محكمة تدمير الأسرة

 

احمد عادل داوود

محكمة لا تعمل سوى على دمار الأسرة من كل النواحي بشكل عام، وتدمير الأطفال بشكل خاص. فلا يوجد بها قانون واحد يساعد على اكتمال الترابط أو حتى على التواصل بين أفراد الأسرة.

قوانين تتعامل بكل عنجهية وتخلف لمصلحة المرأة بدون مراعاة أي توازن لحقوق الأسرة والطفل ومراعاة الجانب النفسي في سن القوانين، فلا يعقل أن يكون الطلاق الشفهي لعبة على لسان الرجل، ولا يعقل أن تكون أحكام السجن تأخذها الزوجة على الزوج دون علمه وهي ما تزال بجواره على نفس السرير. كيف يعقل أن تحصل زوجة على حكم سجن ونفقة على زوجها وهي تعيش معه، وإذا حدث وعلم الزوج يكون بعد فوات الأوان وحدوث شرخ بالأسرة، وتتوالى القضايا التي قد تظل بالمحاكم لسنوات يتقلب بها الاثنان على نار القضايا والمحامين دون نهاية بل بمشاكل وشرخ أكبر يزداد مع الوقت، ويقع الضرر النفسي الأهم على الأطفال الذين يعانون بين حقد وغل وصراع الطرفان. وحتى إن انتهت مشاكل القضاء والقانون العقيم الذي ينصر الزوجة فقط من بداية حكم النفقة إلى أحكام المنقولات الزوجية الذي يتم كل هذا غيابياً ولو حتى عن علم يكون بإجحاف، ولكن يأتي الدمار الأهم وهو دمار الحضانة والطفل. فالطفل لا يراعى حقوقه النفسية بل يحكم بالحضانة للزوجة دون أدنى إلزام لها ليرى الأب ابنه ويتواصل معه لتنشأ العلاقة بينهم بل وتربي الطفل على كره أبيه لمجرد حدوث طلاق، ولا يحدث أي تواصل آدمي بينهم. فإن كان الطفل صغيراً فيشب لا يعرف أباه.

فقانون الرؤية مجحف وهو عبارة عن ساعتين في مكان عام وغير ملزمة للمرأة أيضاً بل تعمل به للضغط على الرجل فإن حضرت يكون في آخر ربع ساعة من الساعتين المحددتين هذا إن تكرمت عليه وحضرت. بالتالي لا يعرف الابن أباه وتضيع هويته وسلطته معه في مراحل المراهقة. الطفل يحتاج إلى عاطفة الأم وسلطة الأب الموجهة له ودون احداهما تضيع هوية الطفل الحسية والنفسية والجنسية. وعندما يتم الطفل السن القانوني للتخيير وينتقل للأب يحدث نفس المشكلة مرة أخرى ويحرم الطفل من الأم ويضيع أكثر. حتى مع التعديلات الجديدة المزمع سنها لقانون الحضانة هو قانون غبي ومتخلف أيضاً فكيف تكون الرؤية ٨ ساعات أسبوعيا أو يومان في الشهر يستضيف فيه الأب ابنه. كيف يتم الحرمان، وقطع صلة الرحم بكل هذه السهولة، ويتم تدمير الأسرة بسهولة؟ وأيضاً قانون غير ملزم إن لم تحضر فيتم انذارها مرة ومرة ثانية ثم مبلغ غرامة في الثالثة، وإن حضرت ينتهي الإنذار. وبالطبع هذا يتم بعد قضايا وإنذارات ومحاكم تزيد من كاهل الأسرة من المصروفات والشرخ بين الطرفين وتأثيره النفسي على الأطفال.

الأفضل أن تكون الحضانة بين الطرفين بعدل وبالإنفاق بما يرضي الله والجميع، وخاصة الحضانة تكون مشتركة وملزمة للطرفين فلا يحرم الطفل من أحد أبويه ولا يشتت ولا يفقد هويته حفاظاً على نفسيته. فيكون نصف الأسبوع مع الأب والنصف الآخر مع الأم مع الإنفاق العادل على حسب دخل الطرفين فلا يكون الأب مجرد مصدر للمال بل مصدر حب وسلطة وأبوه، وتكون الأم مصدر عاطفة وحنان.


أسباب نجاح الثورات ج 17 (وظيفة الدولة واستقلالية القرار)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

وظيفة الدولة

الدولة المدنية كما هي لها حقوق على المواطن أن يؤدي لها خدماتها ويعمل من أجلها ويحميها على الدولة أيضاً حقوق يجب أن تؤديها للمواطن لكي يشعر بحقه في وطنه ويكتمل انتماءه لها. وهذه الواجبات تتمثل في وظيفتها وسنسردهم في نقاط مختصرة لتكتمل مهمة الدولة المدنية ويكتمل نجاح الثورة.

1- العدالة القانونية: -

يجب على الدولة حقيق المساواة القانونية لجميع أفراد الشعب وتحقيق لعدالة الناجزة وتطبيق روح القانون حتى لا يشعر المواطن بعدم وجود القانون وينتهي بداخله إحساسه بالطمأنينة بحقه القانوني فيتحول إلى فرد يسعى للبحث عن حقه بيده ولا يستعين بالقانون لأنه أصبح يشعر بأنه لن ينصفه فتتحول الدولة إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف.

ويجب على القانون حماية كل فرد من التعدي عليه وعلى حقوقه الشخصية والحياتية بل وحمايتها حتى يشعر المواطن بأمانه في وطنه.

2- العدالة الاجتماعية والضمان الاجتماعي: -

حق على الدولة تحقيق العدالة الاجتماعية وفرص الترقي والحصول على مستوى اجتماعي أفضل عن طريق التعلم والمساواة الاجتماعية وليس بالتفرقة. فتحقيق فرص تعليم وترقي متساوية تفتح المجال لهذه العدالة.

وعن طريق الضمان الاجتماعي تأتي المساواة والحقوق الاجتماعية بين المجتمع بدعم من الدولة بنشر الجمعيات والخيرية والأوقاف الصحية والتعليمية وغيرها من المساعدات المجتمعية للناس ودور الرعاية للأيتام والمساكين وأصحاب العاهات وغيرهم. فلن تستطيع الحكومة وحدها حل جميع المشاكل ولكن بالتكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي يتولد القوة الكامنة داخل المجتمع من أجل النهضة به.

وبهذا أيضاً يتولد داخل المجتمع روح التعاون والتكافل والكرم ومساعدة المحتاج وعدم التفرقة بين أحد بل المحاولة لسد فجوات المجتمع.

3- التعليم: -

التعليم هو أساس نهضة الشعوب بل هو العنصر الأهم في تحركها للتقدم والحضارة وبتنمية التعليم في مختلف مراحله ونواحيه يكون من الدولة التي تقوم بتطوير المناهج التعليمية والمدارس وأساليب الدراسة والاهتمام برعاية الطفل. وإدخال وسائل حديثة ومتطورة في المناهج التعليمية.

ومن المهم الاهتمام بالتعليم المهني والتربية الجيدة للطفل لإخراج مجتمع سوي على خلق. وعليه أيضاً الاهتمام بتطير البحث العلمي ودعمه من أجل دعم التقدم وبناء الحضارة.

4- الصحة: -

يجب على الدولة المدنية الحديثة أن توفر لكل المواطنين مظلة تأمينية صحية شاملة خصوصاً للمواطن الذي لا يستطيع توفير الخدمات الصحية والطبية لنفسه.

ويكون هذا بنشر المراكز الطبية والمستشفيات التي يوجد بها كل الخدمات الطبية الكاملة دون نقصان فيها في أي شيء أو في أي نوع من أنواع الدواء الذي يحتاجه المريض وتقوم الدولة بتوفير هذه الخدمات في أقاصي الدولة مثل أدناها ويكون تمويل هذا بالضرائب التي تحصل من الأغنياء ومن موارد الدولة.

5- حماية الحقوق السياسية: -

لأن من أهم أسس قيام الدولة المدنية هي حرية التعبير والاعتراض والحقوق السياسية الكاملة فيجب على الدولة المدنية حمايتها وعدم التعرض لها في أي ولأي سبب وإلا تحولت الدولة إلى ديكتاتورية بكبت المعارضة وقت هذه الحقوق.

ويكون هذا ليس بالقانون فقط وإنما بإعطاء الفرد حقوقه الكاملة بالممارسة السياسية ليكتسب حقه ووعيه.

6- تحقيق الأمن والاستقرار: -

مهمة الدولة أن تحمي أمن كل فرد وتحمي ماله وعرضه وحقه في الاستقرار والشعور بالأمان في وطنه وهذا يأتي بدو أجهزة الشرطة والأمن الوطني والجيش أن يكون دورها حماية الشعب والوطن والدستور، لا حماية الأنظمة الحاكمة فتفسد وتتحول لأداة للقمع.

فيجب على الدولة توجيه هذه الأجهزة للصواب ولحماية وخدمة الشعوب لا العكس.

7- تنمية الاقتصاد وخلق فرص العمل: -

النشاط الاقتصادي هو أساس الحياة في الدولة ومن مهامها الأساسية التي يجب أن تعمل دائماً على تنميتها بوضع خطط اقتصادية وتنموية للدولة سواء بخطط طويلة المدى أو متوسطة أو قصيرة.

ويكون هذا على أساس قدرة موارد الدولة وتوجهها الصناعي أو الزراعي أو كليهما حيث أنه توجد دول صناعية ودول زراعية أو دول تعمل في الاتجاهين. وتحدد كل دولة قدرتها في تنمية المشاريع الطويلة أو المتوسطة أو القصيرة على أساس دخلها وموارها التي ستنفق من خلالها على هذه المشاريع من أجل التنمية الشاملة.

ويجب الاهتمام بالبحث العلمي وتنميته والصرف عليه فهو أساس التقدم والتنمية وبناء الحضارة.

استقلالية القرار

من أهم الأسس التي يجب ضمانها والعمل عليها في تطبيق الثورة، وهذا حتى تنجح الثورة في تطبيق أهدافها الأساسية لتحقيق العدالة والرخاء والنمو الاقتصادي والعلمي بعيداً عن السيطرة الخارجية على قرار ومقدرات الدولة.

ويتحقق هذا عن طريق التنمية الاقتصادية والعلمية التي تعمل عليها الدولة بالعهد الجديد لها، والحفاظ على مصلحة الدولة بعدم الخضوع للخارج وللدول الأخرى. وتكمن قوة الفكرة في امتلاك الدولة لاقتصاد قوي يحقق لها الاستقلال السياسي، والضغط عليها لقبول ما ليس في مصلحتها.

وأيضاً وجود عمل علمي متطور بجانب الاقتصاد القوي هو عامل مساعد ومهم يجعل من الدولة تستفيد من خيراتها بدلاً من التفريط فيها مقابل أموال يسرقها المستبد وأعوانه.

ولا ننسى أن من أركان ضمان استقلال القرار السياسي وجود تعليم قوي ينمي الدولة ويفيدها ويساعد على تطوير عقول أبناءها.

ونجد أن أهم ما يقوي استقلالية القرار هي قوة الثورة نفسها التي تحكم الدولة وقوة الشعب الذي يحمي الثورة تعطيه قوة دولية وتجعل من الدولة والثورة ذو مكانة قوية بالعالم ولا يستهان بقوة الشعب حتى مع أعتى وأوى الدول عسكرياً، فنجد أن قوة أمريكا سقطت أمام قوة الشعب أثناء الثورة الإيرانية وتخلت عن حليفها شاة إيران، وفي ثورة مصر 2011 تخلت أمريكا أيضاً عن حليفها وكنزها الاستراتيجي مبارك بسبب وجود قوة الشعب في الشارع، وهكذا في ثورات أخرى.

ويجب أن نضع في الاعتبار من على رأس السلطة، فإن كان شخص مستبد لا يجد شرعية له في الداخل فإنه يبحث عن شرعيته هذه من الخارج بالتنازل والخضوع لدول أخرى تسانده، أما إن كان شخص وطني ثوري فسيبحث عن شرعيته في الداخل من الشعب ويعمل من أجل مصلحته ومصلحة الوطن وليس كمن أتى على رقاب الناس فيعمل من أجل حماية عرشه واستبداده بالتفريط في أراضي ومقدرات وثروات الدولة مقابل حمايته وحماية عرشه.

وعلى هذا يجب العمل من قبل الثوار لتوطيد قوة الحكم الثوري الوطني لضمان استقلالية القرار السياسي عن الخارج، وامتلاك الدولة مقدراتها بالقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية والشعبية، ليكون التعامل مع الدول الأخرى من منطلق الندية وتبادل المنفعة.

فلا تطلب الحرية من بلاد الاحتلالات والاستعمار، ففاقد الشيء لا يعطيه. فلتكن الدولة والشعب حراً يصنع الحرية بنفسه ويمارسها وغير ذلك ستكون تبعية وعمالة للخارج.

تمت بحمد الله


أسباب نجاح الثورات ج 16 (المدنية)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

المدنية

من المهم عند وضع أسس لدولة ديمقراطية أن يوضع لها أسس المدنية وهذه إحدى مراحل البناء في الدول والتي يجب أن تكون في مقدمة الدولة لأن بها يتم تطبيق العدل والديمقراطية والمساواة وما غير ذلك من أسس الحياة السوية لبناء دولة متقدمة ومتحضرة.

ولكن في البداية لابد من معرفة ما هي أسس الدولة المدنية والتي إن انتقص بها إحدى هذه الأسس تكون عرضة للتحول لدولة ديكتاتورية وعسكرية أو ثيوقراطية والتي تؤدي إلى دمار الوطن في النهاية من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية والقانونية.

1- ضمان تداول السلطة بشكل سلمي: -

من المهم ألا تتركز السلطة بيد فرد أو جماعة أو حزب وأن يتم تداول السلطة بطريقة شرعية وسلمية عن طريق الانتخاب الحر المباشر للشعب. فإن حدث العكس أصبحت الدولة ديكتاتورية من الدرجة الأولى ويترتب على هذا تدمير الحريات والرقابة وانتشار الفساد والاستبداد والديكتاتورية مثلما يحدث في الدول العربية جميعاً بلا استثناء وفي رومانيا وقت حكم تشاوشيسكو (1967: 1989) وروسيا البلشفية (1917: 1990) وغيرها من الدول التي تمركزت بها السلطة بيد فرد أو حزب أوحد.

2- الفصل بين السلطات: -

وتتكون السلطات من: -
أ‌-     سلطة تشريعية.
ب‌- سلطة تنفيذية.
ج- سلطة قضائية.

فمن أسس المدينة السليمة هو الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية من أجل ضمان تحقيق باقي نقاط المدنية، فيجب عدم تحكم السلطة التنفيذية بباقي السلطات التي هي مخول إليها مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية بكامل أعضائها وهيئاتها، لأن تحكم السلطة التنفيذية في السلطة المراقبة لها سيجعلها لعبة في أيديها بل وستضيع حقوق الشعوب بهذا.

فتكون السلطة التشريعية مراقبة للسلطة التنفيذية ومحاسبة لها ومعبرة عن سلطة الشعب وإرادته وهي من تراقي على الانتخابات ومخول لها نقل السلطة بشكل سلمي وهذا لكيلا ينفرد أحد من السلطة التنفيذية بسلطة البلاد ومنها تتحول إلى ديكتاتورية وحكم شمولي.

وتكون السلطة القضائية هي الرقيب على السلطات والفاصل بينها ومراقبة الانتخابات وتحقيق العدالة القانونية ومراقبة تصرفات السلطة التنفيذية في تطبيق القانون. فإن أفلتت السلطة التنفيذية من السلطة القضائية لاستبدت بالحكم واعتقلت كل من يعارضها.

السلطة التنفيذية هي الإدارة للدولة وتكون منفذة لإرادة ورغبة الشعب وتخضع للسلطات السابقة ولا تهيمن عليها فإن حدثت هذه الهيمنة لدمرت الدولة وتحولت لحكم استبدادي شمولي.

3- تحقيق الحقوق السياسية: -

وتتمثل هذه الحقوق في ثلاثة أوجه أو ثلاثة حقوق إن تحققت كانت الدولة مثال للديمقراطية والمدنية والعدل والحريات وتحققت بها الرقابة على السلطة التنفيذية وأصبح الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها أما إذا لم تتحقق لن يكون في مقدور أحد التفوة ببنت شفة ولتركزت السلطة في يد فرد استبد بالدولة وبالشعب وبالتالي لن تتحقق الديمقراطية والمدنية بل ستتحول الدولة إلى ديكتاتورية سواء عسكرية أو ثيوقراطية ومنها ستدمر الحياة الاجتماعية والعدالة القانونية وسيختل التوازن الاجتماعي وستنتهي العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

وتضمن تحقيقها الفصل بين السلطات والمراقبة على تنفيذ الانتخابات وإجراءاتها.

أ- حق الانتخاب: -

ويكون بإعطاء الشعب حق الممارسة الديمقراطية لزيادة الوعي السياسي لديهم ولتحقيق حقهم في اختيار من ينوب عنهم سواء في السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية وكذا في انتخابات المدن ومحلياتها والنقابات دون سيطرة أو توجيه من أحد لهم، مع عدم استخدام أي وسائل ضغط بسبب الظروف الاقتصادية التي يعيشها الشعب.

ت‌- حق الترشح: -

ويكون بإعطاء الحق لكل مواطن في الترشح لأي منصب دون اعتراض من أحد ويكون الاختيار في النهاية للشعب صاحب السلطة الذي بيده يقرر إن كان يصلح الشخص المرشح للمنصب أم لا على أساس ما يقدمه المرشح في برنامجه الانتخابي.

ج- حق الاعتراض: -

وهو حق كل فرد في رفض أو قبول ما يراه من قرارات في الدولة وحقه في كيفية إظهار اعتراضه على الملأ دون خوف من أي سلطة طالما يظهر اعتراضه بطريقة لا يوجد فيها خطأ أو تعدي على أي منشأة أو ممتلكات عامة أو خاصة، بل ومن حق كل فرد الترويج لأفكاره طالما لا يوجد بها أي خطأ وما هي إلا أفكار لصالح الوطن.

4- الشعب مصدر السلطة: -

مع تحقيق الحقوق السياسية للمواطنين وتداول السلطة بشكل سلمي إلى من يختاره الشعب عن طريق الانتخابات والصناديق سواء في انتخابات للسلطة التنفيذية أو التشريعية يتحقق بهذا قوة الشعب في توجيه أقداره بل ويكون هو مصدر السلطة وأساساها في الدولة ويكون هو رأسها وقاعدتها فمنه الاختيار وله التنفيذ.

ومن هنا تكون له حق المراقبة والمحاسبة عن طريق نواب الشعب بالسلطة التشريعية التي هي من واجبها مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها على أي خطأ أو عن طريق المساءلة المباشرة لمن يرتأى فيه الفساد أو الانحراف عن طريق السلطة القضائية.

ومن هنا تأتي الشرعية السياسية التي يعطيها الشعب صاحب السلطة لمن يختاره كنائب عنه في السلطة التشريعية أو التنفيذية بانتخابه بعد الموافقة على برنامجه أو بالموافقة على استمراره بالسلطة بالمدة القانونية التي يحددها الدستور دون إسقاط شرعيته الانتخابية طالما لم يحدث منه انحراف أو فساد.

5- المواطنة: -

تأتي المواطنة من إحساس الفرد المواطن بحقه بالوطن وانتماءه له ويولد هذا من خلال ما تقدمه له الدولة من خدمات وعدل في الحقوق ومساواة في الواجبات وعدم التعدي على حريته الشخصية وحقوقه العامة والتي تنمي بهذا شعوره بالانتماء للوطن وعدم التخلي عنه.

وتأتي مقومات المواطنة من عدة عوامل هي أساس تنميتها داخل الفرد المواطن ولا تتحقق هذه المقومات إلا عن طريق الدولة وحكومتها.

1-   المساواة بين الأفراد أمام القانون وعدم شعور أحد بأنه أمن من العقوبة وإلا شعر باقي أفراد الدولة بعدم المساواة وأنه يوجد طبقة تسيء الأدب لأنها أمنت العقاب وإقامة العدل وتحقيقه.

2-   حق المشاركة في الموارد بالدولة وهذا يأتي عن طريق الحصول على الخدمات التي توفرها الدولة للمواطن بعد تحقيق مكاسب من مواردها الزراعية والصناعية وعدم السيطرة عليها ممن بالسلطة أو لرجال أعمال وعدم حصول المواطن على شيء من عوائدها.

3-   تملك الشعب لسلطته وحقه في اختيار من يشاء ليمثله دون سيطرة من أحد.

4-   عدم مركزية القرار وعدم السيطرة على قرارات المجتمع المدني والسياسي والنقابات.

5-   عدم وجود تفرقة على أي أساس سواء ديني أو لون أو جنس.

6-   التمتع الكامل للشعب بالحقوق السياسية.

7-   التمتع بالحقوق القانونية الكاملة وحق المساءلة لأي شخص.

8-   تحقيق الأمن والأمان لأفراد الشعب بالعدالة الناجزة.

9-   الحصول على كافة الخدمات الأساسية وتحقيق البنية التحتية الكاملة لأقصى الدولة كداخلها.

10- التعايش السلمي للأفراد دون أي خلاف بين أحد على أساس عرقي أو مذهبي.

6- العدل: -

يجب على الدولة لتحقيق المواطنة أن تحقق العدل وسيادة القانون على الجميع وحق المساءلة لأي فرد في الدولة والمساواة أمام القانون حتى لا يأمن أحد العقاب على فعل ارتكبه.

ومن المهم لتحقيق العدل هو قوة القانون وتنفيذه وسرعة التحقيق والتنفيذ ولا تكون العدالة بطيئة فيكون المواطن كارهاً للتقدم للعدالة لعدم قدرتها على إنجازه بل ولعدم المساواة في القانون وعدم محاسبة أصحاب المناصب فتتحول الدولة إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف ولا يستطيع الفقير والضعيف أن ينال حقه من القوي. فيموت داخل المواطن إحساسه بالأمن والأمان والانتماء للوطن.

7- المساواة: -

يشعر المواطن بحقه في الوطن ومواطنته عندما يشعر بالمساواة مع الجميع وأنه لا يعلو أحد على غيره لمنصب أو شرف وخاصةً عندما يستطيع الحصول على الفرص كغيره فيشعر بتكافؤ الفرص في الدولة

وعندما ينال المواطن حقوقه التعليمية والصحية كاملة كغيره حتى إن لم يكن قادراً تكون تحققت له المساواة والعدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع الاقتصادية عندما يحصل على التعليم الجيد والرعاية الصحية السليمة وبالتالي يتحقق له تكافؤ الفرص في الحصول على التوظيف المناصب مع تعليمه وليس بطريقة أخرى عن طريق المعارف والوسائط.

وبالتالي يحصل المواطن على فرصه في الترقي لقدراته وخبراته العلمية والتعليمية وليس عن طريق آخر.

ومع تحقيق المساواة في الخدمات والحقوق وتكافؤ الفرص يكون المواطن مالكاً لنفسه وتتولد بداخله الإرادة في المعرفة والتعلم بكثرة لأنه سيستفيد من تعليمه وعلمه المتزايد أما إذا حدث العكس فقد المواطن الرغبة في التعلم لأنه بالنهاية لن يعمل ما يريده ويحبه وتعلمه فيفقد الرغبة في التعليم وإفادة الوطن وبالتالي يفقد الانتماء للوطن.

ويحق لكل مواطن في أقصى الدولة الحصول على الخدمات الكاملة الصحية والتعليمية كمن بداخل الدولة والحصول على البنية التحتية والأساسية بالدولة وعدم إهمال الدولة لأقصى المدن والقرى بالدولة بل الاهتمام بها كالمدن الداخلية وعدم التفرقة ليشعر المواطن بالمساواة وتحقيق العدل في التوزيع والحقوق والواجبات والخدمات.

8- الحرية الشخصية: -

تمثل الحرية الشخصية للمواطن في امتلاكه لحقه ليس في فعل ما يحلو له طالما لا يضر غيره ولكن يتمثل أكثر في عدم فعل ما لا يريد ودون إجبار من أحد له. وتتمثل أيضاً في حرية العقيدة وعدم التعدي عليها وحرية العبادة دون تقويض لها.

ومن هنا يتضح أن من أسس المواطنة وتحقيق المدنية بالدولة هو عدم التعدي على الحرية لأحد إلا عندما يجرم في حق الغير. وعليه يكون من حق كل فرد التملك والحرية الشخصية الكاملة دون تقويض أو مراقبة أو منع من أجل شعور الأقليات بالحرية الشخصية والعقائدية دون تعدي ومنها شعور المواطن للانتماء للوطن والذوبان في بوتقة الوطن دون خلافات طائفية أو مذهبية أو عرقية.

9- العدالة الاجتماعية: -

من المهم تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس في الوطن من أجل أن يستقر في نفس المواطن أن حقه لا يضيع وأن غيره يحصل على حقوقه وأكثر ولا يستطيع أن يستفيد من وطنه في الخدمات والحقوق.

وتحقق الدولة هذه العدالة عن طريق توزيع عادل للثروة والمرتبات وتحقيق الضمان الاجتماعي للشعب وتنمية التكافل بين الناس وتنمية المجتمع المدني ومساعدة الناس لبعضها البعض، ولكي يشعر المواطن بعدم نهب حقه وأنه يذهب إلى غيره.

وعلى الدولة تحقيق العدالة عن طريق توفير الخدمات الأساسية للمواطن الفقير مجاناً عن طريق الضرائب التي تتحصل عليها من الأغنياء ومن الشركات الكبرى وبالتالي تساوي الجميع في الحصول على الخدمات الأساسية للحياة.

10- قبول الآخر والتسامح: -

من أسس الدولة المدنية والمواطنة وتأصيلها في نفس المواطن هي قبول الآخر وقيم التسامح والتعايش بين الأعراق والطوائف والأديان المختلفة من أجل انصهار المجتمع في بوتقة الوطن والمحافظة عليه من أي تفتت بسبب الاختلافات المذهبية أو الدينية أو العرقية.

11- التعددية: -

يجب قبول التعددية الحزبية والأفكار المختلفة وهذا يأتي من وجود الحقوق السياسية وحق الاعتراض على الآخر فتتولد الأحزاب السياسية ويخلق المجتمع المدني والسياسي وأيدولوجياته والنقابات الحرة، ومن هنا ينفجر الوعي السياسي للمواطنين وحرية التعبير والعمل السياسي والاختلاف وتقديم البرامج الانتخابية للشعب والعمل والمراقبة للحكومة من أجل مصلحة الوطن. 

12- الثيوقراطية والعسكرية: -

لتقام الدولة المدنية يجب ألا تقام على أساس الحكم باسم الدين أي لا يوجد سلطة كهنوتية وعدم استخدام الدين من أجل الأهداف السياسية فلا يحق لأحد أن يكون مفوض من الله في الحكم أو أن كل قرار هو من عند الله فهذا مرفوض فالمرجعية الدينية للدولة شيء والحكم باسم الدين شيء آخر مرفوض وإلا أتهم كل من خالف الدولة بأنه ضد الدين وبهذا تسقط حقوق المواطن في الاعتراض والتعبير وهذا غير مقبول في الدولة المدنية.

وهكذا نفس الأمر في الدولة العسكرية التي تحكم باسم الفاشية الوطنية بل وتجعل من كل معارض لها هو معارض للوطن وتنعته بالخائن والعميل وتتحول الدولة للاستبداد والديكتاتورية.

13- المراقبة والمحاسبة والمساءلة: -

من أهم النقاط للحفاظ على مدنية الدولة هو فاعلية المواطن في الدولة وكونه مواطن فعال في العمل المجتمعي والسياسي يجعله مراقباً للحكومة وتصرفاتها ومراقباً حتى لنوابه في السلطة التشريعية المراقبة على السلطة التنفيذية. ويجب على كل مواطن ألا يثق إلى أبعد الحدود في الحكومة وأعضائها فكل منصب فاسد لصاحبه طالما لم يراقب ولم يحاسب على فعلته إن أخطأ بقراراته.

ومن هنا يولد المواطن الفعال والمراقبة والمحاسبة للدولة وحق كل فرد في المساءلة لأي شخص في الدولة بيده قرار حتى لا يأتي اليوم الذي يستبد به لأنه لم يجد من يحاسبه. فالمحاسبة والمسائلة تؤدي إلى تقليل نسبة الخطأ وتصحيحه إن حدث، وإلى التطوير والتقدم وعدم التأخر والجمود.

14- تحقيق دولة القانون: -

وتتحقق عن طريق: -

تحقيق سيادة القانون على الجميع دون تفرقة وبمساواة للجميع.

 عدم إهدار القانون من القضاء. فلا يقوم القضاء بإهدار القانون بل عليه إتباعه لتحقيق القانون وقوة الشعب، ولا يهدره ليرضي الحاكم.

 احترام الدولة والسلطة التنفيذية للقانون. فتنفذ الأحكام والقانون، ولا يهد حق المواطن القانوني ولا ينتهك.

 توفير أدوات العدالة للمواطنين. بأن يكون لك فرد حقوقه القانونية الكاملة، وعدم التعدي عليها وعدم إهدارها.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورات ج 15 (البناء)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

البناء

يعد النجاح الحقيقي للثورة والأساسي هو بعد أن تبدأ الثورة في بناء الدولة، فعندما تقوم الثورات تهدم الأنظمة المستبدة ولا تهدم الدولة ولكن بعد انهيار النظم الديكتاتورية يبدأ بناء الدولة وتنمية جوانبها السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية والقانونية من أجل بدأ بناء مرحلة تقدمية بالدولة.

ولكن كي يحدث هذا يجب أن يوجد بعض الأسس ووضع خطوات انتقالية للمرحلة الديمقراطية الجديدة حتى لا تقع الثورة فريسة للاستغلاليين ويقفز على الكرسي ديكتاتور آخر حتى لو كان مدني مثلما حدث في فرنسا مع نابليون بونابرت الذي حكم فرنسا بعد الثورة منذ عام 1799: 1814 وأدخلها بحروب طويلة دمرت الدولة.

ومن المهم للثوار أن يظلوا محافظين على وحدتهم الثورية ولا يتم تفتيت اتحادهم وأن يكون تجردهم للثورة خالص ولا يطمعوا بالمصالح السياسية والمناصب ولا يبحثوا عنها. وبعد الاستقرار النسبي لكل فرد مطلق الحرية والحق في الترشح لأي منصب حتى لا تحتكر الثورة المناصب منذ بدايتها ولكن يكون الأمر راجع للشعب بالاختيار لمن يمثله سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية.

وتتم فترات ومراحل التأسيس للدولة بأسلوب متدرج في بعض المواقف وبأسلوب موازي في أحيان أخرى.

1- الفترة الانتقالية: -

يكون فيها دور الثوار أساسي بوضع فترة انتقالية لا تزيد عن سنتين ولا تقل عن ستة أشهر يتم فيها تعيين مجلس وزاري يدير الدولة وإدارتها من التقنيين وأصحاب الكفاءة والخبرة مهما كانت توجهاتهم أو أفكارهم ودون النظر لدين أو جنس أو عرق بأن لا يكون للثوار من الأمر شيء حتى لا تدب الخلافات والأحقاد بين الثوار ويحاولون البحث عن المناصب والمكاسب ولا يكون هذا هدفهم بل يظل النقاء الثوري متواجد داخلهم، ويكون دورهم رقابي على المجلس الوزاري الذي يدير الدولة حتى لا يعبث بها ولا يستقل أحد بالسلطة وفي نفس الوقت حتى لا تتفتت الوحدة الثورية بينهم حتى تنتهي فترة التطهير والبناء.

ثم يتم تشكيل لجنة تأسيسية للدستور من علماء وفقهاء الدولة في القانون والدستور والدين والاقتصاد والعلم من كل طوائف المجتمع الأغلبية منها والأقلية ومن كل التوجهات السياسية حتى تتمثل جميع الطوائف والفئات بالعدل والمساواة.

ثم بعد وضع الدستور وتحديد فيه الخطوط العريضة للدولة من شكل ونظام الحكم والمرجعية للدولة وتأسيس قواعد الحريات وإطلاقها وإطلاق حرية الرأي والتعبير وحرية تشكيل الأحزاب وضمان تداول السلطة وغيرها من أسس الديمقراطية والمدنية تأتي خطوة الانتخابات للمجالس التشريعية التي تكون هي الخطوة المهمة في تأسيس الرقابة على السلطة التنفيذية. وتتم بشفافية ومصداقية وحرية فلكل فرد حقه في الانتخاب والترشح والاعتراض بكامل حرية.

وقد يطرح من البعض أن تكون الانتخابات البرلمانية للمجالس التشريعية قبل الدستور لكي يشكل البرلمان المنتخب من الشعب هذه اللجنة التأسيسية للدستور ولكن الأفضل هو العكس. وهذا لأن الشعب الذي لم يمارس الديمقراطية في اختياره للمرشحين في المجالس التشريعية سيكون معرض للأخطاء وهذا طبيعي ولابد أن يحدث حتى يستطيع الشعب التعلم من أخطائه فيما بعد وهذه فائدة الديمقراطية والممارسة السياسية الحرة، ولأن هذه الاختيارات يمكن تعديلها بعد انتهاء الفترة البرلمانية. أما إن قام الشعب باختيار الهيئة التأسيسية للدستور أو أعضاء المجلس التشريعي الذي قد لا يكون اختياراً سليماً وبدوره يختار المجلس أعضاء هذه الهيئة التأسيسية للدستور فقد تكون ليست هيئة على أكمل وجه وقد تخرج للدولة دستور معيب عن هذه الهيئة التي ربما ليست مؤهلة لوضع دستور للبلاد فيتطلب التعديل وهذا لا يصح لأن الدستور لا يجب أن يكون عرضه للتعديل بوقت قريب أو حتى بعيد أو التعديل المتعدد أو التغيير وإلا أصبح لعبة بأيدي أي أحد قد يأتي للسلطة فيحاول التغيير فيه على حسب مصلحته ومن ثم يستبد بالسلطة.

وتأتي بعد هذا مرحلة الانتخابات الرئاسية إن كان الدستور يحدد شكل الدولة أنها رئاسية. أما إذا كانت برلمانية فقد تمت تشكيلها بعد الانتخابات التشريعية من الأحزاب التي نالت مقاعد بالبرلمان.

ويجب إطلاق الحريات للنقابات وهيئات المجتمع المدني وتكوين الأحزاب والحرية في المناقشات والمناظرات والحقوق السياسية سواء في الانتخابات أو في مناقشات مواد الدستور من أجل إعطاء الشعب حق الممارسة والتوعية السياسية الكاملة.

2- مرحلة التوعية: -

تتم هذه المرحلة بالتوازي مع مرحلة الفترة الانتقالية ويتم فيها زيادة حملات التوعية للشعب عن طريق الثوار والأحزاب باستخدام مرحلة الزخم الثوري التي ولدت بعد الثورة وأيضاً بإطلاق الحريات السياسية والتعبير والمناقشات والمناظرات ومنابر الإعلام الحر والممارسة السياسية الفعالة من أجل إغناء وإثقال الشعب بالثقافة السياسية وتوعيته مهما كان تعليمه فنجد في مصر وقت الملكية أن نسبة المتعلمين كان لا تتعدى ربع الشعب ومع ذلك كان الوعي السياسي للشعب عالي جداً وكان يمارس حقوقه السياسية بقوة وبدراية عالية عندما قام الناس بالاشتراك بثورة 1919 بعد اعتقال سعد زغلول أو بعدها عندما كان ينتخب الشعب حزب أو مرشح على أساس برنامجه ورفضه لسياسة الملك والإنجليز المحتلين لمصر وقتها، ونجد نفس الأمر في سوريا ولبنان وقت الاحتلال العثماني ثم الفرنسي ورفض الشعب لهم ولسياستهم رغم قلة تعليمهم ولكن كان الوعي السياسي الذي نتج عن الممارسة السياسية هو المحرك وليس كبتها.

فتأهيل الشعوب للوعي السياسي يكون بإطلاق يده بالممارسة والعمل السياسي وليس بالتعليم والتوجيه فقط.

3- مرحلة التطهير: -

تكون هذه المرحلة في بداية البناء حيث أنه يجب على الثورة والثوار لاستكمال البناء أن يقوموا بتطهير مؤسسات الدولة من رؤوس الفساد ومن أذيال النظام القديم المدين له بالولاء حتى لا يعرقل محاولات التنمية والتوعية. ويتم هذا بالمحاسبة الثورية لرؤوس الدمار بالدولة ومن ثم لن يجرؤ أحد من ذيولهم على عرقلة عجلة البناء الثوري للوطن.

ويتم الإحلال التدريجي لهيئات الدولة بتطهيرها من الأذيال، ولا يتم هذا الإحلال فجأة حتى لا تنهدم المؤسسات. ولكن يتم التخلص من رؤوس الهرم والفساد والمؤسسات فترجع الأذيال إلى جحورها حتى يتم الإحلال التدريجي وتعيين أصحاب كفاءة وخبرة مكانهم مع وجود رقابة عليهم من الثوار.

ومن أسفل الهرم يتم تدريب كوادر وأفراد جديدة مع تأهيل أفراد أسفل الهرم المؤسسي من أجل الإحلال التدريجي. فتطهير الأفراد جزء من تطهير النظام مع تحديث منظومة الإدارة والعمل المؤسسي.

ونوضح أن المحاسبة والبناء بفكرة التطهير والاحلال للقيادات الوسطى بمراقبتها بعد قطع رؤوس الفساد من القيادات العليا أما القاعدة فيتم تجديدها وهذا ينطبق على الجيش والشرطة وكل مؤسسات الدولة التي يتفشى فيها الفساد فيتم احكامها والسيطرة على القيادات بالوسط التي تخاف من قطع رقابها كالقيادات العليا مع وجود الرقابة عليها أو من تنحيتها بوجود قاعدة جديدة على مقدار أعلى من الكفاءة والخبرة. مع محاولة تطويرها وتعليمها.

ونضع مثال وهو عدم القدرة على إحلال جهاز الشرطة زراع الفساد في وقت واحد، ولكن يكون بمحاسبة الرؤوس والقيادات كلاً حسب جرمه، ثم يتم عمل أكاديمية شرطية يكون خريجيها من حاملي الشهادات العليا مع التأهيل النفسي وكيفية التعامل وغيره، ويتم إحلالهم تدريجياً بدلاً من اذيال القيادات الذين تربوا على الظلم والفساد.

4- مرحلة تنمية التعليم: -

هذه المرحلة من الأسس المهمة التي يجب الاهتمام الشديد بها وتكون من أولويات البناء وفي بداية العمل، فهي التي ستبني الجيل القادم الذي يكمل بناء الدولة بعد وضع حجر الأساس بعد نجاح الثورة وبهذه الخطوة سيتكون الثورة حققت أهم أهدافها للأجيال التالية وهي وعي وتربية وتعليم قوي يجعل من الدولة متقدمة وصاحبة عقول مثقفة وواعية.

ويكون هذا بزيادة ميزانية التعليم وتكون صاحبة النصيب الأكبر من الموازنة العامة للدولة وبناء المدارس وتحسين وتحديث نظم التعليم من أجل مواكبة التقدم العالمي ومنها تحسين وتنمية الأخلاق والتربية الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية للفرد منذ الطفولة. فتربية الشعب والمجتمع تبدأ من الأسرة بتربية الطفل ليصبح فرداً عاملاً صالحاً واعياً لحقوقه وواجباته.

وهذا مع زيادة ميزانية البحث العلمي والفكري في كل المجالات الأدبية والعلمية. فهذا الذي يدفع إلى إخراج الأفكار والابتكارات الحديثة التي تنمي الاقتصاد، وتنمية جهات البحث المختلفة سواء العامة أو الخاصة من أجل التطوير والبناء، ودعمها مادياً ومعنوياً ودعمها بالإنتاج الذي يثري هذه الأعمال ويدفع الفرد لمزيد من العمل عندما يرى نتيجة وثمرة مجهوده يتم إنتاجها للشعوب.

5- المرحلة الاقتصادية: -

مرحلة البناء الاقتصادي قد تتأخر قليلاً بعد التطهير وتحديد دستور وشكل الدولة وحدوث الاستقرار الحكومي من أجل تحديد التوجه الاقتصادي وكيفية التنمية الاقتصادية للمشاريع التي ستقوم عليها الدولة، وهي المرحلة اللاحقة للمرحلة الانتقالية. ولكن تعمل المرحلة الانتقالية على عمل بعض الانتعاش الاقتصادي الذي يشعر الشعوب بالتغيير بدعم المشاريع الصغيرة مثلاً.

ويجب أن تحمي الدولة مواردها الأولية من النهب كالسابق بعدم تصديرها وإنما باستغلالها في التصنيع واستيراد ما يحتاجه التصنيع والإنتاج لتحويل الدولة لمنتجة وليست مستهلكة. هذا غير الإنتاج الزراعي والحيواني والبحث العلمي لتقوية أواصل الاقتصاد بالدولة وتنميتها.

-       وتكون التنمية الاقتصادية على ثلاث محاور تتوجه لإحداها الدولة وهي: -

أ‌-     المشاريع القومية طويلة المدى: -

وتتوجه فيها الدولة بكل مواردها لعمل مشروع قومي ضخم يقدم للدولة نقلة حضارية كبيرة يتم تنفيذه على المدى الطويل.

وهذا المشروع يكون بالتكاليف الضخمة ويتم تنفيذه على مدة طويلة من أجل أن يكون عائدة كبير سنوياً على مدى سنوات وقرون يدر الخير للدولة.

ب‌- المشاريع الصغيرة قصيرة المدى: -

وهي مشاريع مختلفة قصيرة المدى تقوم على دعم وتنمية المشروعات التنموية والصناعية الصغيرة ومدها بقروض طويلة الأمد من أجل بناء حياة اقتصادية بالدولة.

ويكون الدعم لأصحاب المشاريع الخاصة والمهن والمصانع المختلفة الصغيرة في كل مجالات الاقتصاد سواء الزراعة أو الصناعة أو البحث العلمي.

ج- مشاريع خماسية متوسطة المدى: -

وهي مشاريع تقوم بها الدولة على خطط خمسية (خمس أو عشر سنوات) تكون لتنمية عجلة الإنتاج والاقتصاد سواء في الزراعة أو الصناعة.

6-مرحلة التنمية الصحية والعلاجية: -

هذه المرحلة مهمة للشعوب بعد الثورات لتنمية الشعور بأن حقهم في أهم الخدمات التي يقدمها لهم وطنهم قد تحقق. حيث أن هذا حقهم فيها، فيجب تنمية الخدمات الصحية وزيادة مخصصات الصحة في الموازنة العامة وتحسين المستشفيات والرعاية الصحية بها وتوفير الأدوية اللازمة للناس.

7- مرحلة العدل والقانون: -

هي أهم المراحل ومن أوائل الخطوات التي يتم تنفيذها في مرحلة البناء لكي يشعر المواطن بحقه في الوطن حيث المساواة القانونية والدستورية، وحقه في المساءلة والتعبير عن رأيه وعدم التعدي عليه أو حبسه إلا بدليل قوي، وحقه في الدفاع عن نفسه والمساواة والمحاسبة للجميع مهما علا شأن أحدهم وألا يأمن أحد العقوبة حتى لا يسيء الأدب. مع تحقيق العدالة الناجزة.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورات ج 14 (نتائج الثورات)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

نتائج الثورات

تكون النتيجة دائماً عند نجاح الثورات مرتبطة بالهدف والملابسات التي حدثت في الثورة ولكن الأساس هو النتائج التي تعود على الدولة والمجتمع والفرد.

1-   نتائج سياسية: -

تظهر هذه النتائج بعد تعديل المسار السياسي للدولة وبناء الدولة المدنية الديمقراطية والتأسيس لحقوق الأنسان وكرامة المواطن بدستور وقانون يحميه ويحمي حياته وممتلكاته ووجود حرية سياسية وشخصية ومبادئ لحياة سياسية متحضرة ومتقدمة.

2- نتائج اقتصادية: -

تتجدد سياسة الدولة الاقتصادية نتيجة للأفكار السياسية الحديثة المبنية على الشورى والرأي المخالف والاستماع له وقبول النقاش والبحث عن مصلحة الدولة والمواطن والشعب فتكون السياسة الاقتصادية التي تسير بتوازن مع مصلحة الدولة وشعبها وليس مصلحة الحاكم وأعوانه كما كان قبل الثورة، ولا تكون بخضوع لقرارات الخارج والعمل على مصلحة الدولة.

3- نتائج اجتماعية: -

نتيجة للتفاعلات السياسية والاقتصادية السوية التي تؤسسها الثورة ونتيجة لسياسة التعليم والصحة التي تهدف لتنمية الفرد والمجتمع ومن ثم الدولة يكون التأثير واضع على المجتمع في أخلاقه وتعامله بينهم وبين الدولة وعلاقة الفرد والمجتمع والدولة من حيث الحقوق والواجبات. فتكون النتائج الحضارية والاجتماعية على المجتمع من حضارية وأهداف الثورة وتأثيرها على الفرد والمجتمع بتغيير وعيه وحياته للأفضل وعدم انجرافه وراء الأفاقين والفاسدين وتجار الدين والاعلامين.

ولكن يجب أن ننوه أن هذه النتائج لا تكون وليدة اللحظة ولكن على المدى الطويل ولكن تكون بوادرها ظاهرة للشعب وإذا لمسوا القرارات الجدية التي تتخذها الحكومة بالتقشف والإدارة السوية بالسياسة والاقتصاد فتكون دافع للشعوب في المشاركة في تحمل أعباء العمل من أجل الاستقرار والتقدم.

صراع الأجيال

من الطبيعة أن تتصادم الأجيال خصوصاً الأجيال المنفتحة على الثقافات المختلفة والتي تريد التغيير وتريد إحداث ثورة فتصطدم مع الجيل القديم الذي يتخوف دائماً من التغيير والثورات ويرضى بالأمر الواقع ويرفض التغيير ولا يرضى به ويتعايش مع الفساد حتى لا يصطدم بالتغيير وخوفاً من تحول الأمور للأسوأ لما قد يكون مر به في السابق من تجارب وفتنة طائفية أو حرب أهلية أو مشاكل اقتصادية وسياسية.

وهذا يرجع إلى اختلاف الثقافات والانفتاح على الغير فحتى لو كان الجيل القديم مثقف إلا أن انفتاح الأجيال الجديدة على الثقافات والثورات المختلفة يكون أكبر بكثير بسبب تحول العالم إلى قرية صغيرة.

ويجب هنا أن يكون هذا الصدام مفيداً للثورة وللدولة وليس قاتلاً لها. ويكون هذا عن طريق التفاهم بين الأجيال فليس مطلوب من الجيل القديم المساعدة المباشرة لعدم قدرتهم على الثورة ولكن أن يفيد الجيل الجديد بخبرته ولا يكون عائق له ويقف في وجهه وقت التغيير وإحداث الثورة من أجل الإصلاح الذي يفيد الجميع فالفائدة ستعود على الجميع وسينهل منها الأجيال القادمة.


وللحديث بقية في السلاسل القادمة