كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 5

 

 


2- الشورى:-

 

الشورى هي أساس الحكم في الفكر الإسلامي فقد أكد الله عليها وحث رسوله الكريم على العمل بها في كل أمور الدنيا ومنها الحكم وقد عمل الرسول على توطيد أركان الشورى مع الصحابة ليؤكد على أنها أساس الإدارة والحكم.

والشورى أساس التحاور والنقاش العقلي والاستماع للآراء المختلفة بحرية من أجل وضع الحلول وأصوب الآراء حيز التنفيذ بالتحاور والعمل الجماعي وتعاصف العقول.

ومن هنا نجد أنها أساس الديمقراطية الحديثة وحكم الكل للكل والابتعاد عن حكم الفرد للكل ولها فوائد عديدة منها:-

1-   الإقدام على العمل بدعم شعبي.

2-   الحصول على أكبر نسبة صحة في الأفكار وتنفيذها بسبب الشورى والعمل الجماعي.

3-   إظهار العقول النابغة وإعطاء كل ذي خبرة في مجال على إظهار قدراته.

4-   التعاون بين الأحزاب السياسية والفئات المختلفة.

5-   توجيه الحاكم للطريق الصحيح وتقويمه عند الخطأ.

6-   الابتعاد عن الأهواء الذاتية.

7-   منع الاستبداد والطغيان.

8-   تعلم التواضع والاستماع للآخرين.

9-   التخلص من فكرة الحاكم الملهم والعالم بكل شيء والوصول الى الحكم المؤسسي والمستشارين والخبراء.

10- تواجد أحزاب ومعارضة ومؤسسات مجتمع مدني.

11- الاستماع إلى الآراء المخالفة والمعارضة وحرية الرأي والتعبير.

-دلائل الشورى:-

-قال الله تعالى:-

(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)

(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)

-قال صلى الله عليه وسلم:-

(إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).

فالتولية هنا بالتوافق بين الثلاثة والمشاورة بينهم فأسس لمبدأ الشورى وهو أساس الديمقراطية الحديثة.

(أجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد).

(استعينوا على أموركم بالمشاورة).

(وما أستغنى مستند برأيه وما هلك أحد من مشورة).

(ما تشاور قوم قط فيما بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم).

(ما ندم من استشار وما خاب من استخار).

(ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم).

(من أراد أمراً فشاور فيه وقضى هدى لأرشد الأمور).

(قال النبي لأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب: لو اجتمعتما على أمر ما وسعني محالفتكما).

إن الشورى موجبة في المنهج الإسلامي للحاكم وكل من أأتمر على أحد من الناس والشعب وأكد الفكر الإسلامي على هذا في سورة الشورى فقال الله تعالى:-

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).

فالتشاور والنقاش بين الأفكار المختلفة وتعاصف العقول والأفكار والعمل الجماعي يؤدي للوصول إلى أصح الأفكار والنتائج ودعم الحق والصواب من أجل المصلحة العامة وتأكيداً لمبدأ الشورى ولا حكم بدونه حتى من الرسول صاحب الوحي الذي لا ينطق عن الهوى.

ونرى سيدنا موسى يناجي الله ويطلب منه بقول الله تعالى:-

(وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(32)).

من أجل المشاورة بأموره.

وكان الرسول هو أول من أنشأ مجلس استشاري مساعد له في الحكم ويشور عليه في أمور الدولة فقبل دخوله المدينة وقيامه بتأسيس الدولة كان أول طلب له من أهل يثرب (المدينة المنورة) في البيعة الثانية أن يقوموا باختيار منهم نواب عنهم فقال:-

(أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم).

فيكونون نواب عن باقي الأمة باختيار الشعب لهم فقاموا باختيار تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فقال لهم النبي:-

(أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء...) أي نواب لهم.

فكانوا بمثابة حكومة لإدارة الدولة وعند دخوله المدينة حدد الاختصاصات الوزارية بأن يكون من له السقاية ومن له الأذان ومن له الزكاة ومصارفها ومن له القضاء ومن ينوبه عند خروجه من المدينة. ليؤسس لأركان الدولة ومؤسساتها ومشورتها الديمقراطية.

 ومن المواقف التي تؤكد على الشورى أنه عليه السلام شاور أصحابه في نقض الكعبة وبنائها من جديد أم يصلح ما وهن منها فقط وكان الرأي الذي سار هو رأي الصحابة وأهل الشورى.

واستشار زوجته أم سلمة في أمر المسلمين بعد صلح الحديبة عندما رآهم غير قابلين للصلح وظهرت عليهم علامات الضيق بل وعمل بمشورتها بأن يحلق رأسه ففعلها وفعلها من بعده الصحابة والمسلمين.

وأخذ الرسول رأي الصحابة في غزوة بدر (عام 2 هجرياً) أن يقوموا بمهاجمة العير التجارية أو النفير التي خرجت من مكة لملاقاة المسلمين فأخذ برأي الأغلبية منهم بمهاجمة العير.

وعندما عسكر بمكان في غزوة بدر وجاء له الحباب وقال له عن اختيار المكان:-

أهو أمر من عند الله أم الحرب والمكيدة فقال المصطفى (بل الحرب والمكيدة) فقال له الحباب:- فقم ننزل بماء القوم (قاصداً بئر بدر).

فنزلوا بماء بدر ليتحكموا به ويمنعوا قريش من الوصول أليه فأخذ الرسول بمشورته له ولم يرفض رأيه وأستمع لرأي من له الخبرة وصواب الرأي والمشورة.

وشاورهم أيضاً بعد غزوة بدر في أمر الأسرى وما يفعل بهم.

 وأخذ النبي بمشورة الصحابة في غزوة أحد (3 هجرياً) فقام بمشاورتهم بأن يخرج للقاء قريش أم يمكث بالمدينة وكان رأيه هو المكوث في المدينة وانتظار قريش ولكنه نزل لرأي الأغلبية بالخروج للقائهم بعد مشاورتهم.

وفي غزوة الخندق (5 هجرياً) عندما اشتد الحصار على المدينة سعى الرسول لعقد معاهدة مع غطفان بأن يتخلوا عن حلفهم مع قريش مقابل ثلث ثمار المدينة وعندما شاور أصحابه فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله أهذا أمر تحبه فنصنعه لنا أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع أو أمر تصنعه لنا. فقال الرسول: بل أمر أصنعه لكم والله ما أصنعه إلا لأنني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقالوا: يا رسول الله والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا بشراء أو قري (ضيافة) فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

ففرح الرسول وصرف قادة غطفان وقال لهم مالكم عندنا إلا السيف.

فلم يتخذ القرار وحدة وإنما شاور القادة ومن أنابهم والناس وأعلمهم أن الرأي من عنده وليس من الله لتكون الشفافية ومشاورتهم في الأمر وأخذ برأيهم ولم يتمسك برأيه.

وأيضاً شاور الصحابة في نفس الغزوة في كيفية ملاقاة قريش حتى أشار سلمان الفارسي عليه بفكرة عمل خندق حول المدينة فأخذ رأي الصحابة فوافقوا عليه لما رأوا من سداد الفكرة وبدأوا بالعمل عليها.

وقام عمر بن الخطاب بعمل أول مجمع انتخابي في التاريخ عند موته لاختيار من يخلفه ويتم البيعة له من الناس وهذا لتقرير مبدأ الشورى واختيار الحاكم.

فاختار ستة من أهل الشورى يتم اختيار منهم الخليفة هم (عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله ،سعد بن أبي وقاص) ويكون عليهم حكم يفصل لهم وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب بأن لا يكون له من الأمر شيء وحتى عندما طلب البعض تولية ابنه بعده قام بنهر من طلب توليته ليكون الأمر بالاختيار وليس بأن يخلف أحد بعينه.

وكان عمر بن الخطاب لا يتخذ قرار بأمر إلا بعد مشاورة أصحابه وأهل العلم وكان يردد لهم:-

(لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي وقولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق).

حثاً على عدم الخوف وقول الحق.

-ويقول أيضاً:-

(أني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم فأني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني ووفقني من وافقني ولست أريد أن تتبعوا هواي فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده فما أريد به إلا الحق).

دعوة وتأكيد منه على قول الحق وعدم منافقة الحاكم وحق المعارضة.

فمثلا دعاهم للاستشارة عندما كان خارجاً إلى الشام وقابله أبو عبيدة بن الجراح يخبره أن بها وباء فدعاهم أن يتشاوروا بالإقدام عليها أو الرجوع فاختلفوا حتى دعا بشيوخ الفتح وقالوا حديث النبي:-

(إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه).

فأخذ الرأي منهم بعدم الذهاب إلى الشام.

استشار أهل الشورى في تعطيل حد السرقة في عام المجاعة بسبب القحط ولم يأخذ الرأي وحده ولكن بإجماعهم عليه.

وعندما حكم عمر بن عبد العزيز المدينة المنورة طلب من أهلها أن ينتقوا له من أهل المدينة مجموعة منها تكون معاونة له في الحكم ولا يخرج عن رأيها أبداً فاختاروا له عشرة وكان من ضمنهم خاله عبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يخرج عن رأيهم طوال حكمه وهذا كان كمجلس للشعب والشورى يطبقه الفكر الإسلامي قبل أن يفكر به أحد من دعاة الديمقراطية الآن.

قال أبي هريرة:-

(ما رأيت أكثر تشاوراً من أصحاب رسول الله).

قال ميمون بن مهران:-

(كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله، فإن وجد ما يقضي به، قضا به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقول: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإن اجتمع رأيهم على شيء قضا به. وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو قضى فيه بقضاء؟ فإذا كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضا به).

دليلاً على أهمية الشورى وأنهم ساروا علي نهج الرسول وما علمهم إياهم.

فتؤسس الشورى لحكم وتصرف الكل فالكل أو تصرف الكل في الواحد وليس تصرف الواحد في الكل فهذا ممنوع شرعاً وإن الولاة يجب عليهم استشارة ذوي الرأي في مصالح البلاد ومنافع البلاد وتجعل الشعب ومواطنيه مشاركين للحاكم في الحكم السليم السوي بانتخاب نوابهم ومن يراقبون الحاكم.

فالشورى أصل من أصول السياسية الإسلامية ومن الأمور الشرعية الواجبة وهي ملزمة للحاكم وواجبة عليه وليست مجرد نصائح وهذا ما سنراه في رأي الأغلبية وأن رأي الشورى ملزم للحاكم في النقاط التالية ووجودها يمنع استبداد الحاكم بالدولة ويقف حائلاً ضد قيام الدولة الديكتاتورية وعدم احتكار التشريع وتفصيل القوانين والحفاظ على التعددية الفكرية وكرامة المواطن وعدم اتخاذ رأي منفرداً أبداً لما برأي الجماعة والمشورة من صواب.

فتؤسس لحرية الرأي والتعددية الفكرية والعمل الجماعي وإثراء الحياة بأفكار مختلفة مثمرة تعمل في النهاية لمصلحة الأمة وتكون نسبة أخطاء الحكام قليلة وبسيطة. وأيضاً تمنع الشورى محاولات نفاق الحاكم أو تأليهه مع منعها للفردية في الحكم والاستبداد به.

ويكون أهل الشورى مختارون من الشعب ولا يعينوا كما فعل النبي بطلب من أهل المدينة اختيار اثنا عشر نقيباً. عنهم فلا يعينوا حتى لا يحدث استبداد أو تلاعب بالسلطة ويكون ولائهم لأصحاب السلطة وهم الشعب وليس للحاكم الذي يعينهم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم