كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 155 (الآداب والفنون)



-     الآداب والفنون: -

إن الآداب والفنون من العوامل التي تساعد على تقدم المجتمع وخاصةً في النواحي الثقافية والأخلاقية التي تساعد على تنميتها، وتساعد على تنمية الثقافة والوعي لدى المجتمع وهي مرآة المجتمع. وهو مرآة الشعوب والدول ومقياس مدى تحضرها، فمع تقدم الدولة الإسلامية ظهر على الفنون والآداب سواء بالشعر أو الأدب بشكل أو فن العمارة وغيرها من الفنون. فالفن انعكاس لثقافة الشعوب.

والفكر الإسلامي لا يمنعها ولكن يرفض أي نوع من أنواع الفنون أو الإعلام الذي يحث على الغرائز الجنسية أو اللاأخلاقية. ولكن يشجع كل فن أو إعلام أو أدب يحث على الفضيلة والأخلاق ويضيف قيمة للمجتمع. فالآداب بمختلف أنواعها تساعد على نشر الآداب القويمة والفضائل والأخلاق والوعي والثقافة، بل إنها عامل مشجع للجنود وتحميسهم في الحروب.

ولابد أن يكون الفن والآداب والإعلام غير موجه ومستقل حتى لا يخدم فساد الحكام ويستغلوه. فلا يجب أن يتحكم بها الحكام حتى لا تنافقه وتكون أداة لتجهيل الشعوب بل تكون ناقدة للحكام ومرآة الحقيقة ومشاكل المجتمع. فعلى الكليات المتخصصة في الفنون والإعلام والصحافة أن تعلم طلابها على إتقان فنهم دون توجيه من أحد وأن يكون حائط للفساد وكشفه وإظهار الحق ويعمل بشفافية.

وعلى الأدب والفن أن يحملا القيم والأخلاق والمواعظ لتنمية المجتمع ويعلو بثقافته. فالأدب نوع من أنواع الفنون والعلوم فلابد أن يكون له هدف سامي ويحمل قيم إلى المجتمع ويرسخها داخلهم ويحاول أن يقدم مشاكل المجتمع محاولاً إيجاد حلول لها واستخدام القيمة الإنسانية في أنواعه الأدبية ليقدمها للقارئ ويستخدمها المربي في التعليم كقصص القرآن. فيكون الفن والأدب يقدم قيمة للمجتمع وللفن أيضاً ويعكس صورة وثقافة ووعي المجتمع على حد سواء فالعلاقة بين الأدب والفن من جهة والمجتمع من جهة أخرى علاقة قوية ولصيقة بوعيه سواء بتنميته أو إظهاره. فيكون تأثيرها مكسب وتنمية لوعي المجتمع ثقافياً وسياسياً.

وعلى الدولة تشجيع الفنون على مختلف ألوانها، ولا تتحكم بها. فالفن مدلول للسياسة ومدى جودتها، فتظهر إيجابية الفن على المجتمع إذا شجعته الدولة دون سيطرة أو توجيه. أما إذا كان العكس كان فاسداً ومفسداً للمجتمع ومدمراً لذوقه وللفنون.

وكان عمر بن الخطاب يوصي قائلاً: -

(أما بعد فعلموا أولادكم السباحة والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن الشعر)

فهذا لتعليم الأطفال الرياضة والقصص والشعر وما ينمي المشاعر والخيال فيه.

ففائدة الفن أن يخدم المجتمع وليس أن يخدم الفن فقط ولا يكون ذو فائدة مالية فقط فقيمته الحقيقية للمجتمع.

فنجد سورة يوسف وقصتها كل أسس الأدب ورسائلها وهي الثقة في الله والصبر وعدم اليأس لدعم مفاد علم القصة والأدب.

-فقال الله تعالى: -

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)


- ومن أنواع الآداب والفنون ما يلي: -

-الشعر والفن والغناء: -

هو من الفنون المهمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: -

(أهجهم حسان وجبريل معك).

(إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله).

أي بالشعر يرد على المشركين الذين كانوا يهجون النبي.

1-   روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بالدف ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه ومضطجع ومحول وجهه. فأنتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وقال (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد).

2-   قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إن من الشعر حكمة).

وهذا لأنه يدعو إلى الثقافة والوعي دون تجريح أو ابتذال.

3-   ما رواه الإمام أحمد والترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في بعض مغازيه فلما انصرف جاءته جارية. فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى. قال صلى الله عليه وسلم: إن كنت نذرت فأضربي، وإلا فلا. وأذن لها النبي، فجعلت تضرب بالدف.

4-   الرسول صلى الله عليه وسلم أباح الضرب بالدُف في العُرس فقال: (أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِى الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ).

5-   ورخّص صلى الله عليه وسلم في نوع من الغناء في العُرس ونحوه، كما في حديث عائشة رضي الله عنها أنها زَفّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ).

وفسّر هذا ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أَنْكَحَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي، قَالَتْ: لاَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: إِنَّ الأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ)

فقالت السيدة عائشة أنه في إحدى الأيام سأل النبي زوجته عائشة عندما زفت خادمة لها قائلاً: هلا بعثتم معها من يغني لها يا عائشة؟ فسألته ماذا يقول يا رسول الله؟ قال: -

أتيناكم أتيناكم         فحيونا نحييكم

ولولا الحنطة السمراء ما سمنت فتاياكم

ولولا الذهب الأحمر   ماحلت بواديكم

فردد الرسول الأشعار ولكن دون وزن حتى لا يقال إن القرآن من عنده وترديده له تدليلاً على أنه ليس بالشيء الخاطئ وإنما به يستطيع الشاعر أن يحث الناس على مكارم الأخلاق.

6-   وفي يوم كان في فناء بيته يخصف نعله وقد عناه الخصف حتى عرقت جبينه فقالت له عائشة مازحة لكأنك المعني بقول الشاعر يا رسول الله. فتهلل وجهه وقال لها وماذا قال؟ قالت: -

ومبراً من كل غبر حيضه وفساد مرضعة وداء مغيل

  وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل

فضحك الرسول وقال لها بنشوة: لا فض فوك يا عائشة.

7-   أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة أتعرفين هذه؟ قالت: لا يا نبي الله، فقال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقاً فغنته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد نفخ الشيطان في منخريها.

8-   يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضِي اللهُ عَنه: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم دخَل مكَّةَ في عُمرَةِ القضاءِ وعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ" وكان مِن الشُّعراءِ، "بينَ يدَيه يَمْشي"، أي: يمشي أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، "وهو يَقولُ"، أي: يُنشِدُ شِعرًا يُخاطِبُ الكفَّارِ بقولِه: ... "خَلُّوا بَني الكُفَّارِ عن سَبيلِه"، أي: تنَحُّوا وابتَعِدوا عن طريقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم. "اليومَ نَضرِبْكم على تَنزيلِه"، أي: نُقاتِلُكم على تَنزيلِ القرآنِ حتَّى تُسلِموا، وقيل: بل المرادُ بالتَّنزيلِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ودُخولُه لمكَّةَ. ... "ضَربًا يُزيلُ الهامَ عن مُقيلِه"، أي: إنَّه يُسخِنُ فيهم المقاتَلةَ حتَّى تَزولَ رُؤوسُهم مِن مَواضِعِ نَومِهم الَّذي يَكونُ بالنَّهارِ وهو الَّذي يُسمَّى بالقيلولةِ، والهامَةُ: الرَّأسُ. "ويُذهِلُ الخليلَ عن خَليلِه"، أي: يُبعِدُ الصَّديقَ عن صَديقِه مِن شدَّةِ التَّعبِ. ... فقال عُمرُ بنُ الخطَّابِ لعبدِ اللهِ رَضِي اللهُ عَنهما: "يا ابنَ رَواحَةَ، بينَ يدَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، وفي حرَمِ اللهِ تَقولُ الشِّعرَ؟! "، أي: يُنكِرُ على ابنِ رَواحةَ قولَه الشِّعرَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لِعُمرَ: "خَلِّ عنه يا عُمرُ"، أي: اترُكْه يَقولُ في الكفَّارِ الشِّعرَ؛ "فلَهِي أسرَعُ فيهم مِن نَضْحِ النَّبْلِ"، أي: تأثيرُ الشِّعرِ فيهم أسرَعُ وأوقَعُ وأشدُّ علَيهم مِن ضَرْبِ النِّبالِ أو القتلِ بها، والنَّبْلُ: السِّهامُ. وفي الحديثِ: الحَضُّ على مُجاهدةِ الكُفَّارِ والمنافقين بالكَلامِ، كما يُجاهَدون بالسِّهامِ.

9-   حدث أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه مرَّ على حسَّانَ بنِ ثابتٍ رَضيَ اللهُ عنه ذاتَ مَرَّةٍ وهو يَقولُ الشِّعرَ في المَسجِدِ، فنَظَرَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه إليه، وكأنَّه أنكَرَ هذا الفِعلَ، فأخبَرَه حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ أنَّه كان يُنشِدُ الشِّعرَ في المَسجِدِ بحُضورِ مَن هو خَيرٌ مِن عمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فقدَ التَفَتَ حَسَّانُ رَضيَ اللهُ عنه إلى أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه، وقال له: أنشُدُكَ باللهِ، أسَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقولُ: «أجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أيِّدْه برُوحِ القُدُسِ؟» فقال أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه: نَعَمْ. وإنَّما ناشَدَ حَسَّانُ رَضيَ اللهُ عنه أبا هُرَيرةَ بسَماعِه لِلحَديثِ؛ لِأنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه كان يُشَدِّدُ في حَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا بشَهادةِ رَجُلَيْنِ. وكان ذلك القولُ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِندَما هَجا شُعراءُ مِن قُرَيشٍ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فطَلَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَن يَرُدُّ عنه ويَهجو قُرَيشًا، فتَقدَّمَ غَيرُ واحِدٍ، ومنهم حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ رَضيَ اللهُ عنه، فكان أشَدَّ الشُّعَراءِ تأثيرًا في المُشرِكينَ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ أيِّدْه برُوحِ القُدُسِ، يَعني جِبريلَ، وإنَّما دَعا له بذلك لِأنَّ عِندَ أخْذِه في الطَّعنِ والهِجاءِ في المُشرِكينَ وأنسابِهم مَظِنَّةَ الفُحشِ مِنَ الكَلامِ وبَذاءةِ اللِّسانِ، وقد يُؤَدِّي ذلك إلى أنْ يُتكَلَّمَ عليه، فيَحتاجَ إلى التَّأييدِ مِنَ اللهِ بأنْ يُقَدِّسَه مِن ذلك برُوحِ القُدُسِ، وهو جِبريلُ.

10-                       ردد الإمام علي بن أبي طالب الشعر وله ديوان مشهور.

11- ما روي عن أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يسمعون الغناء والضرب على المعازف. فمن الصحابة: عبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر وغيرهما. ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز، شريح القاضي، عبد العزيز بن مسلمة مفتي المدينة وغيرهم.

12- الأشعار التي تغنى بها الفاتحين والتي حمست المسلمين وقت الغزوات.

فطالما أن الشعر والغناء لا يوجد به الألفاظ النابية والماجنة أو التي تجرح المشاعر وبالمحافظة على الآداب، ولا تلهو عن العبادة والعمل. فهي مساعد على التقدم والتحضر والوعي والثقافة ومرآة لثقافة الشعوب وتقديم القيم للمجتمع والحث على الفضائل والتشجيع المعنوي والوطني كما كنت تحمس السيدات والنساء الصحابة بالأناشيد والأشعار على الدف وقت الغزوات والحروب، والآن مع تطور ألآت الموسيقى يكون لا حرج فيها ولا حرمانية حيث أن المتاح وقت النبي هو الدف ولم يتم تحريمه في الأفراح كتعبير عن الفرح أو الحروب مثلاً كتحميس للجنود، فلم يتم تحريم الألة القديمة وقتها لذا لا تحريم للحديث. وهذا رأيي.

- ويوجد رأي آخر يحرم الغناء لأنه يلهي على أساس: -

-قال الله تعالى: -

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(يكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر –الزنا- والحرير والخمر والمعازف).

ففسر لهو الحديث من ابن عباس وابن مسعود والحسن البصري أنه الغناء، وفسره السعدي أنه كل كلام يلهي عن الحياة والدين وبه خطأ سواء غناء أو كلام كذب وباطل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم