الباب الأول
النظام السياسي الإسلامي وبناء الدولة
حرية، عدل، مساواة
تمهيد
جاء الإسلام
إلى العالم بدعوة أمة تحمل الخير إليه جمعاء وجاء بدعوة في كل المجالات ولم ينحصر داخل
الدين فقط وإنما كما قلنا أنه جاء في أوجه دنيوية مختلفة ومنها الجانب السياسي الذي
أسس الفكر الإسلامي له بالعدل والرحمة واتقاء الله في العباد ولكن الآن يقول البعض
أن الفكر الإسلامي بعيد عن السياسة بوجه عام وأبعد عن الديمقراطية والمدنية بوجه
خاص.
ومن يقول أن
لا وجود للدولة في المنهج الإسلامي نؤكد له أن كلامه خطأ لأن الدولة ظهرت منذ دخول
الرسول إلى المدينة، وظهرت أكثر في بيعة العقبة التي نصت على (ألا نشرك بالله، ولا
نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتري من بين أيدينا وأرجلنا، ولا
نعصيه في معروف).
وكانت البيعة
الثانية (على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى
أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم
,ولكم الجنة).
فتضمنت
البيعتان على أسس إقامة الدولة ووحدتها ومدنيتها ومبايعة الرسول ليكون حاكماً
للدولة والطاعة والحماية المشتركة وإدارة شئون الدولة والأمة وفق القانون والشرع.
فكانوا بمثابة العقد بين الناخب والحاكم وجوهره.
ولابد في
البداية أن نتحدث عن الأسس السياسية للدولة المدنية والحرية السياسية للمواطن وأسس
الديمقراطية ونحددها وبعد هذا نتحدث عن كل أساس وندلل عليه من المنهج الإسلامي
لتأكيد مدى الرؤية للإسلام السياسي في أوقات السلم والحرب ونؤكد أن الإسلام مرن
جداً ولم يأت بنظام سياسي محدد وجامد ولم يفرض على المسلمين أو غيرهم فكر معين ولم
يحاول أبداً أن يسجن الناس في بوتقة مغلقة كما فعلت بعض الأنظمة الأخرى وإنما جاء
بخطوط عريضة وثابتة محددة وقطعية من أجل التنفيذ وترك هذا التنفيذ لأصحابه ومن ثم
المطبقين يبتكرون ويبدعون الطرق المختلفة لتنفيذه سواء بنظام خلافة أو رئاسي جمهوري
أو رئاسي برلماني أو ملكي برلماني فلا يهم وإنما المهم أن يقوم النظام على هذه الأسس
سواء في السلم أو الحرب والمهم أيضاً أن الحكم يكون بالعدل والمساواة والإيثار والأخلاق
الكريمة التي تؤكد على أن المدنية من الفكر الإسلامي بالنقط الأساسية للسياسة
الإسلامية.
ونجد
السياسة في الفكر الإسلامي موجودة بمعنى واسع مفتوح فيه الاجتهاد فكما قلنا أن الفكر
الإسلامي لم يأتي بنظام سياسي محدد وإنما جاء بأسس محددة له وبشرط تنفيذها وهي
السياسة الشرعية التي عرفها الإمام أبو الوفاء بن عقيل البغدادي:-
(بأنها الأفعال
والتدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعها
رسول الله ولا نزل بها الوحي).
وانطلاقاً
من هنا نرى أنه يصح للولاة والحكام أن يتخذوا التدابير اللازمة لصالح الأمة حتى لو
لم يكن لها أساس صريح في القرآن والسنة طالما تستند في تشريعها على تحقيق مصلحة الأمة
ورفع الحرج ودفع الضرر والحكم بالعدل وسد الذرائع والاستحسان وطالما إنها مسايرة للتطورات
الاجتماعية وقادرة على الوفاء بمطالب الحياة وتحقيق الصالح للأمة وتكون وسط بين الإفراط
والتفريط ولا تخالف أسس منهج الفكر الإسلامي والنص القرآني.
ونجد أن الفكر
الإسلامي جاء بالتجديد السياسي المستخدم الآن ولكن بألفاظ أخرى مثل المجمع الانتخابي
المكون من بضعة أشخاص يقومون باختيار المرشحين الذين يختار الناس من بينهم وهذا ما
فعله عمر بن الخطاب عندما اختار أشخاص من بينهم سعد بن أبي وقاص وعبد لله بن عمر
وغيرهم ليختاروا من بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الجراح من يكون
خليفة يبايعه الناس.
ومجلس
الشورى الذي إقامة عمر بن عبد العزيز في المدينة عندما حكمها فجعل للناس اختيار مجموعة
لا يخرج عن رأيهم وفعل هذا على خطى الرسول عندما قدم المدينة كما سنذكر بالتفصيل.
-وكما قال
الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج:-
(أننا لا
يلزم أن نسير في وقتنا هذا في أبواب التدابير المالية العامة وطريقة إنفاقها ولا في
نظام ترتيب الجيوش وطريقة حماية الثغور على ما كانت عليه الأمة الإسلامية في بدء
تكوينها).
والمقصد أن
النظرة للأمور العامة بالدولة سواء السياسية والاقتصادية والعسكرية لا ننظر لها
كما كان الأمر في بداية تأسيس الدولة وهذا لتطور الأمة واختلاف الحياة وتدابيرها
فأي طريق يستخرج به العدل والقسط فهو من صلب الدين ولأن الإصلاح السياسي يأتي
بالعدل وينتج عنه تقدم وحضارة ومجتمع قوي.
فقد أكد المنهج
الإسلامي على ضرورة وجود حاكم و والي لكل مكان وذلك لفض النزاعات والحكم بينهم وما
غير ذلك وكلما ازدادت أعداد المجتمع كلما تعددت الاختصاصات وأصبح من حق الوالي أن
يفوض من ينوب عنه في هذه الأعمال وسنؤكد على ذلك في ذكر نقاط الأسس الإسلامية
للحياة السياسية الداخلية والخارجية في وقت السلم والحرب.
وتنقسم أسس
السياسة في المنهج الإسلامي إلى:-
1-أسس
المنهج الإسلامي تطبق بالسلم.
2-أسس
المنهج الإسلامي تطبق بالحرب.
وهذه الأسس
تحدد لنا شكل الدولة وإدارتها وأسس الديمقراطية والمدنية بها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم