كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 170 (الباب الخامس الحياة القانونية والتشريع)



الباب الخامس

الحياة القانونية

عدالة، مساواة قانونية، انتماء

قال الله تعالى

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

تمهيد

في البداية نؤكد على أن القضاء وواضعي القانون هم سلطة مستقلة غير تابعة لأي سلطة أخرى ولا تخضع لأحد كما تحدثنا في (باب السياسة بنقطة التمايز بين السلطات).

وسنجد مبادئ الدستور الحديث في وثيقة المدينة. وسنقوم بشرحها وتفنيدها، وكيف أنها تؤسس للحريات والمساواة والعدل والتعايش السلمي بين الجميع بمخلف الأديان، وتضع حقوق وواجبات المواطنين.

ونوضح أن الحدود لم توضع لقطع اليد ولا للجلد وإنما جاءت للفضيلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(جئت لأتمم مكارم الأخلاق).

ومن هنا ننطلق بأن الحدود جاءت بعد التربية الإيمانية للصحابة وللأمة، وتوضع بعد تحقيق العدل وأسس المساواة والظروف الاقتصادية لحماية المفاهيم الداخلية للفرد والمجتمع كالتربية وأسس الحياة الاجتماعية، فوضعت لمن تسول له نفسه البشرية الانحراف فكانت كحدود الدولة تمنع التسلل دون رقابة، فلا يخرج عنها أحد أو يدخل دون علمها إلا ويعاقب للتعدي على أملاكها فهي من العبادات التطهيرية ولمنع المفاسد بأحكام رادعة لحماية الفضيلة، وتمنع من تسول له نفسه الخروج عن الأخلاق ومن يضر المجتمع بقتل أو سرقة.

وقد وضعت الحدود على الأفعال الخاطئة التي تضر الدولة والمجتمع وليست على أفعال الإنسان التي تضر علاقته بربه، فعقاب الصوم أو الكذب أو الصلاة أو الدين عامة في الآخرة من الله لا لأحد دخل بها لأن الفرد ضر نفسه بها، أما عقاب الزنا أو قذف المحصنات أو القتل فعقابه في الدنيا بالحدود والقانون الذي تقيمه الدولة على الفاعل لأنه أضر بالآخر والمجتمع ونشر المفاسد فكما هو بين العبد وربه عقابه بالآخرة فما بين الفرد والمجتمع عقابه بالدنيا.

والأهم أن الحدود لا تطبق إلا بعد تحقيق الرفاهية وإعطاء الحق لكل مواطن في عيشة كاملة أي تعطى حقوقه قبل أن نسأله عن واجباته فبعد أن يملك عمل ومال وصحة ورعاية كاملة من الدولة ويستطيع الزواج وامتلاك المال للعيشة الكريمة فإنه لا يحق له الخروج على القانون وإن سولت له نفسه القتل أو الزنا أو السرقة هنا يطبق عليه الحدود والقانون للمحافظة على الأخلاق.

والقانون الإسلامي لم يفرق بين أحد أمام القانون لأنه ساوى بين الناس بعضهم ببعض فالكل يطبق عليه حدود الله والقانون طالما أخطأ ولا يوجد من هو فوق القانون كما رأينا بالسابق امتثال علي بن أبي طالب وهو الخليفة أمام القاضي بل وحكم القاضي لصالح اليهودي، وهذا لأن العدل هو أساس الحكم بين وعلى الناس.

ونرى الرسول يبرئ اليهودي من السرقة لأنه بريء فالعدل أساس الملك ويطبق القانون به وقد ذكرنا المثل كاملاً في (نقطة العدل بباب السياسة).

ونجد النبي عندما سرقت فاطمة بنت الأسود المخزومية وكانت شريفة في قومها ووجب عليها حد السرقة وحاول أسامة بن زيد أن يشفع لها عند الرسول فنهره الرسول رغم حبه له وقال له: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم خطب في الناس قائلا: إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

ونسمع عمر بن الخطاب عندما تولى الخلافة يخطب قائلاً: -

(إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى أخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى أخذ الحق منه).

ونجده يأتي بحق النصراني القبطي من ابن والي مصر عمرو بن العاص عندما ضربه إحقاقاً للحق والعدل وإقامة القانون وحدود الله.

 ونجد عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب عندما شربه بعض المصريين الخمر فذهب في صباح اليوم الثاني عندما أفاق لوالي مصر من قبل أبيه وهو عمرو بن العاص يطلب منه أن يقيم عليه حد شرب الخمر ويهدده بأنه سيبلغ أباه إن لم ينفذه عليه فيقيم عليه الحد ويجلده ولكن في دار الخلافة فأقام عليه الحد ولكن سراً، ثم علم عمر بن الخطاب بما حدث وكان لا يخفي عليه أمر فأرسل لعمرو بن العاص يطلب منه إرسال عبد الرحمن بن الخطاب على قتيب ليشق عليه في السفر ويعاتبه على أنه لم ينفذ الحد في مشهد من العامة، ثم عندما وصل ابنه إلى المدينة لم ينتظره حتى يستريح ولم يستمع إلى استعطاف علي بن أبي طالب حتى يستريح من وعثاء السفر وأقام عليه الحد مرة أخرى حتى تكتمل أركان الحد (بأن يكون أمام الناس). ولم يترأف به بأنه أبلغ عن نفسه لأنه ابن الخليفة (الحاكم)، بل أنه عاتب ولام عمرو بن العاص على أنه أقام عليه الحد سراً ليؤكد على أن الجميع سواسية، وهذا حتى لا يقول الناس بأنه ترفق به لأنه ابنه فيضيع العدل ولو بكلمة بين الناس فلا أحد فوق الحدود وهذا اتقاء منه للعدل الإلهي وتطبيقه لحدود الله دون تقصير.

فأكدت فلسفة المنهج الإسلامي القانوني على أن لا أحد فوق القانون حتى لو كان الحاكم نفسه تأكيداً على سيادة القانون وأنه ينفذ على الجميع دون محاباة حتى لا يأمن أحد العقاب فيفسد المجتمع، وتأكيداً على مفهوم دولة القانون والعدل والمساواة ومن هنا يتحقق هيبة الدولة بهيبة القانون. وبهذا تتحقق دولة القانون بالمعنى الكامل من حيث تطبيق القانون على الكل دون تفرقة وبتحقيق العدل الكامل وهذا يعمل على رقي الدولة والمواطن وتنمية شعوره بالانتماء بوجود حقه القانوني. وهذا كي لا يكون تطبيق القانون انتقائي بل المساواة في تطبيقه على الجميع حتى لا يفقد أحد الثقة في الدولة والقانون وتطبيقه ويضيع انتماءه لها.

وسنناقش القانون الدولي وعدالته في التطبيق وأنه ملزم للدولة وليس مجرد قانون عام غير ملزم كما في الوضع الحديث وسنقرن هذا بدليل وهو حادثة سمرقند.

وسنناقش شروط إقامة الحدود فلم يبيح الشرع تطبيق الحدود في المطلق وإنما شدد عليها فلم يقطع الرسول يد إلا مرة واحدة ولتطبيق حدها شروط عديدة وأيضاً لجلد الزاني لها الشروط التي لا تجعلها سهلة التنفيذ وهذا لمن يقول إن الإسلام يقطع ويجلد بإباحية وسنرى هذا في شرح الحدود والقوانين الإسلامية أنه لابد من اكتمال نصاب الشهود وشروط إقامة الحد.

فالحدود في القانون الإسلامي هي قوانين ثورية لأنها تحقق العدالة الكاملة وترد حق المعتدى عليه وحق الدولة فترجع أفضلية القانون الإسلامي في أنه يحقق العقوبة ورد الإهانة والتأديب والعبرة في وقت واحد. فمثلا جلد زوج الزانية لها أو جلد والدها لها في حالة عدم زواجها بعد تحقيق شروط الواقعة يكون لرد إهانته وتأديبها ولتكون عبرة لغيرها وهكذا حدود السرقة أو الإفساد في الأرض حتى لا يتم التمادي فيها.

وسنوضح في هذه النقاط القادمة وثيقة المدينة ومبادئها الدستورية وأمثلة للقوانين التي يمكن وضعها لاستخدامها في إدارة الدولة مستقاه من الشريعة وأحكام ومبادئ الفكر الإسلامي في نواحي الحياة السابق شرحها بالتفاصيل بالأبواب السابقة، منها ما هو بطريقة مباشرة كالحدود ومن القرآن ومنها ما هو بطريقة غير مباشرة من القرآن أيضاً وتفسيره ومن أقوال وأفعال النبي والصحابة في أقسام القانون المختلفة. على أن تكون بداية لوضع قانون إسلامي عن طريق المشرعين والفقهاء وتقسيم الشريعة بتمعن على الأقسام القانونية الخاصة بها لوضع شكل قانوني حديث للشريعة الإسلامية وتقنينها وتطبيقها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم