كتاب فلسفة الفكر الإسلامي ٦

 


3-رد أهل الشورى ملزم للحاكم ونزوله لرأي الأغلبية:-

 

أكد الفكر الإسلامي على ضرورة استجابة الحاكم لأهل الشورى ورأيهم ليس استشارياً ولكن إلزامياً وهذا هو دور المجالس التشريعية الآن.

وهذا لأن دور أهل الشورى دور رقابي وتشريعي واستشاري ملزم للحاكم وهذا ما سنأتي له بالتفصيل في النقطة القادمة ولكن الآن ندلل على أن المنهج الإسلامي أول من أجبر الحاكم على تنفيذ أراء هذه المجالس.

-الأدلة:-

قول النبي لأبو بكر وعمر بن الخطاب:-

(لو اجتمعتن في مشورة ما خالفتكما).

قاصداً رأي أهل الشورى ملزماً نفسه برأي الأغلبية منهم للتأكيد على إلزام الحاكم برأي الأغلبية من اهل الشورى.

وموقف النبي قبل غزوة أحد حيث شاور الرسول أصحابه في الخروج للقاء جيش قريش أم التحصن بالمدينة وكان رأيه عليه السلام التحصن بالمدينة وانتظارهم وقال:-

(إنا في جنة حصينة فإن رأيتم أن تقيموا وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها).

ولكن كان رأي البعض (أن أخرج بنا إلى أعدائنا يا رسول الله) فلم يزل يشاور حتى غلبه رأي الناس بالخروج فقام إلى بيته فلبس لأمته -بدلة الحرب- وكان لكل رأي جماعة فغلبت جماعة الخروج للحرب فنزل الرسول الى رأي أكثر الناس من أهل الشورى وهو الحاكم والنبي الذي لا ينطق عن الهوى ولكن ليؤكد على ضرورة نزول الحاكم لرأي الأغلبية من نواب الشعب والمستشارين الذين اختاروهم له مساعدين في الحكم بعدما دخل المدينة وبدأ في تأسيس الدولة (كما شرحنا بنقطة الشورى) حتى لو كان مخالفاً لرأيه كما حدث بالنقاش في هذه الغزوة ولكن المهم هو الشورى وسماع المعارضين والمخالفين في الرأي وتنفيذ رأي الأغلبية.

وفي غزوة الأحزاب بعد أن حاصرت قريش المدينة كان لرسول الله رأي بأن يتفاوض مع قريش وقبيلة غطفان بأن يرجعوا عن غزو المدينة في مقابل أن يكون لهم ثلث خراجها ولكنه بعد مشاورة الصحابة كان رأيهم الثبات والقتال والدفاع عن المدينة وألا يفعلوا ما رأى رسول الله فوافق على رأي الأغلبية من أهل الشورى من الصحابة.

فالنبي ألزم نفسه برأي الشورى بصفته حاكم للدولة في الدنيا وليس كرسول من عند الله فهو في هذه الحالة مأمور ومبلغ عن الله.

وقول عمر بن عبد العزيز لأهل الشورى مخاطباً إياهم:-

(أني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون علية وتكونون فيه أعواناً على الحق ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم).

وهذا ليلزم نفسه برأيهم ومشورتهم وأن لهم أغلبية الأمر وحق الرأي تأكيداً على أهمية الشورى.

فالشورى ملزمة لأنها تجعل من مجالس التشريع رقيبة ومحاسبة للحاكم مع وجود بها أهل الخبرة والكفاءة فيكون الرأي لهم لأن الحاكم لن يكون عالم بكل شيء وأيضاً تمنعه من الانفراد بالحكم.

 

-حق الأغلبية والديمقراطية:-

كما رأينا من عدة أوجه أن الديمقراطية بمختلف أوجهها أصل من أصول المنهج الإسلامي باختلاف التسميات وإنما موجودة بالأفعال كالشورى وإلزامية رأي الشورى على الحاكم وسلطة الشعب والآن نتحدث عن حق الأغلبية الذي هو أيضاً من النهج الإسلامي فقال الرسول الكريم:-

(لا تجتمع أمتي على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم).

يقول علي بن أبي طالب سألت يوماً النبي لو وقع لنا بعدك -ويعنى بذلك بعد وفاة النبي- ما لم نجد له حكماً في القرآن أو نسمع منك فيه شيئاً فماذا نفعل؟ قال النبي: اجمعوا العابدين من أمتي وجعلوه بينكم شورى ولا تقضوا برأي واحد.

ورأينا الرسول ينزل لرأي الأغلبية في غزوة أحد وينزل أيضاً لرأيهم في غزوة الأحزاب.

قال عمر بن الخطاب عندما جعل الخلافة شورى بين ستة لاختيار واحداً منهم ليخلفه:-

(إن انقسموا اثنين وأربعة فكونوا مع الأربعة).

وهذا تأكيد على الوقوف مع رأي الاغلبية.

فكان التأكيد على جمع أراء الشعب بما يسمى بالمفهوم الحديث (انتخاب أو استفتاء) على رأي إن لم يكن عليه إجماع أو خلاف أو على مالا يوجد فيه مرجع والعمل بما يتفق عليه الأغلبية من الشعب وليس برأي فرد واحد مهما كانت مكانته.

فرغم مكانة النبي إلا أن الصحابة خالفوه في أمور الحكم ونزل وهو النبي والحاكم إلى رأي الأغلبية منهم وهي من أسس الديمقراطية.


كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 5

 

 


2- الشورى:-

 

الشورى هي أساس الحكم في الفكر الإسلامي فقد أكد الله عليها وحث رسوله الكريم على العمل بها في كل أمور الدنيا ومنها الحكم وقد عمل الرسول على توطيد أركان الشورى مع الصحابة ليؤكد على أنها أساس الإدارة والحكم.

والشورى أساس التحاور والنقاش العقلي والاستماع للآراء المختلفة بحرية من أجل وضع الحلول وأصوب الآراء حيز التنفيذ بالتحاور والعمل الجماعي وتعاصف العقول.

ومن هنا نجد أنها أساس الديمقراطية الحديثة وحكم الكل للكل والابتعاد عن حكم الفرد للكل ولها فوائد عديدة منها:-

1-   الإقدام على العمل بدعم شعبي.

2-   الحصول على أكبر نسبة صحة في الأفكار وتنفيذها بسبب الشورى والعمل الجماعي.

3-   إظهار العقول النابغة وإعطاء كل ذي خبرة في مجال على إظهار قدراته.

4-   التعاون بين الأحزاب السياسية والفئات المختلفة.

5-   توجيه الحاكم للطريق الصحيح وتقويمه عند الخطأ.

6-   الابتعاد عن الأهواء الذاتية.

7-   منع الاستبداد والطغيان.

8-   تعلم التواضع والاستماع للآخرين.

9-   التخلص من فكرة الحاكم الملهم والعالم بكل شيء والوصول الى الحكم المؤسسي والمستشارين والخبراء.

10- تواجد أحزاب ومعارضة ومؤسسات مجتمع مدني.

11- الاستماع إلى الآراء المخالفة والمعارضة وحرية الرأي والتعبير.

-دلائل الشورى:-

-قال الله تعالى:-

(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)

(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)

-قال صلى الله عليه وسلم:-

(إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).

فالتولية هنا بالتوافق بين الثلاثة والمشاورة بينهم فأسس لمبدأ الشورى وهو أساس الديمقراطية الحديثة.

(أجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد).

(استعينوا على أموركم بالمشاورة).

(وما أستغنى مستند برأيه وما هلك أحد من مشورة).

(ما تشاور قوم قط فيما بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم).

(ما ندم من استشار وما خاب من استخار).

(ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم).

(من أراد أمراً فشاور فيه وقضى هدى لأرشد الأمور).

(قال النبي لأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب: لو اجتمعتما على أمر ما وسعني محالفتكما).

إن الشورى موجبة في المنهج الإسلامي للحاكم وكل من أأتمر على أحد من الناس والشعب وأكد الفكر الإسلامي على هذا في سورة الشورى فقال الله تعالى:-

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).

فالتشاور والنقاش بين الأفكار المختلفة وتعاصف العقول والأفكار والعمل الجماعي يؤدي للوصول إلى أصح الأفكار والنتائج ودعم الحق والصواب من أجل المصلحة العامة وتأكيداً لمبدأ الشورى ولا حكم بدونه حتى من الرسول صاحب الوحي الذي لا ينطق عن الهوى.

ونرى سيدنا موسى يناجي الله ويطلب منه بقول الله تعالى:-

(وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(32)).

من أجل المشاورة بأموره.

وكان الرسول هو أول من أنشأ مجلس استشاري مساعد له في الحكم ويشور عليه في أمور الدولة فقبل دخوله المدينة وقيامه بتأسيس الدولة كان أول طلب له من أهل يثرب (المدينة المنورة) في البيعة الثانية أن يقوموا باختيار منهم نواب عنهم فقال:-

(أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم).

فيكونون نواب عن باقي الأمة باختيار الشعب لهم فقاموا باختيار تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فقال لهم النبي:-

(أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء...) أي نواب لهم.

فكانوا بمثابة حكومة لإدارة الدولة وعند دخوله المدينة حدد الاختصاصات الوزارية بأن يكون من له السقاية ومن له الأذان ومن له الزكاة ومصارفها ومن له القضاء ومن ينوبه عند خروجه من المدينة. ليؤسس لأركان الدولة ومؤسساتها ومشورتها الديمقراطية.

 ومن المواقف التي تؤكد على الشورى أنه عليه السلام شاور أصحابه في نقض الكعبة وبنائها من جديد أم يصلح ما وهن منها فقط وكان الرأي الذي سار هو رأي الصحابة وأهل الشورى.

واستشار زوجته أم سلمة في أمر المسلمين بعد صلح الحديبة عندما رآهم غير قابلين للصلح وظهرت عليهم علامات الضيق بل وعمل بمشورتها بأن يحلق رأسه ففعلها وفعلها من بعده الصحابة والمسلمين.

وأخذ الرسول رأي الصحابة في غزوة بدر (عام 2 هجرياً) أن يقوموا بمهاجمة العير التجارية أو النفير التي خرجت من مكة لملاقاة المسلمين فأخذ برأي الأغلبية منهم بمهاجمة العير.

وعندما عسكر بمكان في غزوة بدر وجاء له الحباب وقال له عن اختيار المكان:-

أهو أمر من عند الله أم الحرب والمكيدة فقال المصطفى (بل الحرب والمكيدة) فقال له الحباب:- فقم ننزل بماء القوم (قاصداً بئر بدر).

فنزلوا بماء بدر ليتحكموا به ويمنعوا قريش من الوصول أليه فأخذ الرسول بمشورته له ولم يرفض رأيه وأستمع لرأي من له الخبرة وصواب الرأي والمشورة.

وشاورهم أيضاً بعد غزوة بدر في أمر الأسرى وما يفعل بهم.

 وأخذ النبي بمشورة الصحابة في غزوة أحد (3 هجرياً) فقام بمشاورتهم بأن يخرج للقاء قريش أم يمكث بالمدينة وكان رأيه هو المكوث في المدينة وانتظار قريش ولكنه نزل لرأي الأغلبية بالخروج للقائهم بعد مشاورتهم.

وفي غزوة الخندق (5 هجرياً) عندما اشتد الحصار على المدينة سعى الرسول لعقد معاهدة مع غطفان بأن يتخلوا عن حلفهم مع قريش مقابل ثلث ثمار المدينة وعندما شاور أصحابه فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله أهذا أمر تحبه فنصنعه لنا أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع أو أمر تصنعه لنا. فقال الرسول: بل أمر أصنعه لكم والله ما أصنعه إلا لأنني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقالوا: يا رسول الله والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا بشراء أو قري (ضيافة) فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

ففرح الرسول وصرف قادة غطفان وقال لهم مالكم عندنا إلا السيف.

فلم يتخذ القرار وحدة وإنما شاور القادة ومن أنابهم والناس وأعلمهم أن الرأي من عنده وليس من الله لتكون الشفافية ومشاورتهم في الأمر وأخذ برأيهم ولم يتمسك برأيه.

وأيضاً شاور الصحابة في نفس الغزوة في كيفية ملاقاة قريش حتى أشار سلمان الفارسي عليه بفكرة عمل خندق حول المدينة فأخذ رأي الصحابة فوافقوا عليه لما رأوا من سداد الفكرة وبدأوا بالعمل عليها.

وقام عمر بن الخطاب بعمل أول مجمع انتخابي في التاريخ عند موته لاختيار من يخلفه ويتم البيعة له من الناس وهذا لتقرير مبدأ الشورى واختيار الحاكم.

فاختار ستة من أهل الشورى يتم اختيار منهم الخليفة هم (عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله ،سعد بن أبي وقاص) ويكون عليهم حكم يفصل لهم وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب بأن لا يكون له من الأمر شيء وحتى عندما طلب البعض تولية ابنه بعده قام بنهر من طلب توليته ليكون الأمر بالاختيار وليس بأن يخلف أحد بعينه.

وكان عمر بن الخطاب لا يتخذ قرار بأمر إلا بعد مشاورة أصحابه وأهل العلم وكان يردد لهم:-

(لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي وقولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق).

حثاً على عدم الخوف وقول الحق.

-ويقول أيضاً:-

(أني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم فأني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني ووفقني من وافقني ولست أريد أن تتبعوا هواي فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده فما أريد به إلا الحق).

دعوة وتأكيد منه على قول الحق وعدم منافقة الحاكم وحق المعارضة.

فمثلا دعاهم للاستشارة عندما كان خارجاً إلى الشام وقابله أبو عبيدة بن الجراح يخبره أن بها وباء فدعاهم أن يتشاوروا بالإقدام عليها أو الرجوع فاختلفوا حتى دعا بشيوخ الفتح وقالوا حديث النبي:-

(إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه).

فأخذ الرأي منهم بعدم الذهاب إلى الشام.

استشار أهل الشورى في تعطيل حد السرقة في عام المجاعة بسبب القحط ولم يأخذ الرأي وحده ولكن بإجماعهم عليه.

وعندما حكم عمر بن عبد العزيز المدينة المنورة طلب من أهلها أن ينتقوا له من أهل المدينة مجموعة منها تكون معاونة له في الحكم ولا يخرج عن رأيها أبداً فاختاروا له عشرة وكان من ضمنهم خاله عبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يخرج عن رأيهم طوال حكمه وهذا كان كمجلس للشعب والشورى يطبقه الفكر الإسلامي قبل أن يفكر به أحد من دعاة الديمقراطية الآن.

قال أبي هريرة:-

(ما رأيت أكثر تشاوراً من أصحاب رسول الله).

قال ميمون بن مهران:-

(كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله، فإن وجد ما يقضي به، قضا به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقول: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإن اجتمع رأيهم على شيء قضا به. وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو قضى فيه بقضاء؟ فإذا كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضا به).

دليلاً على أهمية الشورى وأنهم ساروا علي نهج الرسول وما علمهم إياهم.

فتؤسس الشورى لحكم وتصرف الكل فالكل أو تصرف الكل في الواحد وليس تصرف الواحد في الكل فهذا ممنوع شرعاً وإن الولاة يجب عليهم استشارة ذوي الرأي في مصالح البلاد ومنافع البلاد وتجعل الشعب ومواطنيه مشاركين للحاكم في الحكم السليم السوي بانتخاب نوابهم ومن يراقبون الحاكم.

فالشورى أصل من أصول السياسية الإسلامية ومن الأمور الشرعية الواجبة وهي ملزمة للحاكم وواجبة عليه وليست مجرد نصائح وهذا ما سنراه في رأي الأغلبية وأن رأي الشورى ملزم للحاكم في النقاط التالية ووجودها يمنع استبداد الحاكم بالدولة ويقف حائلاً ضد قيام الدولة الديكتاتورية وعدم احتكار التشريع وتفصيل القوانين والحفاظ على التعددية الفكرية وكرامة المواطن وعدم اتخاذ رأي منفرداً أبداً لما برأي الجماعة والمشورة من صواب.

فتؤسس لحرية الرأي والتعددية الفكرية والعمل الجماعي وإثراء الحياة بأفكار مختلفة مثمرة تعمل في النهاية لمصلحة الأمة وتكون نسبة أخطاء الحكام قليلة وبسيطة. وأيضاً تمنع الشورى محاولات نفاق الحاكم أو تأليهه مع منعها للفردية في الحكم والاستبداد به.

ويكون أهل الشورى مختارون من الشعب ولا يعينوا كما فعل النبي بطلب من أهل المدينة اختيار اثنا عشر نقيباً. عنهم فلا يعينوا حتى لا يحدث استبداد أو تلاعب بالسلطة ويكون ولائهم لأصحاب السلطة وهم الشعب وليس للحاكم الذي يعينهم.


كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 4

 


القسم الأول

المنهج الإسلامي في السلم


1- الشعب هو مصدر السلطة والشرعية فالشرع والتشريع من عند الله والشرعية للشعب:-


-قال الله تعالى:-

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)

الإنسان أستخلف من الله في الأرض ليطبق ما أنزله الله من أسس فلسفة الفكر الإسلامي كالعدل والمساواة وغيرها. فأصبح الإنسان هو مصدر السلطة على الأرض، وصاحب الشرعية التي استمدها من الله الذي أنابه في الأرض لتطبيق المبادئ الإنسانية باستخدام هذه السلطة بأمر الله، ولكن لا يكون بالإتجار باسم الله واعتبار أن هذا الإنسان مكان الله على الأرض، وإنما هو خليفة الله يطبق أوامره بضوابط محددة وهي عدم الإخلال بما أمر به الله وعدم الطاعة العمياء وعدم تطبيق ما نهى عنه الله لمجرد أن ولي الأمر قد أمر بتطبيق أحد الأمور المحرمة.

وللتأكيد أيضاً على أن الشعب هو مصدر السلطة وصاحب الحق في اختيار من يعطيها له كانت بيعتي العقبة الأولى والثانية للنبي قبل الهجرة. فقام الرسول قبل دخوله إلى المدينة يطلب من الأنصار أن يبايعوه وكأنه مرشح يعرض برنامجه عليهم بأن يوافقوه على أسس التعاون معه ورد العدوان عن المدينة وبأن يكون له البيعة كحاكم ونصرته وعلى السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يقولوا في الله ولا يخافون لومة لائم -المعارضة- وأن لا يزنون ولا يسرقون ولا يشركون بالله.

أي التخلي عن كل ما كانوا يفعلونه من فواحش قبل الإسلام وقبل الدولة لوضع أسس لقيام دولة حق عادلة مختلفة عن ذي قبل ليعطوه الشرعية التي يملكها الشعب ليحكم بها.

-قال الله تعالى:-

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 

وفي البيعة الثانية بويع النبي من المسلمين (على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم ولكم الجنة).

وهذه هي مقومات الدولة الذي يطلبها الحاكم من المحكومين ليستمد شرعيته الانتخابية بالمعنى الحديث من الشعب صاحب السلطة والشرعية. فتضمنت البيعة على أسس إقامة الدولة ووحدتها ومدنيتها ومبايعة الرسول ليكون حاكماً للدولة والطاعة والحماية المشتركة وإدارة شئون الدولة والأمة وفق القانون والشرع.

فبهذا رشح نفسه للحكم وقبل الشعب ترشحه وبايعوه فيما سميت ببيعة العقبة ليحكم بشرعية اختيار الشعب له.

ونجد في الآية أن البيعة مع المرأة وليس مع الرجال فقط فيؤكد الله على أن للمرأة حق في ممارسة حقوقها السياسية وليس كما يقول أخرين بأن ليس لها هذا الحق بل وحضر في البيعة الثانية سيدتان لمبايعة النبي.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إذا خرج منكم ثلاثة ولوا عليهم واحداً).

وهو تأكيد على أن المجموعة تولي من تريده بلفظ (ولوا) الذي يُرجع إليهم الاختيار وبالتالي السلطة في تأمير أحد عليهم تكون لهم فقط كمثال للشعب والأمة.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(أيما رجل أم قوماً وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه).

(لعن الله رجلاً أم قوماً وهم له كارهون).

والمقصد هنا بالإمامة ليس إمامة الصلاة فقط وإنما أيضاً بالحكم. فلابد أن لا يكون الشعب كاره ومغصوب لقبول حكم فرد عليهم، بل لابد أن يكون برضاهم تدليلاً على أنهم أصحاب السلطة في الاختيار لمن يحكمهم.

وفي بيعة العقبة الثانية قبل أن يدخل النبي إلى المدينة ويبدأ في تأسيس الدولة بوضع الدستور وتوحيد الأمة واختيار مجلس الشورى والمساعدين بالحكم، طلب من أهل المدينة أن يقوموا باختيار من نقباء الأوس والخزرج -قبائل المدينة- من يساعدوه في حكم المدينة وقال لهم:-

(أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم).

وبعد أن اختاروهم قال لهم النبي:-

(أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء...).

أي نواب لهم باختيار من الشعب نفسه.

وتأكيداً منه على أن الشعب هو مصدر السلطة وهم من لهم حق التولية والاختيار للحاكم ونواب الشورى وأن الشعب هو من يمتلك إرادته وأسس للمجلس التشريعي صاحب السلطة الشعبية ومعاونة الحاكم ومراقبته سنجد بأمثلة كيف أن رأي المجلس كان هو صاحب القوة عن صوت الحاكم في عهد النبي ومن بعده الصحابة في النقطة الخاصة بالمجالس النيابية والتشريعية.

نجد موقف الصحابة من معاهدة غطفان عندما رفضوها وهم نقباء الناس والشعب فرفضها الرسول بعد مشاورتهم لأنهم نقباء الشعب والشعب هو مصدر القوة والرفض والقبول وهذا دليل على أن الشعب هو مصدر سلطة الحاكم.

-قول أبو بكر عندما تولى الحكم:-

(أني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسات فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى أخذ الحق له. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).

وهذا اعتراف منه بأن من ولاه هو الشعب وليس لأنه الأفضل وأن الشعب هو مصدر السلطة وأكد على نظرية العقد الاجتماعي وإرادة الشعب قبل أن ينادي بها الغرب بأثني عشر قرناً وأنهم من يمتلكون سلطة تنصيبه وتوليه للحكم وتقويمه وعزله أيضاً إن أخطأ.

وجعل المنهج الإسلامي من حق الشعب والأمة أن تختار حاكمها وتحاسبه وتعزله وتطلب عزل الوزراء ومن ينوب عنهم بمجالس الحل والعقد التي هي المجلس النيابي ويطلبون عزل الولاة بقول عمر بن الخطاب للناس:-

(أنهم إن لم يجدوا فيمن ولوه عليهم الصلاح خلعوه).

وكانت بيعة علي بن أبي طالب مرفوضة في الشام وبيعة معاوية بن أبي سفيان مرفوضة في الحجاز ولم يجبر أحد أي جهة على قبول بيعته.

وكان هذا تأكيداً على حق الشعب في اختيار حاكمه بحرية وممارسة حقه في الاختيار.

وعندما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وأستشعر أنه أوصي بها على الناس خطب بالناس قائلا:-

(أني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين وأني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم).

فقال الناس قد أخترناك يا أمير المؤمنين ورضيناك فلك الأمر باليمن والبركة.

فأرجع للشعب الأمر حتي يعطيهم حقهم وسلطتهم بالاختيار طوعاً.

وكان عمر بن عبد العزيز يقول لأهل المدن:-

(أي عامل رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم).

وهذا دليل كافي على عزل الحاكم أو الوالي أو النائب الذي خرج عن حكم الله. وبالطبع يكون بطلب من الناس للخليفة أو الحاكم كما كان يفعل أهل الأمصار ويشتكون الولاة للخلفاء.

وعملاً بالقاعدة الفقهية (العقد شريعة المتعاقدين).

فإن البيعة والانتخاب عقد من الشعب للحاكم والنواب فإن أخل بأحد شروطه من حق الشعب فسخ العقد واسترداد حقة الذي أناب فيه أحدهم لأنه أستخدم النيابة عن الشعب بطريقة خطأ.

وبهذا من حق الشعب إقالة نائبة أو حاكمة إذا أخل شروط العقد الذي بينهم ويتمثل في برنامجه الانتخابي ويختار غيره ويعطيها له بألية الانتخاب التي هي عقد بين المتعاقدين بشروط يحددها ويوافق عليها الشعب وبها يوافق الشعب على إنابة أحد وانتخابه للمنصب الذي ينوب له عنهم.

 فالأساس هو شرعية الشعب والألية هي ما يتناسب مع العصر وتطوره كالصندوق والانتخاب الحر.

 فبهذا أعطى الفكر الإسلامي الرخصة للخروج على ظلم الحاكم واستبداده لاسترجاع سلطته المسلوبة وعدم السكوت على الظلم أبداً.

فإذا كان الفكر الإسلامي جعل الشعب هو الذي يختار حاكمه ويختار نوابه من أهل الشورى ويختارون بدورهم القضاة والوزراء ورؤساء الأجهزة الرقابية ومؤسسات المجتمع المدني بناءً على ترشيحات الشعب نفسه عن طريق نوابه ويختار أيضاً نظام الحكم ولأنه يملك حق الاختيار فله حق استرداد الحكم وتغيير الحاكم وتغيير نوابه في المجالس التشريعية إذا وجد بهم الخلل في الإدارة أو الفساد الذي لا يجعلهم يعملون لمصلحة الشعب فيسحب منهم الثقة التي سبق وأن أعطاها لهم بطلب للمجالس أو السلطة التي يتبعها نواب الشعب أو بالخروج عليه إن لزم الأمر.

 وحرية الشعب في تغيير حاكمه وتقويمه وتوجيه له النقد البناء وتغييره بالقوة إن لزم الأمر بثورة شعبية إذا كان هذا الحاكم لا يطبق الفكر الإسلامي الصحيح ولم يرتضي بالتغيير السلمي وتسليم السلطة.

وإذا كان المجتمع المدني هو المحرك الأساسي للمجتمع السياسي عن طريق هيئاته الرقابية ومؤسساته المدنية التي تملك الرأي والمشورة الملزمة للحاكم وهذا فضلاً عن النقاش في القوانين وطريقة تفصيلها وتطبيقها التي هي في الأساس منصوص دستورياً على أنها لا تخالف الشرع فيصبح هنا الشعب هو مصدر وأساس قوة السلطة التي يحكم بها الحاكم ومساعدوه.

فبما أن الشعب الذي يملك حق الترشيح والاعتراض والانتخاب والعزل إذا حاد الحكام عن حكم الله كما تحدثنا وإن المشرع هو الشعب على أساس شرع الله إذن فيكون الشعب هو مصدر السلطة ويستمد الحكام شرعيتهم من الشعب ويؤكد الفكر الاسلامي على هذا و على نظام الاختيار الشعبي الحر سواء بالبيعة كما كانت أو بالانتخابات الحديثة الآن.

-فقال الماوردي:-

(إن الفقهاء اتفقوا أن الولاية لا تنعقد إلا بالرضى والاختيار (انتخاب) ووظيفة أهل الحل والعقد(مجلس نواب الشعب).

فالشعب هو الذي يختار حاكمة ونوابه فتكتمل بهذا الولاية.

ويضع الشعب قوانينه ليحمي نفسه وحقوقه وهو رقيب على الحاكم فالمشرع (الشعب ونوابه)يضع القانون بناء على شرع الله. فيوضع الدستور والقانون والتشريعات التي هي عمل بشري على ضوء الشريعة والحدود ومنهج الفكر الإسلامي الإلهي والخطوط العريضة للمنهج. فيكون الشرع والسلطة من الله والتشريع من الشعب.

فالسلطة تنتقل بالنظام السياسي الدستوري والقانوني والشورى للشعب الذي يفوض بالانتخاب لها حاكم ونواب عنه يراقبون الحاكم وإن أساءوا استعمال التفويض أقالهم الشعب وأتى بغيرهم مستعملاً إرادته الشعبية العامة المكونة من تفاعل المواطنين سياسياً.

فبالبديهي يكون هو الصاحب والمصدر لسلطة الحاكم وهو المشرع لشرع الله.

 

-الشرعية الانتخابية والشرعية الثورية:-

بالانتخاب والولاء للشعب وتحقيق رغباته تتكون الشرعية الانتخابية التي يعطيها الشعب صاحب ومصدر السلطة للحاكم ونواب الشعب ويسحب ثقته منهم عندما يجدهم يحيدون عن مبادئ العقد الانتخابي بينهم.

فسقوط الشرعية الانتخابية الحاكم أو من ينوب عن الشعب برفض الشعب له تعني أنه لا يصح أن يظل بمنصبه وللشعب حق إسقاطه والخروج والثورة عليه واختيار غيره إذا جار وظلم وأستبد من منطلق قاعدة حديث النبي صلى الله عليه وسلم:-

(سيد الشهداء حمزة ورجل خرج إلى ملكٍ جائر قال له كلمة حق فقتله).

(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

(إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منه).

ومن منطلق عدم السكوت عن الظلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم:-

(الساكت عن الحق شيطان اخرس).

والحديث القدسي الذي أمر فيه الله الملائكة بدك قرية فقالوا له يا الله بها عبدك يعبدك فقال الله تعالى به فأبدأوا لأنه رأى معصيتي ولم يقشعر بدنة لها. فالساكت عن الحق والظلم هو مشترك في الجرم.

وقال عمر بن الخطاب:-

(ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا؟ فيقف رجل وهو يلوح بزراعه: إذن نقول بالسيف هذا. فيسأله عمر: إياي تعني بقولك. فيرد الرجل: نعم إياك أعني بقولي. فيفرح عمر ويقول: رحمك الله والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عوجي).

(فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذني –يعلمني- فإنما أنا رجل منكم).

فيجب أن ينتزع الشعب حقه مرة أخرى من الظالم ويعطيها لمن يشاء فتكون هنا الشرعية الثورية ولكن بدون عنف أو قوة حتى لا تضر بمصلحة البلاد. فبهذا تكون الأمم والشعوب هي مسئولة عن اختياراتها وحكومتها ولا يعفيها جهل أو عذر بل على عاتقهم الاختيار والمراقبة كما سنرى في نقطة الطاعة ومحاسبة الحاكم والحكومة.


كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 3

 


الباب الأول

النظام السياسي الإسلامي وبناء الدولة 

حرية، عدل، مساواة


تمهيد


جاء الإسلام إلى العالم بدعوة أمة تحمل الخير إليه جمعاء وجاء بدعوة في كل المجالات ولم ينحصر داخل الدين فقط وإنما كما قلنا أنه جاء في أوجه دنيوية مختلفة ومنها الجانب السياسي الذي أسس الفكر الإسلامي له بالعدل والرحمة واتقاء الله في العباد ولكن الآن يقول البعض أن الفكر الإسلامي بعيد عن السياسة بوجه عام وأبعد عن الديمقراطية والمدنية بوجه خاص.

ومن يقول أن لا وجود للدولة في المنهج الإسلامي نؤكد له أن كلامه خطأ لأن الدولة ظهرت منذ دخول الرسول إلى المدينة، وظهرت أكثر في بيعة العقبة التي نصت على (ألا نشرك بالله، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتري من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف).

وكانت البيعة الثانية (على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم ,ولكم الجنة).

فتضمنت البيعتان على أسس إقامة الدولة ووحدتها ومدنيتها ومبايعة الرسول ليكون حاكماً للدولة والطاعة والحماية المشتركة وإدارة شئون الدولة والأمة وفق القانون والشرع. فكانوا بمثابة العقد بين الناخب والحاكم وجوهره.

ولابد في البداية أن نتحدث عن الأسس السياسية للدولة المدنية والحرية السياسية للمواطن وأسس الديمقراطية ونحددها وبعد هذا نتحدث عن كل أساس وندلل عليه من المنهج الإسلامي لتأكيد مدى الرؤية للإسلام السياسي في أوقات السلم والحرب ونؤكد أن الإسلام مرن جداً ولم يأت بنظام سياسي محدد وجامد ولم يفرض على المسلمين أو غيرهم فكر معين ولم يحاول أبداً أن يسجن الناس في بوتقة مغلقة كما فعلت بعض الأنظمة الأخرى وإنما جاء بخطوط عريضة وثابتة محددة وقطعية من أجل التنفيذ وترك هذا التنفيذ لأصحابه ومن ثم المطبقين يبتكرون ويبدعون الطرق المختلفة لتنفيذه سواء بنظام خلافة أو رئاسي جمهوري أو رئاسي برلماني أو ملكي برلماني فلا يهم وإنما المهم أن يقوم النظام على هذه الأسس سواء في السلم أو الحرب والمهم أيضاً أن الحكم يكون بالعدل والمساواة والإيثار والأخلاق الكريمة التي تؤكد على أن المدنية من الفكر الإسلامي بالنقط الأساسية للسياسة الإسلامية.

ونجد السياسة في الفكر الإسلامي موجودة بمعنى واسع مفتوح فيه الاجتهاد فكما قلنا أن الفكر الإسلامي لم يأتي بنظام سياسي محدد وإنما جاء بأسس محددة له وبشرط تنفيذها وهي السياسة الشرعية التي عرفها الإمام أبو الوفاء بن عقيل البغدادي:-

(بأنها الأفعال والتدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعها رسول الله ولا نزل بها الوحي).

وانطلاقاً من هنا نرى أنه يصح للولاة والحكام أن يتخذوا التدابير اللازمة لصالح الأمة حتى لو لم يكن لها أساس صريح في القرآن والسنة طالما تستند في تشريعها على تحقيق مصلحة الأمة ورفع الحرج ودفع الضرر والحكم بالعدل وسد الذرائع والاستحسان وطالما إنها مسايرة للتطورات الاجتماعية وقادرة على الوفاء بمطالب الحياة وتحقيق الصالح للأمة وتكون وسط بين الإفراط والتفريط ولا تخالف أسس منهج الفكر الإسلامي والنص القرآني.

ونجد أن الفكر الإسلامي جاء بالتجديد السياسي المستخدم الآن ولكن بألفاظ أخرى مثل المجمع الانتخابي المكون من بضعة أشخاص يقومون باختيار المرشحين الذين يختار الناس من بينهم وهذا ما فعله عمر بن الخطاب عندما اختار أشخاص من بينهم سعد بن أبي وقاص وعبد لله بن عمر وغيرهم ليختاروا من بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الجراح من يكون خليفة يبايعه الناس.

ومجلس الشورى الذي إقامة عمر بن عبد العزيز في المدينة عندما حكمها فجعل للناس اختيار مجموعة لا يخرج عن رأيهم وفعل هذا على خطى الرسول عندما قدم المدينة كما سنذكر بالتفصيل.

-وكما قال الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج:-

(أننا لا يلزم أن نسير في وقتنا هذا في أبواب التدابير المالية العامة وطريقة إنفاقها ولا في نظام ترتيب الجيوش وطريقة حماية الثغور على ما كانت عليه الأمة الإسلامية في بدء تكوينها).

والمقصد أن النظرة للأمور العامة بالدولة سواء السياسية والاقتصادية والعسكرية لا ننظر لها كما كان الأمر في بداية تأسيس الدولة وهذا لتطور الأمة واختلاف الحياة وتدابيرها فأي طريق يستخرج به العدل والقسط فهو من صلب الدين ولأن الإصلاح السياسي يأتي بالعدل وينتج عنه تقدم وحضارة ومجتمع قوي.

فقد أكد المنهج الإسلامي على ضرورة وجود حاكم و والي لكل مكان وذلك لفض النزاعات والحكم بينهم وما غير ذلك وكلما ازدادت أعداد المجتمع كلما تعددت الاختصاصات وأصبح من حق الوالي أن يفوض من ينوب عنه في هذه الأعمال وسنؤكد على ذلك في ذكر نقاط الأسس الإسلامية للحياة السياسية الداخلية والخارجية في وقت السلم والحرب.

وتنقسم أسس السياسة في المنهج الإسلامي إلى:-

1-أسس المنهج الإسلامي تطبق بالسلم.

2-أسس المنهج الإسلامي تطبق بالحرب.

وهذه الأسس تحدد لنا شكل الدولة وإدارتها وأسس الديمقراطية والمدنية بها.