كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 173 (القانون الإداري والمالي الإسلامي)



2- القانون الإداري: -

وهي القوانين الإدارية للسلطة التنفيذية التي تنظم دور حكومة الدولة في إدارة أموال الدولة ومواردها الطبيعية والحفاظ عليها، والقوانين الإدارية بين موظفيها وبين الحكومة، ونشاط الإدارة وما يصدر عنها من قرارات إدارية والعقود. وتتميز بأنها قواعد متغيرة على حسب مصلحة الدولة والأفراد، وعلى حسب متطلبات الحياة والعصر.

-موضوعات القانون الإداري: -

1- تحديد الأشخاص ومسؤولياتهم في مناصب السلطة التنفيذية والمصالح وأعمالها الإدارية.

2- حقوق الموظفين وترقياتهم وتعيينهم.

3- النظام العام لأموال وموارد الدولة.

-الأمثلة: -

1- محاسبة الحكام وموظفي الدولة وحق كل فرد في الدولة في مسائلتهم ومحاسبة الحكام على كل شيء ومراجعة قراراتهم، ومراقبتهم في مصروفاتهم ومصروفات الدولة.

فعندما صعد المنبر وقال: اسمعوا يرحمكم الله. وقف سليمان وقال: والله لا نسمع... والله لا نسمع. فقال عمر لم يا سليمان؟ فيجيب قائلاً: ميزت نفسك علينا في الدنيا أعطيت كلاً منا بردة واحدة وأخذت أنت بردتين. فيجيب عمر بصره ويسأل أين عبد الله بن عمر؟ فينهض ابنه ويقول: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين. فيسأله: من صاحب البردة الثانية؟ فيرد: أنا يا أمير المؤمنين. فيستطرد عمر قوله مردفاً: إنني كما تعلمون رجل طوال ولقد جاءت بردتي قصيرة فأعطاني عبد الله بردته فأطلت بها بردتي فيقول سليمان: الحمد لله... والآن قل نسمع ونطيع يا أمير المؤمنين.

وحدث أن امرأة خطأت عمر بن الخطاب بالمسجد بأمر ديني، وهذا عندما حدث أن ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول (...وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (النساء: 20). فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، ومن طابت نفسه فليفعل، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا وقال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. وقيل إنه قال (أصابت امرأة وأخطأ عمر).

فلكل فرد الحق في مساءلة الحكام عن كل ما يدور بالدولة ومحاسبة الحاكم على كل شيء دون خوف وريبة، ومراجعتهم في قراراتهم التي تخص المواطنين، فإن هذا من حق الشعب.

2- كانت قولة عمر بن الخطاب التي سأل بها أصحابه مادة قانونية أساسية لعدم محو مسؤولية الحكام عن أخطاء نوابهم فقال: -

(أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أيبريء ذلك ذمتي؟ فقال أصحابه نعم. فيقول: كلا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا).

ليكون قانون على مسئولية الحاكم التامة عن أخطاء نوابه لأنه قصر في واجبه بمراقبتهم ومحاسبتهم.

فوضع الفكر الإسلامي القوانين مضاعفة للحكام ومن يساعدونه ليكونوا عبرة لباقي الشعب ولمن يأتي بعده حتى لا تسول لهم أنفسهم الفساد وإضرار الأمة.

وكموقف عمر بن الخطاب عندما جاءه قبطي من مصر يشتكي ضرب ابن عمرو بن العاص والي مصر له فأرسل إلى عمرو وابنه وجعل القبطي يأخذ بحقه ويرد الضرب إلى ابن عمرو بن العاص بل وطلب من القبطي أن يضرب رأس عمرو بن العاص لأن لولا سلطته ما استطاع ابنه أن يقوم بهذه الفعلة وأن يعلو على الناس.

فأكد من هنا أن القانون يطبق على الجميع ويشتد على أصحاب السلطة حتى لا يستبدوا بها على الناس.

3- حماية المرؤوسين من ظلم القادة وتعنتهم وأوامرهم المخالفة للشريعة والفكر الإسلامي.

4- حقوق موظفين الدولة وعقودهم ومرتباتهم.

5- قول عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عندما ولاه مصر: إذا جاء سارق ماذا تفعل به؟ فقال عمرو ابن العاص: أقطع يده. فقال له عمر ابن الخطاب: وأنا إن جاءني من مصر جائع قطعت يدك.

هو قانون أن الحاكم أو موظف الدولة الذي يجوع شعبه ويناله الفقر بسبب سرقته لأموال الدولة مسئول مسئولية شديدة ويعاقب عليها عقوبة قوية.

6- هدايا الحاكم وأعضاء الحكومة ملك للدولة.

7- كان عمر بن الخطاب إذا ولى عاملاً له بالولاية كان يحصي أمواله قبل وبعد الولاية وكان يرسل أثناء ولايته من يعد أمواله ويحاسبه عليها وإن وجد ما يزيد يأخذه لبيت المال. كما شرحنا بالأمثلة بنقطتي (متابعة الحاكم لنوابه، والتعامل التجاري لأهل السياسة) من باب السياسة القسم الأول، ما حدث وفعله عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وأبو هريرة ومع أبناءه عبد الله وعبيد الله بن عمر بن الخطاب عندما أخذ ما يزيد عن مرتباتهم بسبب اشتغالهم بالتجارة أثناء ولايتهم للبلاد.

فهذا قانون لمحاسبة الحكام وموظفي الدولة على أموالهم وإحصائها ومحاسبتهم بالتربح إن زادت عن دخلهم الطبيعي بعد مصروفاتهم. وإحصاء أموال الحاكم ونوابه وأقاربهم من الدرجة الأولى ومحاسبتهم عليها.

فكان قانون ألا يتعامل أصحاب السلطة وأقاربهم من الدرجة الأولى والقضاة بالتجارة حتى لا تستخدم سلطتهم ونفوذهم ويتم الإضرار بمصالح الشعب والدولة فقال عمر بن الخطاب لولاته: -

(إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجاراً).

وكما فعل عمر بن الخطاب بابنه عبد الله عندما وجده يملك النوق السمان مع إبل الدولة ترعى فقال له وضعت بالسوق ليقال اسق وأرعى نوق ابن أمير المؤمنين فأمره أن يتبرع بها كلها لبيت المال. كما شرحنا بنقطة (التعامل التجاري لأهل السياسة وأقاربه) في باب السياسة بالقسم الأول.

وهذا لأن علم أهل الحكم وأقاربهم من الدرجة الأولى بالقوانين واستخدامهم للنفوذ يؤدي إلى تضارب المصالح واستغلال الشعب وأموال الشعب والدولة واحتكاره للبضائع.

8- لا يحق للعسكرين امتلاك أي شيء تجاري أو التجارة بشيء حتى لا تتداخل المصالح أو يحدث استخدام للنفوذ كما لقيادات الدولة وحتى لا ينشغلوا عن دورهم الأساسي كما منع عمر بن الخطاب أفراد الجيش من امتلاك الأراضي في المدن المفتوحة.

9- قنن عمر بن الخطاب لعدم تغيب المجند عن زوجته أكثر من أربعة أشهر بعد أن سمع سيدة تقول: -

تطاول هذا الليل وأزور جانبه     وليس إلى جنبي حليل ألاعبه

   فو الله لولا الله لا رب غيره        لزلزال من هذا السرير جوانبه

مخافة ربى والحياء يصدني       وأكرم بعلي أن تنال ركائبه

ثم قالت هكذا يهون على عمر وحشتنا وغيبة رجلنا عنا؟

فتبين له أن زوجها مجند في الجيش فذهب إلى ابنته حفصة وسألها كم تصبر المرأة على زوجها؟

فقالت: تصبر شهر، وشهرين، وثلاثة، وينفد مع الشهر الرابع صبرها.

10- حتى أن الرسول عندما جاء أحدهم ليبايعه بالجهاد فسأله: أحي والداك. قال: نعم. فقال: ففيهما فجاهد).

وجاءه آخر للجهاد فقال له النبي: فهل من والديك أحد حي. قال الرجل: نعم بل كلاهما فقال له عليه السلام: فتبتغي الأجر من الله. قال الرجل: نعم. فقال عليه السلام: فأرجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.

وقال لعبد الله بن مسعود عندما سأله: -أي العمل أحب إلى الله؟ قال النبي: -الصلاة على وقتها قال ثم أي قال بر الوالدين قال ثم أي قال عليه السلام الجهاد في سبيل الله.

ونجد أمره لأحد الذين طلبوا الجهاد والهجرة تاركاً والديه يبكيان عليه: -

(ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما).

وأيضاً عندما سمع عمر بن الخطاب شيخاً ينادي ابنه الذي طالت غيبته بالجيش فعلم أنه الوحيد لأبويه.

فيسن بهذا قانوناً إدارياً بعدم تجنيد من هو وحيد والديه ومن له أبوين كبيرين يقوم بخدمتهم رحمةً بهم وعدم تغيب موظف الدولة عن أهله مدة طويلة أكثر من أربعة أشهر رحمة بحق الجميع.

11- وقنن قانوناً عسكرياً بعدم إنزال العقاب بالجندي إلا بعد التأكد من جريمته وبعد مغادرة بلاد العدو حتى لا يخون أمته فقال عمر بن الخطاب لقوادة: (ألا تنزلوا بجندي عقاباً حتى يطلعوا من الدرب قافلين).

12- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

 (من لم يؤد زكاته طيبة بها نفسه فإنا آخذوها وشطر ماله عزمه من عزمات ربنا لا يحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء).

وعندما منع بعض الأعراب مال الزكاة عن أبو بكر حاربهم من أجله وقال قولته الشهيرة: -

(لو قطعوا عني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم من أجله).

فمن هنا ننطلق بقانون أن كل من رفض دفع الزكاة أو الجزية (إذا تم التوافق عليها) أو الضرائب أو الخراج فيسجن من أجل هذا لأنه يضر بالدولة وبدخولها فمنع الزكاة يوجب السجن ومصادرة نصف أمواله.

ويكون دفع الفرد لزكاته وضرائبه للدولة نابع من داخله فهذا فرض عليه يقدمه لله وللدولة على أنه يدفع مستحقاته بجدية ومواظبة ولا يتلاعب بالأرقام وإن ثبت العكس أخذ جزء من أمواله بقول النبي وحكم عليه بالسجن ومنع من مزاولة مهنته ويحرم من المخصصات التي تمنحها الدولة فهو لم يشارك في تنميتها فلا يستحق أن ينال مما يستحقه غيره.

13- إن تم إيجاد من يأخذ شهريات الإعانة التي تخصصها الدولة دون احتياج يتم معاقبته قانونياً بالسجن لأنه أخذ حق غيره من مال الدولة كالسارق لمال الأمة.

14- من الأحاديث المذكورة بنقاط (النظافة، آداب الطريق، حق البيئة بباب الحياة الاجتماعية) تصدر قوانين لمعاقبة من يعتدي على البيئة وحرمة الطريق ونظافته لأنها موارد للدولة تمتلكها فالإضرار بها جريمة.

 

3- القانون المالي: -

وهي القوانين الخاصة بالميزانية ومصروفات وإيرادات الدولة وتحصيلاتها. فالحكومة مسئولة عن حفظ مال الشعب وإدارته. ورسم خطتها السنوية التي تلتزم بها الحكومة.

-الأمثلة: -

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(... ومن ترك ديناً – الميت - أو ضياعاً فليأتني أنا مولاه).

ليحدد واجب الدولة بإعانة المتعثرين مادياً بالسداد عنهم حتى لا يلتجئوا إلى الربا سواء ميت أو حي.

فتضع الدولة الزكاة والضرائب ونسبها وتضع طرق تحصيلها من المواطن بالتوافق من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ليكون واضحاً دور كل جهة في تحديد وتحصيل الزكاة والمقاضاة على منعها.

وعندما وصل إلى المدينة بعض من أموال الأقاليم فذهبت إلى عمر بن الخطاب ابنته حفصة لتأخذ نصيبها وتقول له: يا أمير المؤمنين حق أقاربك في هذا المال فقد أوصى الله بالأقربين. فأجابها بجدية: يا بنية حق أقاربي في مالي أما هذا فمال المسلمين فقومي إلى بيتك.

فقنن أن لا مال من أموال الدولة يذهب لبيت الحاكم أو موظفي الدولة أو لأقاربهم، وقال: -

(والذي نفسي بيده ما من أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو أمنعه وما أحد أحق به من أحد وما أنا فيه إلا كأحدهم فالرجل وبلاؤه والرجل وقدمه والرجل وغناؤه والرجل وحاجته هو مالهم يأخذونه ليس هو لعمر ولا لآل عمر).

وكان ما حدث مع الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عندما مر بسوق المدينة المنورة ورأى شيخاً كبيراً يسال الناس حاجته طلبا للمساعدة فاقترب منه وسأله: من أنت يا شيخ من أي أهل الكتاب؟ فقال الرجل: أنا يهودي عجوز أسأل الناس الصدقة لأفيء لكم بالجزية ولأنفق الباقي على عيالي. فقال عمر الخليفة: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخا. وأمسك الخليفة عمر بيد ذلك اليهودي وأرسل إلى خازن بيت المال وقال له: افرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغني عياله.

تأكيداً على حق الفرد عند الوصول لسن الكهالة في الحصول على معاش تقاعد يضمن له آدميته وحقه في مال الدولة الذي هو ماله في الأساس.

وعندما وجد سيدة عجوز لا تقوى على خدمة نفسها خصص للسيدة العجوز خادم لها يقوم على حاجتها احتراماً ورحمة لها ولسنها.

وهذا ليحدد دور الدولة بتوفير الخدمة للعجائز من كبار السن كدور الرعاية اللازمة لخدمتهم.

ويوماً ما وزع عمر بن الخطاب من بيت مال المسلمين على الناس فقال رجل: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ما بالهم نعطيهم حقهم ويظنونه منة مني عليهم.

وهذا دليل على حق الشعب في مال الدولة وصرف لهم معاشات شهرية تعينهم على الحياة، وأن مال الدولة ليس ملكاً للحاكم وعليه الحفاظ عليه فهو مثلهم ومساوي لهم بل هذا المال حق الشعب وأنه شخصياً كحاكم هو عامل لديهم. فقنن عمر إلى فرض راتب سنوي لكل فرد في الأمة فلم يمت إلا وكان مفعلها.

وقنن إلى (ما وطئ أحد القادسية إلا وعطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة وما من مولود يولد إلا الحق في مائة وجريبين كل شهر ذكراً كان أو أنثى وما يبلغ لنا ولد إلا الحق على خمسمائة أو ستمائة).

فخصص مال للمحاربين والرضع والأطفال والمرضى والعجزة لفرض حد الكفاية للفرد.

وكان عمر بن الخطاب يأمر أن تقسم خيرات البلد على أهلها أولاً فإذا بلغوا كفايتهم رفع إلى عاصمة الدولة نصيبها.

فقنن إلى صرف كل ولاية على نفسها من دخلها وتسد حاجاتها من مواردها بمراقبة الدولة وعلى حسب التوجه العام للمشاريع القومية والاقتصادية للدولة.

وقنن أن من أهل الكتاب وعليه دين يستغرق ماله يعفى من الضرائب لأنه مواطن في الدولة.

ووضع مخصصات محددة وقوانين لمصروفات الدولة للجيش والاقتصاد والتعليم والصحة.

وقوانين توجيه أموال من الدولة والبنوك لتمويل المشاريع الصغيرة لتنمية الاقتصاد.

وقوانين توجيه أموال للمنح الدراسية والتعليمية والعلاوات التشجيعية للمتميزين أخلاقياً ودراسياً ومجتمعياً.

وما ذكرناه من أمثلة في نقطة دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية بالباب الأول وكيفيتها وأوجه الإنفاق على الشعب لتحقيق عدالة التوزيع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم