كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 192 (الخاتمة 1)



الخاتمة

الفكرة الأساسية في النظام الإسلامي أنه نظام فكري شامل لكل أوجه الحياة وأن الشريعة هي تطبيق لمنهج الفكر الإسلامي وليس الدين والحدود فقط، فالحدود جزء من الشريعة التي بدورها جزء من الفكر الذي يشملهم جميعاً، فكما ذكرت كلمة العبادة ومشتقاتها بالقرآن 274 مرة ذكرت كلمة العمل ومشتقاتها من عامل ويعمل 358 مرة وذكرت كلمة العلم ومشتقاتها كعالم وغيرها 856 تدليلاً على أهميتهم القصوى وأن الفكر الإسلامي لكل أوجه الحياة كما ذكرنا بالأبواب السابقة، وأن أركان الفلسفة الإسلامية هي (الشريعة، الإنسان، المجتمع، الدولة).

ويشمل الفكر كل الناس لتطبيقه هذا غير أنه نظام أتى بخطوط عريضة ثابتة في كل أوجه الحياة ليعطي فرصة للعقل أن يفكر في كيفية تطبيقها بكل مرونة كنظام الحكم بأي شكل ولكن بثوابت العدل والمساواة ليتناسب مع كل العصور.

وأنه فكر يتناسب مع مطالب وحاجات الفرد والمجتمع لبناء الدولة وتقدمها في نواحي الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والقانونية ويسعى لتطبيقها بكل عدل ومساواة بين الناس.

وأنه يربط بين الحالة الروحية والمادية ويوازن بينهما فندعو الله (ربنا آتنا فالدنيا حسنة وفالآخرة حسنة) فلا نترك واحدة على حساب الأخرى فنطلب الاثنتان بالعمل الصالح والعبادة دون الخروج عن شرع الله فنوازن حياتنا بهم. وعلى أساس فكرة الثواب والعقاب في الدنيا إذا كان العمل يفيد المجتمع أم يضره كما رأينا في باب الحياة الاجتماعية والقانونية.

-قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: -

(أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً وأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).

وهذا تأكيداً على التنعم بالحياة بما يتناسب مع الأخلاق ومكارمها والفعل الحسن لضمان الآخرة. فربط المنهج الإسلامي الحالة الروحية بالمادية من خلال المحافظة على المبادئ والأخلاق في كل نواحي الحياة مع التمتع بالحياة الدنيا بشكل سوي دون الإضرار بأحد لنشر السلام والحب والتعايش السلمي.

ووجدنا بالنظام الإسلامي أنه يطبق العولمة بكل حذافيرها دون الإضرار بالآخرين ودون استياق الثقافة الفاسدة وإدخالها إلى مجتمعنا المحافظ. فيتم التبادل التجاري مع كل الدول دون أدنى تفرقة ويتم تبادل الثقافات والاستفادة من الحضارات السابقة من أجل إنشاء حضارتنا.

فتتكون العولمة الإسلامية التي تجمع العالم بالعلاقات الإسلامية مع الدولة تحت مظلة الأخلاق والفضيلة سواء بالتجارة أو العلم والثقافة وغيرها. فينتشر العدل والسلام والأخلاق والمحبة التي لها أهمية في كل نواحي الحياة سواء السياسية أو التجارية ويحكمها العدل والمساواة والتسامح والندية بنفس الوقت مع دول العالم.

ونجد أن قيم الحوكمة التي تفعل في الاقتصاد قد طبقها الفكر الإسلامي في كل نواحي الحياة خاصةً السياسية مع الاقتصادية.

-قيم الحوكمة التي تتكون من: -

1- الشفافية والصدق.

2-المسئولية.

3-العدالة.

4- المساءلة والمراقبة.

وقد طبقت في الاقتصاد لحماية الموردين والمساهمين وحقوقهم والعمل والأرباح وجاءت لتحمي الشعب المساهم والحكومة الموردة وعملها واقتصاديات الدولة بتحقيق قيم الحوكمة كما ذكرناها تفصيلاً في باب السياسة.

وأهم ما يميز منهج الفكر الإسلامي هو عدم الاستبداد ووضع الخطوط الحمراء في التطبيق السياسي لعدم حدوث استبداد لأن بالاستبداد السياسي يولد الاستبداد والفساد الاقتصادي والقضائي ومن ثم يتدمر المجتمع وتنهار الأخلاق الاجتماعية. فكثرة الكبت والاستبداد وإحساس المرء أنه مستضعف يتولد بداخله إحساس بالقهر لمن هو أضعف منه فتنهار القيم والاخلاق الإنسانية ويقهر بكل قوة من هو أضعف. أما بالحرية والمساواة والشفافية وإحساس المواطن بقوته وحقه في مساءلة الحاكم وحريته السياسية والاقتصادية ومنها الاجتماعية والقانونية يجعله متواضع ذو أخلاق وإنسانية ورحمة بالضعيف. مثل موقف القبطي مع ابن عمرو بن العاص عندما ضربه وذهب للخليفة عمر بن الخطاب يشتكي له يدل على المساواة القانونية والعدل والمواطنة وأحقية الفرد في أن يشتكي أي أحد ويأخذ حقه من أي فرد مهما كان منصبه دون خوف لوجود قانون ومساواة وعدل.

ويحارب الفساد الذي يأتي من الاستبداد الذي يولد عدم استقلال القضاء وعدم محاسبة المخطئ وعدم تحقيق العدل والمساواة.

لهذا حارب الفكر الإسلامي استبداد الحاكم وظلمه وعدم وجود حاكم مستبد بمحاربة الجهل ونشر العلم وحرية الرأي وحقوق الفرد الكاملة ومسئوليته في الدولة والمجتمع كاملة في المراقبة والمحاسبة للدولة بقول النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). فيعمل الفكر الإسلامي على التوحيد للأمة أمام الظلم لأن الظالم يهاب وحدة الشعب أمامه.

والمقصد كما وضحنا بالسابق تعميم المسئولية على أفراد الوطن جميعهم فيتم الترابط والتلاحم. وتطبق أيضاً نفس فكرة المسئولية في التربية وأن الأهل يرعوا أولادهم ويربوهم بطرق سوية وسليمة تجعل من الطفل ذو أخلاق ووعي وثقافة وحرية.

وأن الفكر الإسلامي يخلق حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي فيؤدي هذا إلى جذب الاستثمار وزيادة التصنيع وبالتالي خلق فرص عمل وانتعاش السوق. وأنه يكفل الحريات كلها بالتصاعد فيكفل حرية التفكير والاجتهاد وحق امتلاك الفكر ثم حق التعبير عنه ثم التمكين وحق المحكومين في ممارسة السلطة ومحاكمة الحاكم.

ونجد أن الفكر الإسلامي وضع أسس الإدارة وترك التطبيق للعقل وهذا وجدناه في باب السياسة والاقتصاد تأكيداً على إعمال العقل ومرونة الفكر الإسلامي ليصلح في كل زمان ومكان.

ونجد أن الفكر الإسلامي يوجد به أهم ما يميز الدول الديمقراطية وهو الفصل والتمايز بين السلطات لضمان عدم الاستبداد ووجود المؤسسات والحريات الفردية وضمان تداول السلطة بشكل سلمي وحقوق الفرد وضمانة تحقيقها في كل نواحي الحياة سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والعلمية وأسس للحرية الدينية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية.

وأنه أكد على عدم وجود ثيوقراطية أي حكم رجال الدين أو أوتوقراطية أي حكومة الفرد المستبد أو الأليجاركية أي حكم فئة مغلقة من الأعيان وأقلية ولكن أسس لحكم ديمقراطي مبني على المدنية والشورى.

ويدعم النظام الإسلامي الاختيار الشعبي الحر واللامركزية الموحدة في إدارة الدولة، وتبنى الديمقراطية في الفكر الإسلامي في السياسة بضمان تداول السلطة وحقوق سياسية كاملة ومعارضة وحرية رأي لضمان وجود نقد بناء للحاكم حتى لا تتحول الدولة إلى دولة استبدادية بالنفاق ودمج السياسة والاقتصاد كقوتين بتوزيعها على أفراد المجتمع ككل بالتساوي بمبدأ تكافؤ الفرص على أساس الكفاءة والخبرة مع نشر التعليم والثقافة والتربية الجيدة ووجود قانون قوي وتحقيق مبدأ الحرية المطلقة للفرد.

ويعمل الفكر الإسلامي على جعل الناخب ذو وعي سياسي ليستطيع أن يختار على أساس الكفاءة والخبرة من يريد ليمثله بمناصب الدولة المختلفة. فتتكون بهذا حكومة تكنوقراط أي حكومة كفاءة وخبرة بطريقة ديمقراطية أي باختيار الأغلبية من الشعب على حسب المفاهيم الحديثة.

فيتكون بهذا العقد الاجتماعي الإسلامي وهو أن الناس ينتظموا في مجتمع ودولة ذات أسس وقواعد وحدود وقوانين دون التنازل عن أدنى حق لهم، ولكن فوضوا من يدير شؤونهم ليحكم بموجب هذا التفويض دون الخروج عن شروط التفويض والانتخاب ودون أن يتعدى على حقوقهم. وإذا حدث فيكون عزله حق كامل لهم.

فيكون بهذا الفكر الإسلامي فكراً ديمقراطياً مدنياً يضمن الحريات السياسية والتدريب للمواطن بأن يكون فعالاً ومشارك بالدولة ليعمل على معارضة بناءة للصالح العام وتفعيل المواطن بأن يعمل على تنفيذ واحترام القانون لتطبيق العدل. فتبنى بهذا دولة مدنية وحضارة قوية ومجتمع ذو رخاء واقتصاد قوي ومتحاب ومتآخي وحرية وإبداع وسلام وأخلاق حميدة في السياسة والاقتصاد وبين أفراد المجتمع.

فتؤكد فلسفة الفكر الإسلامي على أن المدنية من صميم الفكر الإسلامي بكل أركانها وأفكارها (الفصل بين السلطات، الحكم المدني الديمقراطي المؤسسي، ضد حكم رجال الدين والدولة الثيوقراطية، ضد الحكم الاستبدادي، المواطنة، سيادة القانون، حرية الفكر، الشعب مصدر السلطات، الحقوق السياسية الكاملة، حق محاسبة الحكام، حرية العقيدة).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم