كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 4

 


القسم الأول

المنهج الإسلامي في السلم


1- الشعب هو مصدر السلطة والشرعية فالشرع والتشريع من عند الله والشرعية للشعب:-


-قال الله تعالى:-

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)

الإنسان أستخلف من الله في الأرض ليطبق ما أنزله الله من أسس فلسفة الفكر الإسلامي كالعدل والمساواة وغيرها. فأصبح الإنسان هو مصدر السلطة على الأرض، وصاحب الشرعية التي استمدها من الله الذي أنابه في الأرض لتطبيق المبادئ الإنسانية باستخدام هذه السلطة بأمر الله، ولكن لا يكون بالإتجار باسم الله واعتبار أن هذا الإنسان مكان الله على الأرض، وإنما هو خليفة الله يطبق أوامره بضوابط محددة وهي عدم الإخلال بما أمر به الله وعدم الطاعة العمياء وعدم تطبيق ما نهى عنه الله لمجرد أن ولي الأمر قد أمر بتطبيق أحد الأمور المحرمة.

وللتأكيد أيضاً على أن الشعب هو مصدر السلطة وصاحب الحق في اختيار من يعطيها له كانت بيعتي العقبة الأولى والثانية للنبي قبل الهجرة. فقام الرسول قبل دخوله إلى المدينة يطلب من الأنصار أن يبايعوه وكأنه مرشح يعرض برنامجه عليهم بأن يوافقوه على أسس التعاون معه ورد العدوان عن المدينة وبأن يكون له البيعة كحاكم ونصرته وعلى السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يقولوا في الله ولا يخافون لومة لائم -المعارضة- وأن لا يزنون ولا يسرقون ولا يشركون بالله.

أي التخلي عن كل ما كانوا يفعلونه من فواحش قبل الإسلام وقبل الدولة لوضع أسس لقيام دولة حق عادلة مختلفة عن ذي قبل ليعطوه الشرعية التي يملكها الشعب ليحكم بها.

-قال الله تعالى:-

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 

وفي البيعة الثانية بويع النبي من المسلمين (على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم ولكم الجنة).

وهذه هي مقومات الدولة الذي يطلبها الحاكم من المحكومين ليستمد شرعيته الانتخابية بالمعنى الحديث من الشعب صاحب السلطة والشرعية. فتضمنت البيعة على أسس إقامة الدولة ووحدتها ومدنيتها ومبايعة الرسول ليكون حاكماً للدولة والطاعة والحماية المشتركة وإدارة شئون الدولة والأمة وفق القانون والشرع.

فبهذا رشح نفسه للحكم وقبل الشعب ترشحه وبايعوه فيما سميت ببيعة العقبة ليحكم بشرعية اختيار الشعب له.

ونجد في الآية أن البيعة مع المرأة وليس مع الرجال فقط فيؤكد الله على أن للمرأة حق في ممارسة حقوقها السياسية وليس كما يقول أخرين بأن ليس لها هذا الحق بل وحضر في البيعة الثانية سيدتان لمبايعة النبي.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إذا خرج منكم ثلاثة ولوا عليهم واحداً).

وهو تأكيد على أن المجموعة تولي من تريده بلفظ (ولوا) الذي يُرجع إليهم الاختيار وبالتالي السلطة في تأمير أحد عليهم تكون لهم فقط كمثال للشعب والأمة.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(أيما رجل أم قوماً وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه).

(لعن الله رجلاً أم قوماً وهم له كارهون).

والمقصد هنا بالإمامة ليس إمامة الصلاة فقط وإنما أيضاً بالحكم. فلابد أن لا يكون الشعب كاره ومغصوب لقبول حكم فرد عليهم، بل لابد أن يكون برضاهم تدليلاً على أنهم أصحاب السلطة في الاختيار لمن يحكمهم.

وفي بيعة العقبة الثانية قبل أن يدخل النبي إلى المدينة ويبدأ في تأسيس الدولة بوضع الدستور وتوحيد الأمة واختيار مجلس الشورى والمساعدين بالحكم، طلب من أهل المدينة أن يقوموا باختيار من نقباء الأوس والخزرج -قبائل المدينة- من يساعدوه في حكم المدينة وقال لهم:-

(أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم).

وبعد أن اختاروهم قال لهم النبي:-

(أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء...).

أي نواب لهم باختيار من الشعب نفسه.

وتأكيداً منه على أن الشعب هو مصدر السلطة وهم من لهم حق التولية والاختيار للحاكم ونواب الشورى وأن الشعب هو من يمتلك إرادته وأسس للمجلس التشريعي صاحب السلطة الشعبية ومعاونة الحاكم ومراقبته سنجد بأمثلة كيف أن رأي المجلس كان هو صاحب القوة عن صوت الحاكم في عهد النبي ومن بعده الصحابة في النقطة الخاصة بالمجالس النيابية والتشريعية.

نجد موقف الصحابة من معاهدة غطفان عندما رفضوها وهم نقباء الناس والشعب فرفضها الرسول بعد مشاورتهم لأنهم نقباء الشعب والشعب هو مصدر القوة والرفض والقبول وهذا دليل على أن الشعب هو مصدر سلطة الحاكم.

-قول أبو بكر عندما تولى الحكم:-

(أني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسات فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى أخذ الحق له. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).

وهذا اعتراف منه بأن من ولاه هو الشعب وليس لأنه الأفضل وأن الشعب هو مصدر السلطة وأكد على نظرية العقد الاجتماعي وإرادة الشعب قبل أن ينادي بها الغرب بأثني عشر قرناً وأنهم من يمتلكون سلطة تنصيبه وتوليه للحكم وتقويمه وعزله أيضاً إن أخطأ.

وجعل المنهج الإسلامي من حق الشعب والأمة أن تختار حاكمها وتحاسبه وتعزله وتطلب عزل الوزراء ومن ينوب عنهم بمجالس الحل والعقد التي هي المجلس النيابي ويطلبون عزل الولاة بقول عمر بن الخطاب للناس:-

(أنهم إن لم يجدوا فيمن ولوه عليهم الصلاح خلعوه).

وكانت بيعة علي بن أبي طالب مرفوضة في الشام وبيعة معاوية بن أبي سفيان مرفوضة في الحجاز ولم يجبر أحد أي جهة على قبول بيعته.

وكان هذا تأكيداً على حق الشعب في اختيار حاكمه بحرية وممارسة حقه في الاختيار.

وعندما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وأستشعر أنه أوصي بها على الناس خطب بالناس قائلا:-

(أني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين وأني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم).

فقال الناس قد أخترناك يا أمير المؤمنين ورضيناك فلك الأمر باليمن والبركة.

فأرجع للشعب الأمر حتي يعطيهم حقهم وسلطتهم بالاختيار طوعاً.

وكان عمر بن عبد العزيز يقول لأهل المدن:-

(أي عامل رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم).

وهذا دليل كافي على عزل الحاكم أو الوالي أو النائب الذي خرج عن حكم الله. وبالطبع يكون بطلب من الناس للخليفة أو الحاكم كما كان يفعل أهل الأمصار ويشتكون الولاة للخلفاء.

وعملاً بالقاعدة الفقهية (العقد شريعة المتعاقدين).

فإن البيعة والانتخاب عقد من الشعب للحاكم والنواب فإن أخل بأحد شروطه من حق الشعب فسخ العقد واسترداد حقة الذي أناب فيه أحدهم لأنه أستخدم النيابة عن الشعب بطريقة خطأ.

وبهذا من حق الشعب إقالة نائبة أو حاكمة إذا أخل شروط العقد الذي بينهم ويتمثل في برنامجه الانتخابي ويختار غيره ويعطيها له بألية الانتخاب التي هي عقد بين المتعاقدين بشروط يحددها ويوافق عليها الشعب وبها يوافق الشعب على إنابة أحد وانتخابه للمنصب الذي ينوب له عنهم.

 فالأساس هو شرعية الشعب والألية هي ما يتناسب مع العصر وتطوره كالصندوق والانتخاب الحر.

 فبهذا أعطى الفكر الإسلامي الرخصة للخروج على ظلم الحاكم واستبداده لاسترجاع سلطته المسلوبة وعدم السكوت على الظلم أبداً.

فإذا كان الفكر الإسلامي جعل الشعب هو الذي يختار حاكمه ويختار نوابه من أهل الشورى ويختارون بدورهم القضاة والوزراء ورؤساء الأجهزة الرقابية ومؤسسات المجتمع المدني بناءً على ترشيحات الشعب نفسه عن طريق نوابه ويختار أيضاً نظام الحكم ولأنه يملك حق الاختيار فله حق استرداد الحكم وتغيير الحاكم وتغيير نوابه في المجالس التشريعية إذا وجد بهم الخلل في الإدارة أو الفساد الذي لا يجعلهم يعملون لمصلحة الشعب فيسحب منهم الثقة التي سبق وأن أعطاها لهم بطلب للمجالس أو السلطة التي يتبعها نواب الشعب أو بالخروج عليه إن لزم الأمر.

 وحرية الشعب في تغيير حاكمه وتقويمه وتوجيه له النقد البناء وتغييره بالقوة إن لزم الأمر بثورة شعبية إذا كان هذا الحاكم لا يطبق الفكر الإسلامي الصحيح ولم يرتضي بالتغيير السلمي وتسليم السلطة.

وإذا كان المجتمع المدني هو المحرك الأساسي للمجتمع السياسي عن طريق هيئاته الرقابية ومؤسساته المدنية التي تملك الرأي والمشورة الملزمة للحاكم وهذا فضلاً عن النقاش في القوانين وطريقة تفصيلها وتطبيقها التي هي في الأساس منصوص دستورياً على أنها لا تخالف الشرع فيصبح هنا الشعب هو مصدر وأساس قوة السلطة التي يحكم بها الحاكم ومساعدوه.

فبما أن الشعب الذي يملك حق الترشيح والاعتراض والانتخاب والعزل إذا حاد الحكام عن حكم الله كما تحدثنا وإن المشرع هو الشعب على أساس شرع الله إذن فيكون الشعب هو مصدر السلطة ويستمد الحكام شرعيتهم من الشعب ويؤكد الفكر الاسلامي على هذا و على نظام الاختيار الشعبي الحر سواء بالبيعة كما كانت أو بالانتخابات الحديثة الآن.

-فقال الماوردي:-

(إن الفقهاء اتفقوا أن الولاية لا تنعقد إلا بالرضى والاختيار (انتخاب) ووظيفة أهل الحل والعقد(مجلس نواب الشعب).

فالشعب هو الذي يختار حاكمة ونوابه فتكتمل بهذا الولاية.

ويضع الشعب قوانينه ليحمي نفسه وحقوقه وهو رقيب على الحاكم فالمشرع (الشعب ونوابه)يضع القانون بناء على شرع الله. فيوضع الدستور والقانون والتشريعات التي هي عمل بشري على ضوء الشريعة والحدود ومنهج الفكر الإسلامي الإلهي والخطوط العريضة للمنهج. فيكون الشرع والسلطة من الله والتشريع من الشعب.

فالسلطة تنتقل بالنظام السياسي الدستوري والقانوني والشورى للشعب الذي يفوض بالانتخاب لها حاكم ونواب عنه يراقبون الحاكم وإن أساءوا استعمال التفويض أقالهم الشعب وأتى بغيرهم مستعملاً إرادته الشعبية العامة المكونة من تفاعل المواطنين سياسياً.

فبالبديهي يكون هو الصاحب والمصدر لسلطة الحاكم وهو المشرع لشرع الله.

 

-الشرعية الانتخابية والشرعية الثورية:-

بالانتخاب والولاء للشعب وتحقيق رغباته تتكون الشرعية الانتخابية التي يعطيها الشعب صاحب ومصدر السلطة للحاكم ونواب الشعب ويسحب ثقته منهم عندما يجدهم يحيدون عن مبادئ العقد الانتخابي بينهم.

فسقوط الشرعية الانتخابية الحاكم أو من ينوب عن الشعب برفض الشعب له تعني أنه لا يصح أن يظل بمنصبه وللشعب حق إسقاطه والخروج والثورة عليه واختيار غيره إذا جار وظلم وأستبد من منطلق قاعدة حديث النبي صلى الله عليه وسلم:-

(سيد الشهداء حمزة ورجل خرج إلى ملكٍ جائر قال له كلمة حق فقتله).

(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

(إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منه).

ومن منطلق عدم السكوت عن الظلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم:-

(الساكت عن الحق شيطان اخرس).

والحديث القدسي الذي أمر فيه الله الملائكة بدك قرية فقالوا له يا الله بها عبدك يعبدك فقال الله تعالى به فأبدأوا لأنه رأى معصيتي ولم يقشعر بدنة لها. فالساكت عن الحق والظلم هو مشترك في الجرم.

وقال عمر بن الخطاب:-

(ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا؟ فيقف رجل وهو يلوح بزراعه: إذن نقول بالسيف هذا. فيسأله عمر: إياي تعني بقولك. فيرد الرجل: نعم إياك أعني بقولي. فيفرح عمر ويقول: رحمك الله والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عوجي).

(فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذني –يعلمني- فإنما أنا رجل منكم).

فيجب أن ينتزع الشعب حقه مرة أخرى من الظالم ويعطيها لمن يشاء فتكون هنا الشرعية الثورية ولكن بدون عنف أو قوة حتى لا تضر بمصلحة البلاد. فبهذا تكون الأمم والشعوب هي مسئولة عن اختياراتها وحكومتها ولا يعفيها جهل أو عذر بل على عاتقهم الاختيار والمراقبة كما سنرى في نقطة الطاعة ومحاسبة الحاكم والحكومة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم