ما يجري في مصر الآن تعدى ما يمكن أن يكون مجرد خيانة أو عمالة، ولكنه أتضح أنه عمل ممنهج لتدمير وتفريغ مصر والإنسان المصري من كل القيم والمبادىء والأخلاق بل والتاريخ.
فمنذ انقلاب يونيو ١٩٥٢ ولكي يحافظ الديكتاتور ناصر على منصبه ويقويه ويمنع أي أحد ذو علم أن يقف ضده وقد بدأ تدمير التعليم شيئاً فشيئاً ولكنه لم يظهر جلياً في فترة الخمسينات والستينات التي كانت ما يزال بها بواقي من النخب المثقفة السابقة التي تلقت تعليمها في الأربعينات وما قبلها، وهذا لا يعني أن الفترة الملكية سوية ولكن كان على الأقل التعليم بحال أفضل.
فكانت الحياة الثقافية في فترة الخمسينات وما تلاها رغم ما فيها من أساتذة ومثقفين إلا أنهم كان منهم المضغوط عليه، ومنهم المغضوب عليه من قبل النظام فلا يستطيع فعل شيء أو الحديث عما يحدث من استبداد وبداية في الديكتاتورية العسكرية وامبراطورية الضباط، وكان منهم الأفاقين بالفعل وساعد بشكل أو بآخر في الاستبداد وتوطيد أركانه.
فلم تستطع الحركة الثقافية الاستمرار في دفع الوعي للأعلى بسبب البدء في تدمير التعليم والثقافة والتي ظهرت نتائجها في السبعينات وبداية الإنفتاح، ولكن كان عصر مبارك هو وقت الدفع بقوة لتدمير التعليم في كل جهة وبقوة شديدة.
فكانت نتيجة هذا التدمير أجيال لا تستطيع القراءة رغم أنهم يحملون شهادات عليا وضاعت الشهادات المتوسطة التي هي عامل مهم في الإنتاج، وأجبال لا تعي حقوقها ومستسلمة،
كل هذا كان يمشي بوتيرة بطيئة بالنسبة لما يحدث الآن فلم يمس أحد منهم التاريخ والمواطن المصري بهذا الشكل المتسارع في مدة عشرة سنوات فقط.
فمع وجود بروتوكلات تم تفعيلها في السابق لنظم تعليم ومحاولات خاصة في التربية والتعليم لجعله أفضل ووجود مكتبات القراءة التي كانت تبيح بعض الكتب للقراء، كان ما يزال البعض يحافظ على قدر من التربية والتعليم.
أما الآن فما يحدث هو تفريغ كامل للمواطن من تاريخه وأخلاقه ودينه وقيمه ومبادئه حتى لا يظل لديه ما يحارب من أجله ويستسلم، وهذه طريقة الإحتلال وليس الديكتاتور فقط.
ما يفعله الاستبداد العسكري الآن هو تشكيل وعي جديد على أيديهم يكون متناسب معهم ومع مرحلتهم القذرة التي يريدون من الشعب تقبلها والتعايش معها ومع القبح الحجري حتى في تماثيل النحت والروح المسروقة مثل كل شيء بالدولة المنهوبة في كروشهم فيعملون على تدمير المواطن وتفريغه من دينه كما قيل يوماً ما أن الرئيس مسئول عن دين الشعب، وبالتالي يتم تفريغ المواطن من فكره بوجود الجهل المنتشر على الساحة الاعلامية والتعليمية والثقافية وللأسف ينجحون في هذا وما نراه على السوشيال ميديا من تجهيل ولجان تشتيت ونخب متفرقة تحارب بعضها وأشخاص يكفرون ويجهل ويخونون بعضهم البعض خير مثال لنجاح النظام في هذا، وما يظهر من أشخاص معدومي الموهبة يتصدرون الساحة الثقافية والفنية والفكرية تجعلنا نرى زمن أنصاف المواهب كزمن جميل، وأيضاً نرى التعليم كيف صار مجرد ورقة فارغة لا تسوى شيء في المجال التعليمي، وهكذا في الاقتصاد، ناهيك عن الحياة الاجتماعية التي أصبحت مفككة وأشخاص يقتلون بعضهم البعض حرفياً سواء بالسكين أو بمطرقة على الرأس أو بعبودية عمل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم