كتاب فلسفة الفكر الإسلامي ٦

 


3-رد أهل الشورى ملزم للحاكم ونزوله لرأي الأغلبية:-

 

أكد الفكر الإسلامي على ضرورة استجابة الحاكم لأهل الشورى ورأيهم ليس استشارياً ولكن إلزامياً وهذا هو دور المجالس التشريعية الآن.

وهذا لأن دور أهل الشورى دور رقابي وتشريعي واستشاري ملزم للحاكم وهذا ما سنأتي له بالتفصيل في النقطة القادمة ولكن الآن ندلل على أن المنهج الإسلامي أول من أجبر الحاكم على تنفيذ أراء هذه المجالس.

-الأدلة:-

قول النبي لأبو بكر وعمر بن الخطاب:-

(لو اجتمعتن في مشورة ما خالفتكما).

قاصداً رأي أهل الشورى ملزماً نفسه برأي الأغلبية منهم للتأكيد على إلزام الحاكم برأي الأغلبية من اهل الشورى.

وموقف النبي قبل غزوة أحد حيث شاور الرسول أصحابه في الخروج للقاء جيش قريش أم التحصن بالمدينة وكان رأيه عليه السلام التحصن بالمدينة وانتظارهم وقال:-

(إنا في جنة حصينة فإن رأيتم أن تقيموا وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها).

ولكن كان رأي البعض (أن أخرج بنا إلى أعدائنا يا رسول الله) فلم يزل يشاور حتى غلبه رأي الناس بالخروج فقام إلى بيته فلبس لأمته -بدلة الحرب- وكان لكل رأي جماعة فغلبت جماعة الخروج للحرب فنزل الرسول الى رأي أكثر الناس من أهل الشورى وهو الحاكم والنبي الذي لا ينطق عن الهوى ولكن ليؤكد على ضرورة نزول الحاكم لرأي الأغلبية من نواب الشعب والمستشارين الذين اختاروهم له مساعدين في الحكم بعدما دخل المدينة وبدأ في تأسيس الدولة (كما شرحنا بنقطة الشورى) حتى لو كان مخالفاً لرأيه كما حدث بالنقاش في هذه الغزوة ولكن المهم هو الشورى وسماع المعارضين والمخالفين في الرأي وتنفيذ رأي الأغلبية.

وفي غزوة الأحزاب بعد أن حاصرت قريش المدينة كان لرسول الله رأي بأن يتفاوض مع قريش وقبيلة غطفان بأن يرجعوا عن غزو المدينة في مقابل أن يكون لهم ثلث خراجها ولكنه بعد مشاورة الصحابة كان رأيهم الثبات والقتال والدفاع عن المدينة وألا يفعلوا ما رأى رسول الله فوافق على رأي الأغلبية من أهل الشورى من الصحابة.

فالنبي ألزم نفسه برأي الشورى بصفته حاكم للدولة في الدنيا وليس كرسول من عند الله فهو في هذه الحالة مأمور ومبلغ عن الله.

وقول عمر بن عبد العزيز لأهل الشورى مخاطباً إياهم:-

(أني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون علية وتكونون فيه أعواناً على الحق ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم).

وهذا ليلزم نفسه برأيهم ومشورتهم وأن لهم أغلبية الأمر وحق الرأي تأكيداً على أهمية الشورى.

فالشورى ملزمة لأنها تجعل من مجالس التشريع رقيبة ومحاسبة للحاكم مع وجود بها أهل الخبرة والكفاءة فيكون الرأي لهم لأن الحاكم لن يكون عالم بكل شيء وأيضاً تمنعه من الانفراد بالحكم.

 

-حق الأغلبية والديمقراطية:-

كما رأينا من عدة أوجه أن الديمقراطية بمختلف أوجهها أصل من أصول المنهج الإسلامي باختلاف التسميات وإنما موجودة بالأفعال كالشورى وإلزامية رأي الشورى على الحاكم وسلطة الشعب والآن نتحدث عن حق الأغلبية الذي هو أيضاً من النهج الإسلامي فقال الرسول الكريم:-

(لا تجتمع أمتي على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم).

يقول علي بن أبي طالب سألت يوماً النبي لو وقع لنا بعدك -ويعنى بذلك بعد وفاة النبي- ما لم نجد له حكماً في القرآن أو نسمع منك فيه شيئاً فماذا نفعل؟ قال النبي: اجمعوا العابدين من أمتي وجعلوه بينكم شورى ولا تقضوا برأي واحد.

ورأينا الرسول ينزل لرأي الأغلبية في غزوة أحد وينزل أيضاً لرأيهم في غزوة الأحزاب.

قال عمر بن الخطاب عندما جعل الخلافة شورى بين ستة لاختيار واحداً منهم ليخلفه:-

(إن انقسموا اثنين وأربعة فكونوا مع الأربعة).

وهذا تأكيد على الوقوف مع رأي الاغلبية.

فكان التأكيد على جمع أراء الشعب بما يسمى بالمفهوم الحديث (انتخاب أو استفتاء) على رأي إن لم يكن عليه إجماع أو خلاف أو على مالا يوجد فيه مرجع والعمل بما يتفق عليه الأغلبية من الشعب وليس برأي فرد واحد مهما كانت مكانته.

فرغم مكانة النبي إلا أن الصحابة خالفوه في أمور الحكم ونزل وهو النبي والحاكم إلى رأي الأغلبية منهم وهي من أسس الديمقراطية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم