كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 126 (العفو عند المقدرة)

 


-العفو عند المقدرة: -

-قال الله تعالى: -

(وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

(...وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)

(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ)

(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)

(... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ)

(ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ)

(...فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)

﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: 149]

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ آل عمران: 159

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ما زاد الله عبداً يعفو إلا عزاً).

(... ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة).

(أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام)

(من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه).

(من أتاه أخوه متنصلاً – معتذراً - فليقبل ذلك محقاً كان أو مبطلاً فإن لم يفعل لم يرد على الحوض).

وقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك...).

(صل من قطعك وقل الحق ولو على نفسك وأحسن إلى من أساء إليك).

(يا عقبة بن عامر: صِل من قطعك، وأعطِ من حرمك، واعف عمَّن ظلمك).

قالت السيدة عائشة: - (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

فنجد الرسول في عظم قوته يسامح أهل قريش بعد كل ما فعلوه فيه وفي أهله ويقول لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فرغم المقدرة على العقاب إلا أنه سامحهم وعفا عنهم عملاً بتعاليم الفكر الإسلامي الذي يحث على العفو من أجل نشر السلام والمحبة بين الناس.

فنجد أن الرسول ما انتقم لنفسه أبداً مهما حدث فيه حتى أنه زار اليهودي الذي كان يؤذيه عندما مرض ويعفو دائماً إلا في حرمات الله.

فقد عفا صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي دسَّت له السمَّ في الطعام لقتله، فجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: حدث يوماً أنَّ يَهوديةً من أهلِ خَيْبَر سَمَّتْ شاةً مَصْلِيَّةً، ثم أَهدَتْها لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخَذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذِّراعَ، فأكَلَ منها، وأكَلَ رَهْطٌ من أصحابِه معه، ثم قال لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ارفَعوا أيدِيَكم، وأرسَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى اليهوديةِ فدعاها، فقال لها: أسَمَمْتِ هذه الشاةَ؟ قالت اليهوديةُ: مَنْ أخبَرَك؟ قال: أخبَرَتْني هذه في يدي يقصد الذراعِ، فقالت: نعَمْ، قال: فما أردْتِ إلى ذلك؟، قالت: قلتُ: إنْ كان نبِيًّا فلن يضُرَّه، وإنْ لم يكُنْ نبِيًّا استَرحْنا منه، فعفا عنها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولم يُعاقِبْها، رغم أنه تُوُفِّي بعضُ أصحابِه الذين أكلوا من الشاةِ.

وقد عفا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عمن أراد قتله بسيفه وهو نائم؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما قال: قاتَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحاربَ خصَفةَ بنخلٍ فرأَوْا مِن المسلمينِ غِرَّةً، فجاء رجلٌ منهم يُقالُ له: عوفُ بنُ الحارثِ أو غَورثُ بنُ الحارثِ حتَّى قام على رأسِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالسَّيفِ، فقال: من يمنَعُك منِّي؟ قال: اللهُ، قال: فسقَط السَّيفُ مِن يدِه، فأخَذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم السَّيفَ، فقال له: مَن يمنَعُك منِّي؟ قال: كُنْ خيرًا منِّي، قال: تشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ؟، قال: لا، ولكنْ أُعاهِدُك على ألَّا أُقاتِلَك، ولا أكونَ مع قومٍ يُقاتِلونَك، قال: فخلَّى سبيلَه، فجاء إلى أصحابِه، فقال: جِئْتُكم مِن عندِ خيرِ النَّاسِ...).

وفي آية العفو عندما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ما هذا يا جبريل؟ قال له: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك.

فنجد فيها كل ألوان المحبة والتسامح ونشر الأخوة الإنسانية بين الناس مهما حدث منهم.

وفي آية العقاب المقصد به أنه حتى في رد العقاب لا نزيد عما حدث معنا بل مثلما حدث لنا يكون الرد بالعدل ثم يشدد الله على الصبر والسماح والعفو فإنه الأفضل للمحبة والسلام.

وفي آية الدفع بالحسنى للسيئة حثاً على العفو والصبر والتسامح مع المعتدين وأن نسامح المخطئ ونتجه للعرف (الخير) وأن نبتعد عن آراء الآخرين التي تدعو لغير الخير دعوة إلى التسامح والود والتراحم مهما حدث من الآخرين.

وهذا ما نراه أنه إذا استطاع شخص أن يعفو ويسامح ويغفر لمن أضره ازداد بهاءً وجلالاً واحتراماً في نظر الناس والتسامح والعفو ينمي الأخوة بين الناس ويزيد من روح المحبة حتى إن كان قبلها عداوة أو ظلم.

فيزيد من السلام والمحبة بين الناس خاصة إذا العفو عند القدرة على أخذ الحق بقوة ولكن يكون الإنسان متسامحاً بالعفو عن الأخر لنشر السلام والمحبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم