-أسس تحقيق دولة القانون: -
من الأسس السابقة
والقوانين والنقاط التي تحدثنا عنها وشرحناها بالأبواب السابقة خاصة باب السياسة نجد
أن الفكر الإسلامي يحقق دولة القانون بأسسها الحديثة وهي: -
1- سيادة القانون والدستور: -
فنجد موقف
مدينة سمرقند واحتكامهم للقاضي الذي نصرهم على القائد المسلم وأمر بخروج الجيش من
المدينة لأن القائد قد اتفق معهم على هذا، وموقف علي بن أبي طالب وقتما كان الخليفة
وامتثاله مع اليهودي أمام القاضي بل وحكم القاضي لصالح اليهودي في حادثة درع صفين،
لهو دليل على سيادة القانون والدستور على الجميع.
2- عدم إهدار القانون من السلطة القضائية: -
وجدناها بوصايا
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم للقضاة، وبرسالة القضاء لعمر بن الخطاب، وموقف
القاضي في قضية سمرقند ومع علي بن أبي طالب في قضية درع صفين مع اليهودي السابق ذكرهم
أنهم أدلة لعدم هدر القانون بل العمل على تحقيقه وحمايته من قبل القضاة.
3- احترام الدولة للقانون وأحكام القضاء: -
من موقف حادثة
سمرقند السابق ذكره، وموقف علي بن أبي طالب في حادثة درع صفين لهو دليل على احترام
الدولة لأحكام القضاء وتنفيذها مهما كان الحكم.
4- توفير أدوات العدالة للمواطنين على حد سواء: -
من موقف اليهودي
في حادثة درع صفين عندما طلب الاحتكام للقاضي، وشكوى أهل سمرقند للقاضي بما فعله
القائد معهم ودخوله للمدينة بالجيش، وموقف الفتى القبطي الذي ذهب لعمر بن الخطاب
يشكو له ما فعله فيه ابن عمرو بن العاص والي مصر. وما حدث فيهم من أحكام لصالح من
له الحق دون النظر لشرف أو مكانة أو منصب المشكو في حقه لهو دليل على توفير أدوات تحقيق
العدالة للجميع على حد سواء ودون أي تفرقة.
5- حق المساءلة مكفول للجميع: -
من الموقف
الذي حدث مع عمر بن الحطاب عندما قال له أحد الحاضرين لا نسمع ولا نطيع فحدث أن بعث
إلي عمر بحللٍ فقسمها فأصاب كل رجل ثوبٌ. ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان،
فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر: لمَ يا أبا عبد الله؟
قال: إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة. فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله. ثم نادى:
يا عبد الله. فلم يجبه أحد فقال: يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين.
فقال: نشدتك الله، الثوبُ الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم قال سلمان: فقل
الآن نسمع.
فيتضح أن حق
المساءلة والتخطيء للحاكم مكفول للجميع دون خوف أو رهبة.
6- الفصل والتمايز بين السلطات: -
وقد شرحنا بنقطة
التمايز بين السلطات بالباب الأول ما يكفي ليدلل على أن الفكر الإسلامي عامة والقانوني
خاصة يحقق مبدأ الفصل والتمايز ومنها موقف علي بن أبي طالب مع اليهودي بحادثة درع صفين،
وموقف أهل مدينة سمرقند.
فتم فيهم تحقيق
أحكام القضاء وتنفيذها دون تأثير من السلطة التنفيذية التي بيد الحاكم (الخليفة وقتها).
7- مراقبة ومراجعة قرارات الدولة: -
وهذا نجده
بموقف النبي عندما راجعه الحباب في اختياره لمكان غزوة بدر وقال له: يا رسول الله،
أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو
الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول
الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعورّ
ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا
يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار
حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعوّرت وبنى حوضًا على
القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية، ونجده بموقف عمر بن الخطاب
مع المرأة بالمسجد التي صححت له أمراً وراجعته في فيه وعندما تبين خطأه تراجع عن
قراره، ونجده في موقف أرض العراق السابق ذكره بالباب الأول عندما رفضه بعض الصحابة
وراجعوا قراره وجادلوه حتى أقنعهم.
فيدلل هذا
على حق المراجعة والمساءلة للحاكم وكل القرارات التي تتخذها الدولة وهذا الحق مكفول
لكل فرد لأنه هو صاحب السلطة في الدولة.
8- تحقيق العدالة للجميع على السواء: -
من موقف النبي
عندما رفض الشفاعة في المرأة المخزومية التي سرقت بحكم أنها ذات شرف في قومها، وعندما
بحث النبي عن الحق في موقف اليهودي الذي أتهم بالسرقة من قبل قوم شخص يدعى طعمة كان
هو السارق وأرادوا إلصاق التهمة باليهودي، وموقف القبطي المصري وشكواه لعمر بن الخطاب
مما فعله به ابن عمرو بن العاص والي مصر، وموقف اليهودي مع علي بن أبي طالب في قضية
درع صفين، وموقف أهل سمرقند. لهي أدلة على تحقيق العدالة للجميع على السواء دون
أدنى تفرقة على أساس دين أو عرق أو جنس وعدم الانتقائية في تطبيق القانون.
9- العدالة الناجزة: -
وقد وجدناها
بوصايا النبي في الأحاديث الخاصة بالقضاء ورسالة عمر بن الخطاب في القضاء بسرعة الحكم
بعد التمحيص أي ليس بسرعة قصوى ولكن بدقة، وسرعة تنفيذ الحكم وإعلانه حتى لا ييأس الناس
من تحقيق العدالة، ولا يحدث بطيء في العدل، فيسوء الأدب من يأمن تحقيق العدل.
فيجب أن يشعر المواطن بأن القانون يحميه وأن العدل يتحقق وبسرعة لكي يزيد انتماءه لوطنه، أما إذا حدث العكس وكانت العدالة بطيئة غير ناجزة والقوانين مجحفة كلما زاد كره الفرد لوطنه لأنه لا يشعر فبه بالأمان، ولن يحدث رادع للجريمة ببطئه في التقاضي، فبهذا تتحقق دولة القانون وسيادته ويثق المواطن في الدولة ومنظومة العدالة الناجزة وتطبيق القانون على الجميع دون تفرقة، فيزيد انتماء المواطن للوطن.
الرسائل القانونية
وضع الله كفارات
للذنوب وكفارات للصوم في رمضان مثلا بإطعام ستين مسكينا أو الحلف باليمين والأخناث
به إطعام أو كسوة عشرة مساكين، ومن موقف النبي مع أسرى بدر بأنه طلب منهم أن من
يستطع القراءة والكتابة فليعلم عشرة من المسلمين مقابل أن يفدي نفسه بدلاً عن المال.
ومن موقف عمر بن عبد العزيز بإعطاء من يساعد الناس من 100: 300 دينار. فمن هنا ننطلق
بوضع قوانين عقوبات على الأفراد ممن قاموا بأعمال ضرت المجتمع والدولة بأن يقوموا
بأعمال الخدمة العامة والمجتمعية في دور الرعايا لليتامى والمسنين وغيرها بدلاً عن
السجن إذا كان جرمهم يمكن أن لا يسجنوا عنه أو بديلاً عن الغرامات المادية. ليكون
هذا تهذيباً وإصلاحاً لهم.
وأيضاً وضع قوانين
للأطفال والشباب في المدارس والجامعات بالحصول على منح تعليمية ومساعدات مادية أو
درجات مقابل العمل المجتمعي وإفادة المجتمع والغير، ليكون تعويد وتشجيع لهم لمساعدة
الغير. كما كان يعطي الخليفة مبالغ لمن يفيد المجتمع وقد أوضحناها (بنقطة حسن الأخلاق
والدعوة لها بباب الحياة الاجتماعية).
فكما يوجد
العقاب يوجد الجزاء مع تعويد الفرد والنشء منذ الصغر وتربيته على التعاون مع باقي
المجتمع والدليل ما كان يقره الخلفاء على مساعدة الغير والمجتمع وذكرناها بنقطة (حسن
الأخلاق والدعوة لها بباب الحياة الاجتماعية).
الخلاصة
نجد أن الفكر
الإسلامي يحقق المساواة أمام الدولة في تطبيق القانون بقول النبي صلى الله عليه
وسلم: -
(لو فاطمة بنت
محمد سرقت لقطعت يدها) وهذا تأكيداً على تطبيق القانون وأهميته لسيادة دولة القانون
وعدم إحساس أحد من الناس بأنه يوجد من هو فوق القانون فيسري الشعور بالظلم وعدم المساواة.
لا شفاعة لأحد
من المجرمين الذين وجب تطبيق الحد والقانون عليهم كما نهر الرسول أسامة عندما حاول
أن يشفع في حد من حدود الله كما ذكرنا بالسابق.
أن التشريع
والحدود وضعت لحماية الإنسان وتحقيق مقاصد الشريعة وهي حماية النسل، العقل، المال،
الدين، النفس.
لأن الحدود
لها شروط عند تطبيقها إذن هي عبادات تطهيرية وليست عقوبات تجريدية لأنها لا تطبق
على مرتكبها مطلقاً لمجرد ارتكاب الجريمة وإنما تطابق الشروط التي ذكرناها أولا ثم
يتم تطبيق الحد على الجاني ويهدف القانون الإسلامي في المقام الأول لفرض المعايير
الأخلاقية وليست بوضع قوانين تتناسب مع رغبات الناس رغم مرونتها فهي محكومة بمعايير
ومرجعية منهج الفكر الإسلامي.
حماية المواطن
بالقانون تعني حد الكفاية للمواطن من الأمن والأمان ثم إن أجرم في حق الدولة والمجتمع
فيعاقب. فتكون العقوبة للحفاظ على الأخلاق والمجتمع وأن العقوبة والحدود ليست جزاء
أو ترهيب بل هي حماية للدولة والمجتمع ووجودها ليحترم الجميع القانون.
نجد من أكبر
ميزات القضاء والقانون الإسلامي أنه يجعل من العقاب إحساس بالذنب والخطأ والإجرام
في حق الناس والمجتمع أكبر من أن يكون عقاب عادي ليكون تهذيب وإصلاح حقيقي للفرد والمجتمع
عندما يرى العقوبة تطبق على الجناة بقوة وحزم.
ونجد أن أفضل
دستور وقانون في الكون هو الدستور الذي يعلي الحق والعدل فوق كل شيء دون النظر إلى
ألوهيته أو وضعيته فنجد أن وثيقة المدينة هو أفضل دستور بالعالم وهو دستور وضعي مستمد
من ألوهية القرآن الكريم فيعلي قيم العدل والمساواة بين أفراد الأمة دون النظر لدين
أو لون أو جنس ويقوي أواصل الترابط المجتمعي ويحدد شكل العلاقة بين الشعب والحاكم ويحدد
أيضاً مرجعية الشعب والدستوريين في تفسير المواد والأحكام إلى الله ورسوله أي الحكم
بكتاب الله.
وأن التشريع
الإسلامي يلزم السلطة التنفيذية على تطبيق القانون كما شرحنا في (نقطة العدل بباب
السياسة) وأيضاً يوجد تفاعل للمجتمع على الالتزام بهذا القانون بالأخلاقيات والأمر
بالمعروف وإصلاح النفس كما وضحنا (بباب الحياة الاجتماعية).
ونؤكد على أن
الشريعة الإسلامية ليست الحدود فقط وإنما الحدود هي جزء من الشريعة لأن الشريعة
تشمل أسس الفكر الإسلامي الذي نريد تطبيقه في نواحي الحياة كلها بالسياسة والاقتصاد
وغيرها والقانون (الحدود) وضعت من أجل تقويم من يحيد عن أسس الفكر والشريعة الإسلامية.
إن التشريع
الإسلامي جاء بثوابت لجرائم ضررها كبير على المجتمع وترك باقي التشريع بحرية التفكير
للمشرع على أسس المنهج الإسلامي ليوضح مدى المرونة في التطبيق من مصادر التشريع.
وأن الحدود
والتشريع للشريعة لم تأت للقطع وإنما للإصلاح ونشر الفضيلة ومنع المفاسد وأنها وضعية
على حسب الجريمة فمثلاً القطع لليد يتم على مراحل وقد يستبدل بالسجن إن كانت السرقة
ليست بضخمة ولا بضرر رهيب ويكون معنى أخر للقطع فالسجن قطع وكف الأذى عن الناس مع الإصلاح
والتهذيب النفسي.
وجعل الفكر الإسلامي القانون العام الدولي ملزم للدولة من نفسها كما شرحنا بالسابق ووضحنا بمثال فتح مكة والعفو عن أهلها بعدما فعلوه مع النبي والمسلمين، ومثال مدينة سمرقند وكيف حقق القاضي العدل بتطبيق الفكر الإسلامي لحماية أهل المدينة المفتوحة جديداً وأمر بإخراج جيش المسلمين مثلما تمت معاهدتهم لتحقيق العدل وتقويض القوة.
قال الإمام
علي بن أبي طالب رضي الله عنه: -
(إن الإسلام دين وشرع فهو قد وضع حدوداً ورسم حقوقاً، ولا تكتمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق وصون نظام الجماعة).
قال بن خلدون:
-
(أول أسباب
سقوط الدول هو التفريط بالعدل، وزرع بذور الانقسام، والفرقة، والصراع، وذلك يكشف
عن سوء تدبير الحاكم، ويؤدي إلى غياب الحضارة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم