نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية
وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة
المدنية
من المهم عند وضع أسس لدولة ديمقراطية أن يوضع لها أسس
المدنية وهذه إحدى مراحل البناء في الدول والتي يجب أن تكون في مقدمة الدولة لأن بها
يتم تطبيق العدل والديمقراطية والمساواة وما غير ذلك من أسس الحياة السوية لبناء
دولة متقدمة ومتحضرة.
ولكن في البداية لابد من معرفة ما هي أسس الدولة المدنية
والتي إن انتقص بها إحدى هذه الأسس تكون عرضة للتحول لدولة ديكتاتورية وعسكرية أو ثيوقراطية
والتي تؤدي إلى دمار الوطن في النهاية من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية
والتعليمية والصحية والقانونية.
1- ضمان تداول السلطة بشكل سلمي: -
من المهم ألا تتركز السلطة بيد فرد أو جماعة أو حزب وأن
يتم تداول السلطة بطريقة شرعية وسلمية عن طريق الانتخاب الحر المباشر للشعب. فإن
حدث العكس أصبحت الدولة ديكتاتورية من الدرجة الأولى ويترتب على هذا تدمير الحريات
والرقابة وانتشار الفساد والاستبداد والديكتاتورية مثلما يحدث في الدول العربية
جميعاً بلا استثناء وفي رومانيا وقت حكم تشاوشيسكو (1967: 1989) وروسيا البلشفية (1917:
1990) وغيرها من الدول التي تمركزت بها السلطة بيد فرد أو حزب أوحد.
2- الفصل بين السلطات: -
وتتكون السلطات من: -
أ- سلطة تشريعية.
ب- سلطة تنفيذية.
ج- سلطة قضائية.
فمن أسس المدينة السليمة هو الفصل بين السلطات التنفيذية
والتشريعية والقضائية من أجل ضمان تحقيق باقي نقاط المدنية، فيجب عدم تحكم السلطة
التنفيذية بباقي السلطات التي هي مخول إليها مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية
بكامل أعضائها وهيئاتها، لأن تحكم السلطة التنفيذية في السلطة المراقبة لها سيجعلها
لعبة في أيديها بل وستضيع حقوق الشعوب بهذا.
فتكون السلطة التشريعية مراقبة للسلطة التنفيذية ومحاسبة
لها ومعبرة عن سلطة الشعب وإرادته وهي من تراقي على الانتخابات ومخول لها نقل
السلطة بشكل سلمي وهذا لكيلا ينفرد أحد من السلطة التنفيذية بسلطة البلاد ومنها تتحول
إلى ديكتاتورية وحكم شمولي.
وتكون السلطة القضائية هي الرقيب على السلطات والفاصل
بينها ومراقبة الانتخابات وتحقيق العدالة القانونية ومراقبة تصرفات السلطة
التنفيذية في تطبيق القانون. فإن أفلتت السلطة التنفيذية من السلطة القضائية لاستبدت
بالحكم واعتقلت كل من يعارضها.
السلطة التنفيذية هي الإدارة للدولة وتكون منفذة لإرادة
ورغبة الشعب وتخضع للسلطات السابقة ولا تهيمن عليها فإن حدثت هذه الهيمنة لدمرت
الدولة وتحولت لحكم استبدادي شمولي.
3- تحقيق الحقوق السياسية: -
وتتمثل هذه الحقوق في ثلاثة أوجه أو ثلاثة حقوق إن تحققت
كانت الدولة مثال للديمقراطية والمدنية والعدل والحريات وتحققت بها الرقابة على السلطة
التنفيذية وأصبح الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها أما إذا لم تتحقق لن يكون في مقدور
أحد التفوة ببنت شفة ولتركزت السلطة في يد فرد استبد بالدولة وبالشعب وبالتالي لن
تتحقق الديمقراطية والمدنية بل ستتحول الدولة إلى ديكتاتورية سواء عسكرية أو
ثيوقراطية ومنها ستدمر الحياة الاجتماعية والعدالة القانونية وسيختل التوازن الاجتماعي
وستنتهي العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
وتضمن تحقيقها الفصل بين السلطات والمراقبة على تنفيذ
الانتخابات وإجراءاتها.
أ- حق الانتخاب: -
ويكون بإعطاء الشعب حق الممارسة الديمقراطية لزيادة الوعي
السياسي لديهم ولتحقيق حقهم في اختيار من ينوب عنهم سواء في السلطة التشريعية أو
السلطة التنفيذية وكذا في انتخابات المدن ومحلياتها والنقابات دون سيطرة أو توجيه
من أحد لهم، مع عدم استخدام أي وسائل ضغط بسبب الظروف الاقتصادية التي يعيشها
الشعب.
ت- حق الترشح: -
ويكون بإعطاء الحق لكل مواطن في الترشح لأي منصب دون
اعتراض من أحد ويكون الاختيار في النهاية للشعب صاحب السلطة الذي بيده يقرر إن كان
يصلح الشخص المرشح للمنصب أم لا على أساس ما يقدمه المرشح في برنامجه الانتخابي.
ج- حق الاعتراض: -
وهو حق كل فرد في رفض أو قبول ما يراه من قرارات في الدولة
وحقه في كيفية إظهار اعتراضه على الملأ دون خوف من أي سلطة طالما يظهر اعتراضه
بطريقة لا يوجد فيها خطأ أو تعدي على أي منشأة أو ممتلكات عامة أو خاصة، بل ومن حق
كل فرد الترويج لأفكاره طالما لا يوجد بها أي خطأ وما هي إلا أفكار لصالح الوطن.
4- الشعب مصدر السلطة: -
مع تحقيق الحقوق السياسية للمواطنين وتداول السلطة بشكل
سلمي إلى من يختاره الشعب عن طريق الانتخابات والصناديق سواء في انتخابات للسلطة
التنفيذية أو التشريعية يتحقق بهذا قوة الشعب في توجيه أقداره بل ويكون هو مصدر
السلطة وأساساها في الدولة ويكون هو رأسها وقاعدتها فمنه الاختيار وله التنفيذ.
ومن هنا تكون له حق المراقبة والمحاسبة عن طريق نواب
الشعب بالسلطة التشريعية التي هي من واجبها مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها على
أي خطأ أو عن طريق المساءلة المباشرة لمن يرتأى فيه الفساد أو الانحراف عن طريق
السلطة القضائية.
ومن هنا تأتي الشرعية السياسية التي يعطيها الشعب صاحب
السلطة لمن يختاره كنائب عنه في السلطة التشريعية أو التنفيذية بانتخابه بعد
الموافقة على برنامجه أو بالموافقة على استمراره بالسلطة بالمدة القانونية التي
يحددها الدستور دون إسقاط شرعيته الانتخابية طالما لم يحدث منه انحراف أو فساد.
5- المواطنة: -
تأتي المواطنة من إحساس الفرد المواطن بحقه بالوطن
وانتماءه له ويولد هذا من خلال ما تقدمه له الدولة من خدمات وعدل في الحقوق
ومساواة في الواجبات وعدم التعدي على حريته الشخصية وحقوقه العامة والتي تنمي بهذا
شعوره بالانتماء للوطن وعدم التخلي عنه.
وتأتي مقومات المواطنة من عدة عوامل هي أساس تنميتها
داخل الفرد المواطن ولا تتحقق هذه المقومات إلا عن طريق الدولة وحكومتها.
1-
المساواة
بين الأفراد أمام القانون وعدم شعور أحد بأنه أمن من العقوبة وإلا شعر باقي أفراد
الدولة بعدم المساواة وأنه يوجد طبقة تسيء الأدب لأنها أمنت العقاب وإقامة العدل
وتحقيقه.
2-
حق
المشاركة في الموارد بالدولة وهذا يأتي عن طريق الحصول على الخدمات التي توفرها
الدولة للمواطن بعد تحقيق مكاسب من مواردها الزراعية والصناعية وعدم السيطرة عليها
ممن بالسلطة أو لرجال أعمال وعدم حصول المواطن على شيء من عوائدها.
3-
تملك
الشعب لسلطته وحقه في اختيار من يشاء ليمثله دون سيطرة من أحد.
4-
عدم
مركزية القرار وعدم السيطرة على قرارات المجتمع المدني والسياسي والنقابات.
5-
عدم
وجود تفرقة على أي أساس سواء ديني أو لون أو جنس.
6-
التمتع
الكامل للشعب بالحقوق السياسية.
7-
التمتع
بالحقوق القانونية الكاملة وحق المساءلة لأي شخص.
8-
تحقيق
الأمن والأمان لأفراد الشعب بالعدالة الناجزة.
9-
الحصول
على كافة الخدمات الأساسية وتحقيق البنية التحتية الكاملة لأقصى الدولة كداخلها.
10- التعايش السلمي للأفراد دون أي خلاف بين أحد على
أساس عرقي أو مذهبي.
6- العدل: -
يجب على الدولة لتحقيق المواطنة أن تحقق العدل وسيادة
القانون على الجميع وحق المساءلة لأي فرد في الدولة والمساواة أمام القانون حتى لا
يأمن أحد العقاب على فعل ارتكبه.
ومن المهم لتحقيق العدل هو قوة القانون وتنفيذه وسرعة
التحقيق والتنفيذ ولا تكون العدالة بطيئة فيكون المواطن كارهاً للتقدم للعدالة
لعدم قدرتها على إنجازه بل ولعدم المساواة في القانون وعدم محاسبة أصحاب المناصب
فتتحول الدولة إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف ولا يستطيع الفقير والضعيف أن ينال
حقه من القوي. فيموت داخل المواطن إحساسه بالأمن والأمان والانتماء للوطن.
7- المساواة: -
يشعر المواطن بحقه في الوطن ومواطنته عندما يشعر
بالمساواة مع الجميع وأنه لا يعلو أحد على غيره لمنصب أو شرف وخاصةً عندما يستطيع
الحصول على الفرص كغيره فيشعر بتكافؤ الفرص في الدولة
وعندما ينال المواطن حقوقه التعليمية والصحية كاملة
كغيره حتى إن لم يكن قادراً تكون تحققت له المساواة والعدالة الاجتماعية وعدالة
التوزيع الاقتصادية عندما يحصل على التعليم الجيد والرعاية الصحية السليمة وبالتالي
يتحقق له تكافؤ الفرص في الحصول على التوظيف المناصب مع تعليمه وليس بطريقة أخرى
عن طريق المعارف والوسائط.
وبالتالي يحصل المواطن على فرصه في الترقي لقدراته
وخبراته العلمية والتعليمية وليس عن طريق آخر.
ومع تحقيق المساواة في الخدمات والحقوق وتكافؤ الفرص يكون
المواطن مالكاً لنفسه وتتولد بداخله الإرادة في المعرفة والتعلم بكثرة لأنه
سيستفيد من تعليمه وعلمه المتزايد أما إذا حدث العكس فقد المواطن الرغبة في التعلم
لأنه بالنهاية لن يعمل ما يريده ويحبه وتعلمه فيفقد الرغبة في التعليم وإفادة
الوطن وبالتالي يفقد الانتماء للوطن.
ويحق لكل مواطن في أقصى الدولة الحصول على الخدمات
الكاملة الصحية والتعليمية كمن بداخل الدولة والحصول على البنية التحتية والأساسية
بالدولة وعدم إهمال الدولة لأقصى المدن والقرى بالدولة بل الاهتمام بها كالمدن
الداخلية وعدم التفرقة ليشعر المواطن بالمساواة وتحقيق العدل في التوزيع والحقوق
والواجبات والخدمات.
8- الحرية الشخصية: -
تمثل الحرية الشخصية للمواطن في امتلاكه لحقه ليس في فعل
ما يحلو له طالما لا يضر غيره ولكن يتمثل أكثر في عدم فعل ما لا يريد ودون إجبار
من أحد له. وتتمثل أيضاً في حرية العقيدة وعدم التعدي عليها وحرية العبادة دون
تقويض لها.
ومن هنا يتضح أن من أسس المواطنة وتحقيق المدنية بالدولة
هو عدم التعدي على الحرية لأحد إلا عندما يجرم في حق الغير. وعليه يكون من حق كل
فرد التملك والحرية الشخصية الكاملة دون تقويض أو مراقبة أو منع من أجل شعور الأقليات
بالحرية الشخصية والعقائدية دون تعدي ومنها شعور المواطن للانتماء للوطن والذوبان
في بوتقة الوطن دون خلافات طائفية أو مذهبية أو عرقية.
9- العدالة الاجتماعية: -
من المهم تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس في الوطن
من أجل أن يستقر في نفس المواطن أن حقه لا يضيع وأن غيره يحصل على حقوقه وأكثر ولا
يستطيع أن يستفيد من وطنه في الخدمات والحقوق.
وتحقق الدولة هذه العدالة عن طريق توزيع عادل للثروة
والمرتبات وتحقيق الضمان الاجتماعي للشعب وتنمية التكافل بين الناس وتنمية المجتمع
المدني ومساعدة الناس لبعضها البعض، ولكي يشعر المواطن بعدم نهب حقه وأنه يذهب إلى
غيره.
وعلى الدولة تحقيق العدالة عن طريق توفير الخدمات الأساسية
للمواطن الفقير مجاناً عن طريق الضرائب التي تتحصل عليها من الأغنياء ومن الشركات
الكبرى وبالتالي تساوي الجميع في الحصول على الخدمات الأساسية للحياة.
10- قبول الآخر والتسامح: -
من أسس الدولة المدنية والمواطنة وتأصيلها في نفس المواطن
هي قبول الآخر وقيم التسامح والتعايش بين الأعراق والطوائف والأديان المختلفة من
أجل انصهار المجتمع في بوتقة الوطن والمحافظة عليه من أي تفتت بسبب الاختلافات
المذهبية أو الدينية أو العرقية.
11- التعددية: -
يجب قبول التعددية الحزبية والأفكار المختلفة وهذا يأتي
من وجود الحقوق السياسية وحق الاعتراض على الآخر فتتولد الأحزاب السياسية ويخلق
المجتمع المدني والسياسي وأيدولوجياته والنقابات الحرة، ومن هنا ينفجر الوعي السياسي
للمواطنين وحرية التعبير والعمل السياسي والاختلاف وتقديم البرامج الانتخابية
للشعب والعمل والمراقبة للحكومة من أجل مصلحة الوطن.
12- الثيوقراطية والعسكرية: -
لتقام الدولة المدنية يجب ألا تقام على أساس الحكم باسم
الدين أي لا يوجد سلطة كهنوتية وعدم استخدام الدين من أجل الأهداف السياسية فلا يحق
لأحد أن يكون مفوض من الله في الحكم أو أن كل قرار هو من عند الله فهذا مرفوض
فالمرجعية الدينية للدولة شيء والحكم باسم الدين شيء آخر مرفوض وإلا أتهم كل من
خالف الدولة بأنه ضد الدين وبهذا تسقط حقوق المواطن في الاعتراض والتعبير وهذا غير
مقبول في الدولة المدنية.
وهكذا نفس الأمر في الدولة العسكرية التي تحكم باسم
الفاشية الوطنية بل وتجعل من كل معارض لها هو معارض للوطن وتنعته بالخائن والعميل
وتتحول الدولة للاستبداد والديكتاتورية.
13- المراقبة والمحاسبة والمساءلة:
-
من أهم النقاط للحفاظ على مدنية الدولة هو فاعلية المواطن
في الدولة وكونه مواطن فعال في العمل المجتمعي والسياسي يجعله مراقباً للحكومة
وتصرفاتها ومراقباً حتى لنوابه في السلطة التشريعية المراقبة على السلطة التنفيذية.
ويجب على كل مواطن ألا يثق إلى أبعد الحدود في الحكومة وأعضائها فكل منصب فاسد لصاحبه
طالما لم يراقب ولم يحاسب على فعلته إن أخطأ بقراراته.
ومن هنا يولد المواطن الفعال والمراقبة والمحاسبة للدولة
وحق كل فرد في المساءلة لأي شخص في الدولة بيده قرار حتى لا يأتي اليوم الذي يستبد
به لأنه لم يجد من يحاسبه. فالمحاسبة والمسائلة تؤدي إلى تقليل نسبة الخطأ وتصحيحه
إن حدث، وإلى التطوير والتقدم وعدم التأخر والجمود.
14- تحقيق دولة القانون: -
وتتحقق عن طريق: -
تحقيق سيادة القانون على الجميع دون تفرقة وبمساواة
للجميع.
عدم
إهدار القانون من القضاء. فلا يقوم القضاء بإهدار القانون بل عليه إتباعه لتحقيق
القانون وقوة الشعب، ولا يهدره ليرضي الحاكم.
احترام الدولة والسلطة التنفيذية للقانون. فتنفذ
الأحكام والقانون، ولا يهد حق المواطن القانوني ولا ينتهك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم