أسباب نجاح الثورات ج 15 (البناء)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

البناء

يعد النجاح الحقيقي للثورة والأساسي هو بعد أن تبدأ الثورة في بناء الدولة، فعندما تقوم الثورات تهدم الأنظمة المستبدة ولا تهدم الدولة ولكن بعد انهيار النظم الديكتاتورية يبدأ بناء الدولة وتنمية جوانبها السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية والقانونية من أجل بدأ بناء مرحلة تقدمية بالدولة.

ولكن كي يحدث هذا يجب أن يوجد بعض الأسس ووضع خطوات انتقالية للمرحلة الديمقراطية الجديدة حتى لا تقع الثورة فريسة للاستغلاليين ويقفز على الكرسي ديكتاتور آخر حتى لو كان مدني مثلما حدث في فرنسا مع نابليون بونابرت الذي حكم فرنسا بعد الثورة منذ عام 1799: 1814 وأدخلها بحروب طويلة دمرت الدولة.

ومن المهم للثوار أن يظلوا محافظين على وحدتهم الثورية ولا يتم تفتيت اتحادهم وأن يكون تجردهم للثورة خالص ولا يطمعوا بالمصالح السياسية والمناصب ولا يبحثوا عنها. وبعد الاستقرار النسبي لكل فرد مطلق الحرية والحق في الترشح لأي منصب حتى لا تحتكر الثورة المناصب منذ بدايتها ولكن يكون الأمر راجع للشعب بالاختيار لمن يمثله سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية.

وتتم فترات ومراحل التأسيس للدولة بأسلوب متدرج في بعض المواقف وبأسلوب موازي في أحيان أخرى.

1- الفترة الانتقالية: -

يكون فيها دور الثوار أساسي بوضع فترة انتقالية لا تزيد عن سنتين ولا تقل عن ستة أشهر يتم فيها تعيين مجلس وزاري يدير الدولة وإدارتها من التقنيين وأصحاب الكفاءة والخبرة مهما كانت توجهاتهم أو أفكارهم ودون النظر لدين أو جنس أو عرق بأن لا يكون للثوار من الأمر شيء حتى لا تدب الخلافات والأحقاد بين الثوار ويحاولون البحث عن المناصب والمكاسب ولا يكون هذا هدفهم بل يظل النقاء الثوري متواجد داخلهم، ويكون دورهم رقابي على المجلس الوزاري الذي يدير الدولة حتى لا يعبث بها ولا يستقل أحد بالسلطة وفي نفس الوقت حتى لا تتفتت الوحدة الثورية بينهم حتى تنتهي فترة التطهير والبناء.

ثم يتم تشكيل لجنة تأسيسية للدستور من علماء وفقهاء الدولة في القانون والدستور والدين والاقتصاد والعلم من كل طوائف المجتمع الأغلبية منها والأقلية ومن كل التوجهات السياسية حتى تتمثل جميع الطوائف والفئات بالعدل والمساواة.

ثم بعد وضع الدستور وتحديد فيه الخطوط العريضة للدولة من شكل ونظام الحكم والمرجعية للدولة وتأسيس قواعد الحريات وإطلاقها وإطلاق حرية الرأي والتعبير وحرية تشكيل الأحزاب وضمان تداول السلطة وغيرها من أسس الديمقراطية والمدنية تأتي خطوة الانتخابات للمجالس التشريعية التي تكون هي الخطوة المهمة في تأسيس الرقابة على السلطة التنفيذية. وتتم بشفافية ومصداقية وحرية فلكل فرد حقه في الانتخاب والترشح والاعتراض بكامل حرية.

وقد يطرح من البعض أن تكون الانتخابات البرلمانية للمجالس التشريعية قبل الدستور لكي يشكل البرلمان المنتخب من الشعب هذه اللجنة التأسيسية للدستور ولكن الأفضل هو العكس. وهذا لأن الشعب الذي لم يمارس الديمقراطية في اختياره للمرشحين في المجالس التشريعية سيكون معرض للأخطاء وهذا طبيعي ولابد أن يحدث حتى يستطيع الشعب التعلم من أخطائه فيما بعد وهذه فائدة الديمقراطية والممارسة السياسية الحرة، ولأن هذه الاختيارات يمكن تعديلها بعد انتهاء الفترة البرلمانية. أما إن قام الشعب باختيار الهيئة التأسيسية للدستور أو أعضاء المجلس التشريعي الذي قد لا يكون اختياراً سليماً وبدوره يختار المجلس أعضاء هذه الهيئة التأسيسية للدستور فقد تكون ليست هيئة على أكمل وجه وقد تخرج للدولة دستور معيب عن هذه الهيئة التي ربما ليست مؤهلة لوضع دستور للبلاد فيتطلب التعديل وهذا لا يصح لأن الدستور لا يجب أن يكون عرضه للتعديل بوقت قريب أو حتى بعيد أو التعديل المتعدد أو التغيير وإلا أصبح لعبة بأيدي أي أحد قد يأتي للسلطة فيحاول التغيير فيه على حسب مصلحته ومن ثم يستبد بالسلطة.

وتأتي بعد هذا مرحلة الانتخابات الرئاسية إن كان الدستور يحدد شكل الدولة أنها رئاسية. أما إذا كانت برلمانية فقد تمت تشكيلها بعد الانتخابات التشريعية من الأحزاب التي نالت مقاعد بالبرلمان.

ويجب إطلاق الحريات للنقابات وهيئات المجتمع المدني وتكوين الأحزاب والحرية في المناقشات والمناظرات والحقوق السياسية سواء في الانتخابات أو في مناقشات مواد الدستور من أجل إعطاء الشعب حق الممارسة والتوعية السياسية الكاملة.

2- مرحلة التوعية: -

تتم هذه المرحلة بالتوازي مع مرحلة الفترة الانتقالية ويتم فيها زيادة حملات التوعية للشعب عن طريق الثوار والأحزاب باستخدام مرحلة الزخم الثوري التي ولدت بعد الثورة وأيضاً بإطلاق الحريات السياسية والتعبير والمناقشات والمناظرات ومنابر الإعلام الحر والممارسة السياسية الفعالة من أجل إغناء وإثقال الشعب بالثقافة السياسية وتوعيته مهما كان تعليمه فنجد في مصر وقت الملكية أن نسبة المتعلمين كان لا تتعدى ربع الشعب ومع ذلك كان الوعي السياسي للشعب عالي جداً وكان يمارس حقوقه السياسية بقوة وبدراية عالية عندما قام الناس بالاشتراك بثورة 1919 بعد اعتقال سعد زغلول أو بعدها عندما كان ينتخب الشعب حزب أو مرشح على أساس برنامجه ورفضه لسياسة الملك والإنجليز المحتلين لمصر وقتها، ونجد نفس الأمر في سوريا ولبنان وقت الاحتلال العثماني ثم الفرنسي ورفض الشعب لهم ولسياستهم رغم قلة تعليمهم ولكن كان الوعي السياسي الذي نتج عن الممارسة السياسية هو المحرك وليس كبتها.

فتأهيل الشعوب للوعي السياسي يكون بإطلاق يده بالممارسة والعمل السياسي وليس بالتعليم والتوجيه فقط.

3- مرحلة التطهير: -

تكون هذه المرحلة في بداية البناء حيث أنه يجب على الثورة والثوار لاستكمال البناء أن يقوموا بتطهير مؤسسات الدولة من رؤوس الفساد ومن أذيال النظام القديم المدين له بالولاء حتى لا يعرقل محاولات التنمية والتوعية. ويتم هذا بالمحاسبة الثورية لرؤوس الدمار بالدولة ومن ثم لن يجرؤ أحد من ذيولهم على عرقلة عجلة البناء الثوري للوطن.

ويتم الإحلال التدريجي لهيئات الدولة بتطهيرها من الأذيال، ولا يتم هذا الإحلال فجأة حتى لا تنهدم المؤسسات. ولكن يتم التخلص من رؤوس الهرم والفساد والمؤسسات فترجع الأذيال إلى جحورها حتى يتم الإحلال التدريجي وتعيين أصحاب كفاءة وخبرة مكانهم مع وجود رقابة عليهم من الثوار.

ومن أسفل الهرم يتم تدريب كوادر وأفراد جديدة مع تأهيل أفراد أسفل الهرم المؤسسي من أجل الإحلال التدريجي. فتطهير الأفراد جزء من تطهير النظام مع تحديث منظومة الإدارة والعمل المؤسسي.

ونوضح أن المحاسبة والبناء بفكرة التطهير والاحلال للقيادات الوسطى بمراقبتها بعد قطع رؤوس الفساد من القيادات العليا أما القاعدة فيتم تجديدها وهذا ينطبق على الجيش والشرطة وكل مؤسسات الدولة التي يتفشى فيها الفساد فيتم احكامها والسيطرة على القيادات بالوسط التي تخاف من قطع رقابها كالقيادات العليا مع وجود الرقابة عليها أو من تنحيتها بوجود قاعدة جديدة على مقدار أعلى من الكفاءة والخبرة. مع محاولة تطويرها وتعليمها.

ونضع مثال وهو عدم القدرة على إحلال جهاز الشرطة زراع الفساد في وقت واحد، ولكن يكون بمحاسبة الرؤوس والقيادات كلاً حسب جرمه، ثم يتم عمل أكاديمية شرطية يكون خريجيها من حاملي الشهادات العليا مع التأهيل النفسي وكيفية التعامل وغيره، ويتم إحلالهم تدريجياً بدلاً من اذيال القيادات الذين تربوا على الظلم والفساد.

4- مرحلة تنمية التعليم: -

هذه المرحلة من الأسس المهمة التي يجب الاهتمام الشديد بها وتكون من أولويات البناء وفي بداية العمل، فهي التي ستبني الجيل القادم الذي يكمل بناء الدولة بعد وضع حجر الأساس بعد نجاح الثورة وبهذه الخطوة سيتكون الثورة حققت أهم أهدافها للأجيال التالية وهي وعي وتربية وتعليم قوي يجعل من الدولة متقدمة وصاحبة عقول مثقفة وواعية.

ويكون هذا بزيادة ميزانية التعليم وتكون صاحبة النصيب الأكبر من الموازنة العامة للدولة وبناء المدارس وتحسين وتحديث نظم التعليم من أجل مواكبة التقدم العالمي ومنها تحسين وتنمية الأخلاق والتربية الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية للفرد منذ الطفولة. فتربية الشعب والمجتمع تبدأ من الأسرة بتربية الطفل ليصبح فرداً عاملاً صالحاً واعياً لحقوقه وواجباته.

وهذا مع زيادة ميزانية البحث العلمي والفكري في كل المجالات الأدبية والعلمية. فهذا الذي يدفع إلى إخراج الأفكار والابتكارات الحديثة التي تنمي الاقتصاد، وتنمية جهات البحث المختلفة سواء العامة أو الخاصة من أجل التطوير والبناء، ودعمها مادياً ومعنوياً ودعمها بالإنتاج الذي يثري هذه الأعمال ويدفع الفرد لمزيد من العمل عندما يرى نتيجة وثمرة مجهوده يتم إنتاجها للشعوب.

5- المرحلة الاقتصادية: -

مرحلة البناء الاقتصادي قد تتأخر قليلاً بعد التطهير وتحديد دستور وشكل الدولة وحدوث الاستقرار الحكومي من أجل تحديد التوجه الاقتصادي وكيفية التنمية الاقتصادية للمشاريع التي ستقوم عليها الدولة، وهي المرحلة اللاحقة للمرحلة الانتقالية. ولكن تعمل المرحلة الانتقالية على عمل بعض الانتعاش الاقتصادي الذي يشعر الشعوب بالتغيير بدعم المشاريع الصغيرة مثلاً.

ويجب أن تحمي الدولة مواردها الأولية من النهب كالسابق بعدم تصديرها وإنما باستغلالها في التصنيع واستيراد ما يحتاجه التصنيع والإنتاج لتحويل الدولة لمنتجة وليست مستهلكة. هذا غير الإنتاج الزراعي والحيواني والبحث العلمي لتقوية أواصل الاقتصاد بالدولة وتنميتها.

-       وتكون التنمية الاقتصادية على ثلاث محاور تتوجه لإحداها الدولة وهي: -

أ‌-     المشاريع القومية طويلة المدى: -

وتتوجه فيها الدولة بكل مواردها لعمل مشروع قومي ضخم يقدم للدولة نقلة حضارية كبيرة يتم تنفيذه على المدى الطويل.

وهذا المشروع يكون بالتكاليف الضخمة ويتم تنفيذه على مدة طويلة من أجل أن يكون عائدة كبير سنوياً على مدى سنوات وقرون يدر الخير للدولة.

ب‌- المشاريع الصغيرة قصيرة المدى: -

وهي مشاريع مختلفة قصيرة المدى تقوم على دعم وتنمية المشروعات التنموية والصناعية الصغيرة ومدها بقروض طويلة الأمد من أجل بناء حياة اقتصادية بالدولة.

ويكون الدعم لأصحاب المشاريع الخاصة والمهن والمصانع المختلفة الصغيرة في كل مجالات الاقتصاد سواء الزراعة أو الصناعة أو البحث العلمي.

ج- مشاريع خماسية متوسطة المدى: -

وهي مشاريع تقوم بها الدولة على خطط خمسية (خمس أو عشر سنوات) تكون لتنمية عجلة الإنتاج والاقتصاد سواء في الزراعة أو الصناعة.

6-مرحلة التنمية الصحية والعلاجية: -

هذه المرحلة مهمة للشعوب بعد الثورات لتنمية الشعور بأن حقهم في أهم الخدمات التي يقدمها لهم وطنهم قد تحقق. حيث أن هذا حقهم فيها، فيجب تنمية الخدمات الصحية وزيادة مخصصات الصحة في الموازنة العامة وتحسين المستشفيات والرعاية الصحية بها وتوفير الأدوية اللازمة للناس.

7- مرحلة العدل والقانون: -

هي أهم المراحل ومن أوائل الخطوات التي يتم تنفيذها في مرحلة البناء لكي يشعر المواطن بحقه في الوطن حيث المساواة القانونية والدستورية، وحقه في المساءلة والتعبير عن رأيه وعدم التعدي عليه أو حبسه إلا بدليل قوي، وحقه في الدفاع عن نفسه والمساواة والمحاسبة للجميع مهما علا شأن أحدهم وألا يأمن أحد العقوبة حتى لا يسيء الأدب. مع تحقيق العدالة الناجزة.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم