كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 174 (القانون الجنائي والحدود 1)



4- القانون الجنائي: -

وهو مختص بأسس الأحكام الجنائية في القتل والسرقة وغيرها من حدود الشرع الثابتة التي يحدث بها تعدي على النفس والغير وينقسم إلى: -

أ‌-     قانون عقوبات: -

وهي القوانين الخاصة بالجرائم المختلفة وعقوبتها والمسئولية الجنائية بها.

ب‌-  قانون الإجراءات الجزائية: -

وهي القوانين الخاصة بالتحقيقات وإصدار الأحكام والتدابير الخاصة بالطوائف.

أ‌-     قانون العقوبات (القوانين الثابتة): -

1- القصاص وحد القتل: -

النفس البشرية حرمها الله أن يتم قتلها إلا بالحق، وعندما تسول لإنسان نفسه ويرتكب جرم بحق أخيه يكون جرماً شديداً يستحق أن يقتل كعقاب وهو إن قام بقتل آخر فيكون القصاص بالقتل أو الدية بموافقة أهل المقتول.


-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179).

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا).

- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: -

(لا يحل دم أمرؤ إلا بإحدى ثلاث: ...، النفس بالنفس).

وهذا هو أساس قانون النفس بالنفس. فيكون عقاب القاتل هو قتله هو فقط دون إسراف أو تمثيل به، والعفو عن القتل يكون من قبل أهل المقتول أو أخذ الدية هي حرية مطلقة لهم.

ولكن هذا لا يسقط حق الدولة والمجتمع هنا لمنع انتشار الجريمة ويكون بما يراه القاضي مناسباً فيحكم على حسب الجرم خاصة إذا كانت جريمة مروعة، ولا يكون المال فداء له من العقاب بل بديل عن القصاص منه بالقتل على جريمته ولكن يظل عقاب الدولة والمجتمع له بما يراه القاضي كرادع للجريمة، فلا يكون المال فداء له بل يعاقب على فعلته وجريمته.

-قانون القتل العمد واستخدام آلة حادة بالقتل: -

قال الله تعالى: -

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا).

- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعفو وإما أن يقتل).

(إذا قتل قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل وفي رواية وإن أحبوا عفوا).

فيكون القصاص بالنفس أمام النفس أو الدية لأهل المقتول أو العفو إن أرادوا دون إجبار.

- قتل الجماعة التي قامت بقتل فرد: -

حدث أن امرأة وصاحبها قتلا رجلاً فتحرج عمر أن يقتل اثنان بواحد ولكن أفتاه علي بن أبي طالب أنهما أزهقا روحاً وأستحق القتل لأنهم أيضاً مترصدين لجريمتهم فقتلهما.

وعندما علم عمر بن الخطاب أن سبعة أفراد من صنعاء قاموا بقتل رجل فقال: لو جنا عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً.

فلم يخفف الحكم عليهم وكان بوجود العديد من الصحابة ولم يعارضه أحد فأعتبر هذا قانون مجمع عليه، وتكون الدية إذا قبل أهل المقتول. فلا يقسم الحكم ويخفف على عدد الأفراد. وهذا قانون لتوقيع العقوبة على من اشتركوا بها مهما كان عددهم ولا يخفف حتى يكون رادع للناس من فعل الجرم.

- المحرضين على القتل: -

المحرض على الضغائن والقلاقل والقتل بالإجبار يقتل لأن هذا نشر للمفاسد والدماء.

- قتل المرأة: -

لو كان القاتل رجل لامرأة فيقتل.

ففي حادثة اليهودي الذي رض رأس امرأة بين حجرين فأومأت بأنه اليهودي، وأقر اليهودي على فعلته فأمر عليه أن ترض رأسه وأيضاً اعتراف دليل على قانون (الاعتراف سيد الأدلة).


- القتل الخطأ وشبه العمد: -

- قال الله تعالى: -

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

- قال النبي صلى الله عليه وسلم في القتل الخطأ: -

(رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه).

(إلا وإن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا دية مغلظة منها أربعون في بطونها أولادها).

أي مائة إبل كالدية مقابل القتل الخطأ غير المقصود أو ما يساويها.

- قتل الحامل: -

حدث أن امرأتان من هذيل رمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها هي وجنينها فحكم النبي أن للجنين دية وللمرأة عاقلتها.

فدية للجنين وتقتل نفس القاتلة مقابل نفس المرأة المقتولة.


- إحداث العاهات والجراح: -

- قال الله تعالى: -

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعاً مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها أو في العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس).

(‏وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية‏,‏ وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية‏، وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية‏، وفي الرجل الواحدة نصف الدية‏)‏.

وقال أبي قلابة أن رجل رمى آخر بحجر فذهب سمعه وبصره وعقله في عهد عمر بن الخطاب فقضى بأربع ديات لأنه أضاع حياته وعقله فالعقل إضاعته إضاعة للحياة.

فمن يحدث لغيره عاهة تصيبه في حياه بالعجز وجبت عليه الدية بما ذكر أو ما يساويها.

- شروط إقامة الحد: -

- الرشد والعقل.

- ثبوت الجريمة وأركانها وسلاحها.

- التعمد بالقتل.

- وجود دليل مادي قوي بشهود أو غيرها مما يثبت حدوث الجريمة.

- يكون إقامته أمام الناس للعبرة أي بمكان عام.

- عدم الإكراه على القتل.

- الاعتراف دون إكراه.

- الدية: -

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ ...).

-يقول النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يؤدي وإما أن يقاد).

فتكون باختيار أهل القتيل إما القبول أو الرفض للدية وتنفيذ الحكم، مع الحفاظ على عقاب الدولة للجاني حفاظاً على حق الدولة والمجتمع لعدم انتشار الجريمة بين الناس، فيجب أن يوجد عقاب حتى مع قبول الدية، فقبولها بدلاً عن القصاص بقتل القاتل الجاني ولكن لا يسقط حق الدولة والمجتمع بعقابه على جريمته أبداً مهما كان لمنع الجريمة ووجود رادع قانوني وليس بالمال يفتدي نفسه بعد الجريمة.

والدية للمسلم ولغيره واحدة وللمرأة نصف الرجل (دية المرأة على النصف من دية الرجل) وذهب البعض إلى التساوي بنص الآية نفسها، وهذا ما أراه لأن النفس البشرية واحدة لا فرق بين ذكر وأنثى ولا أعجم وأبيض ولا بين دين وآخر فلا تفرقة في الدم والقصاص وإقامة العدل.

-       فقال الله تعالى: -

 (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)

أما إذا لم يقبل أهل القتيل بالدية فيكون الحد على القاتل بالقتل فالمطالبة بالقصاص وتطبيق الحدود واجب حتى يكون رادع لغيره ألا يقوم أحد بفعل هذا الجرم أبداً حتى لا يعم الفساد بين الناس في الأرض وبوجود الحدود والقانون يتم منعها.

- الحكمة من القصاص: -

الحفاظ على الأرواح وعدم إهدارها إلا بالحق حفاظاً على دماء الناس. وتكون إقامة القصاص أو الدية حق للكل من في الدولة دون النظر لدين أو جنس لتحيق العدل بين الناس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم