كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 189 (التشريع والتقنين ومصادره)



- التشريع والتقنين: -

وضع الفكر الإسلامي التقنين والتشريع بيد أهل الشورى ونواب الشعب أي المجلس التشريعي بالمصطلحات الآنية وهذا رأيناه عندما حاول عمر بن الخطاب تعطيل حد السرقة في عام المجاعة آخذ برأي أهل الشورى وهم من وافقوا وحددوا مبلغ إقامة الحد بإيقاف حد السرقة في عام المجاعة فقط على من يسرق أقل من عشرة دينار، وهذا لأنه سيأكل به وليست لامتهان السرقة. أما أكثر من ذلك يوجب الحد، وكان هذا لمدة محددة في وقت المجاعة فقط. وهذا لوجود مجاعة وعملاً بروح القانون بإقامة العدل والرحمة.

فوضع التقنين بيد المجلس التشريعي ولا يملك الحاكم غير الاقتراح كما حدث وقت اقتراح عمر بن الخطاب تعطيل حد السرقة ولم يطبقه إلا بعد موافقة أهل الشورى فأسس لمبدأ دستوري مهم.

ويجب عند وضع القوانين وسنها أن يكون عن طريق هيئات وأشخاص ذات حيثية قانونية مع وجود مراجعات من مرشدين اجتماعيين وأخصائيين نفسيين لمراجعة كل قانون وتأثيره النفسي وبعده الاجتماعي على المجتمع خاصة بقوانين الأحوال الشخصية كالحضانة والأسرة.

ويتم مراجعة دستورية القوانين على يد أعضاء المحاكم الدستورية العليا المكونة من فقهاء بالدستور وأديان الدولة، وليس برقابة كهنوتية من جهة دينية حتى يتم المحافظة على مدنية الدولة وعدم استغلال القوانين أو التشدد بها.

ويكون وضع القوانين باختيار أيسر الأمور للناس. فيجب على الدول أن تضع القوانين والقرارات الأسهل والأسلم وفي مقدرة الجميع ولا تزيد عليهم بقرارات صعبة التنفيذ وهذا من العدل والرحمة والمساواة. فدين الإسلام يسر وليس عسر.

-قال الله تعالى: -

(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)

 وكما قالت السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها).

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: -

(يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا).

(وقال لمعاذ رضي الله عنه لما أطال القراءة في الصلاة، وهو إمام: قال له: أفتان أنت يا معاذ؟ من أم الناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة).

ولما أراد جماعة التشديد على أنفسهم في العبادة وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم الدهر أبدا، وقال الثالث: وأما أنا فسأتبتل، وأعتزل النساء غضب صلى الله عليه وسلم، وخطب في الناس، وقال: -

(ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

فأسس لمبدأ قانوني في وضع القوانين والإجراءات القانونية بتسهيل الأمور على الناس، فيكون وضع القوانين بما يتناسب مع المصلحة العامة ويناسب العقل والعصر ولا يخالف النص.

وعندما نبحث بالقوانين والحدود الإسلامية لا نجدها سوى ستة حدود أساسية (القتل والسرقة والزنا والقذف والحرابة وشرب الخمر) وهي ما نزل بها حد واضح مما يؤكد على أن الفكر الإسلامي أباح للأمة وللعلماء والمشرعين التفكير وإصدار القوانين اللازمة للدولة على ضوء الشريعة ومنهج الفكر الإسلامي مما يؤكد على مدنية القانون الإسلامي وإمكانية التشريع على حسب الزمان والمكان ومصلحة الدولة ولكن على أساس العدل وتحقيقه للمواطنين كافة على أسس الفكر الإسلامي وشرع الله. فلم تكن الشريعة يابسة بل تركت القوانين الخاصة والعامة متغيرة، فهو قانون دستوري وإداري ومالي واقتصادي ودولي مرن ومتغير على حسب الزمان والمكان مع الثوابت الأساسية في مقاصد الشريعة.

والأساس في هذا ما وضحناه (بنقطة الاجتهاد في الباب الرابع باب العلم) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: -

(الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها).

وهذا للتعلم من تجارب الآخرين والاقتباس منها سواء بالقانون أو الإدارة أو غيرها واستخدام ما يتناسب ولا يتناقض مع الشريعة ومنهج الفكر الإسلامي والعصر ويفيد الدولة والناس.

-فيكون التشريع على أساسين: -

1- أصلي عام: -

وهو التقنين من المجلس التشريعي.

2- أصلي خاص: -

من مصدر التشريع وهو الدين وفلسفة الفكر الإسلامي ومنهجه ومواقف النبي والراشدين من بعده بما يتناسب مع العصر.

-مصادر التشريع الإسلامي: -

قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قاضياً: -

(كيف تقضي إذا عرضت لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله عز وجل. فال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب النبي صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله.

فتتحدد بهذا مصادر التشريع الذي يخرج منه القانون بين الناس.

فتكون مصادر القضاء والتشريع: -

1- القرآن.

2- السنة ومواقف النبي وقضائه بين الناس والقياس عليها.

3- مواقف الصحابة والراشدين في الحكم والقضاء والقياس عليها.

4- الاجتهاد والاستحسان والتفكير فيما لا يوجد فيه نص لمرونة التشريع بما لا يتناقض مع فلسفة الفكر الإسلامي وأحكام الشرع.

1-   الإجماع من المشرعين والفقهاء بما لا يتناقض مع فلسفة الفكر الإسلامي.

2-   العرف بين الناس بما لا يخالف الشرع ومبادئ الفكر الإسلامي.

3-   الشرائع الشخصية للأديان الأخرى.

ولكيفية التشريع الصحيحة يجب فهم فلسفة الفكر الإسلامي والفقه والشريعة بطريقة صحيحة وكيفية الاجتهاد فيها لوضع ما يتناسب مع أسس التشريع وقواعده ومبادئه وهي العدل، الحرية، المساواة، والتي تناسب الوقت حينها.

-مزايا التشريع الإسلامي: -

1- الشمولية للأحكام في كل جوانب الحياة.

2- تطبيق العدل بشدة.

3- أهمية المساواة بين الجميع وعدم الانتقائية في تطبيقه.

4- الثبات في القواعد والمرونة في التطبيق.

5-يعمل على الحفاظ على الأخلاق وليس الترهيب من الجزاء فقط.

4-   تهذيب السلوك الخارجي للفرد مع المجتمع وليس الداخلي.

5-   المرونة بوجود التفكير فيما لا يوجد فيه نص بالاجتهاد بما يتناسب مع الشرع ولا يخالفه.

-الهدف من التشريع: -

1- حماية الناس من التعدي على حقوقهم وحياتهم.

2- حماية النسل والعرض والعقل والحياة والمال.

3-حماية الأخلاق والآداب العامة ونشرها وعدم التعدي عليها.

4-تحقيق العدل.

5-المساواة في القانون في تطبيقه وعدم الانتقائية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم