دنيوية بمختلف تخصصاتها والاستفادة من أوجه الخير فيها وتجنب آفاتها وضررها على المجتمع. لأن العلم هو أساس التقدم والبناء الحضاري.

فيقول الإمام أحمد بن حنبل: -

(الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه).

ويقول ابن القيم: -

(نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب فيتلمح البصير في ذلك عواقب الأمور).

والعلم لا يتطور إلا بالعمل والكد. فالانتقال من الرعي إلى الزراعة ثم الصناعة إلى عصور الذرة وصولاً إلى عصر النانو لم يتحقق إلا بالعلم والعمل فالاثنان متلازمان ويحققان الوصول للحضارة ودون واحدة منهم تتوقف عجلة التحضر والتقدم فحث الفكر الإسلامي إلى العلم والعمل الملازم له.

ولأن الثقافة خامة تبادلية لم يقف منهج الفكر الإسلامي في وجه التعلم من الآخرين بل لابد أن نبدأ مما انتهى إليه الآخرين ولكي نبدأ مما انتهوا إليه لابد من تعلمه منهم دون أي حساسية وهذا ما شجع عليه الفكر الإسلامي من أجل التقدم والعلم فسمح بتبادل الثقافات والتعلم من أي شخص يملك بعض من العلم دون حرج في سبيل بناء الحضارة طالما أن هذا العلم لا يتنافى مع تعاليم الفكر الإسلامي.

فدعا الفكر الإسلامي إلى العلم والتعلم فأول ما نزل من الله على رسوله الكريم هو كلمة (اقرأ) دعوة منه للتعلم فالقراءة بداية طريق العلم والتعلم ثم الاجتهاد الفكري في الدين وكل علوم الحياة والاقتباس من الآخرين والتعلم من كل ذي علم دون النظر لديانته من أجل التعلم والتفكير وبناء حضارة علمية لنا وبنا وبعلمنا واجتهادنا.

فحث النبي على تعلم اللغات والطب وقام الخلفاء من بعده والولاة بدعم نقل علوم اليونان وما وصلوا وانتهوا إليه في الطب والفلسفة وغيرهم من الحضارات وغيرها من العلوم من أجل بناء الحضارة الإسلامية والبداية مما انتهى إليه الآخرون.

وأكد الفكر الإسلامي على ضرورة التعليم للرجل والمرأة التي تربي الأطفال وأن العلم ليس حكراً على أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

ولم يجعل الفكر الإسلامي بين العبد وربه وسيط، بل جعل من حق كل فرد التفقه والتفكر في الدين وإبداء رأيه في الدين والعلم بعد فهمه ودراسته ولم يجعل العلم حجراً على أحد وإنما دعا له المرأة مع دعوته للرجل حتى أن الرسول قال: -

(خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء) قاصداً السيدة عائشة لعلمها الغزير في الدين.

وسنتحدث عن العلم والدعوة للتعلم والحياة الثقافية وسنتحدث قبلها عن نقاط هامة كأسس للتعليم والبناء الحضاري إذا تمسكنا بها وابتعدنا عن عكسها أصبح لنا فكرنا وحضارتنا الخاصة والقدرة على التقدم الحضاري.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم