كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 154 (تجدد العلوم، الاجتهاد)



- تجدد العلوم وعدم الجمود: -

-قال الله تعالى: -

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) 

(بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ)

فالعلم ليس مادة ثابتة وإنما هو متغير ومتجدد ومادة تبادلية متطورة. لذا فهو يلزمه تفكير متغير ومتطور ومتجدد معه. فيحث الفكر الإسلامي على هذا كما وضحنا بالسابق لكي يتناسب الفكر مع العصر فلا يصح أن نكون متجمدين الفكر ومتشددين ومتوقفين عند جزء محدد من التفكير لأنه سنجد الجميع يتسابق للحاق بقطار العلم والتطور والحضارة ويسبق فكرنا ومنه نتأخر في العلم ومنه لكل نواحي الحياة.

فالجمود الفكري آفة تؤدي إلى التخلف عن ركب الحضارة، ولا بد من التخلص منها والعمل الدائم على التعلم والتثقيف والاختراع من أجل التقدم المستمر وبناء الحضارة.

والتشدد في الأفكار يؤدي إلى الدمار والهلاك الفكري والثقافي والمجتمعي بين الناس. فيجب المرونة في الفكر والتجديد حتى لا يحدث تصادم، بل واجب التجديد والاختلاف من أجل التطور والتغيير وبناء الدولة والحضارة وعدم فساد العالم.

-فقال الله تعالى: -

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).

والدفع هنا للخلاف الصحي بين الناس ثم التحاور للوصول إلى الاتفاق على أصح الأفكار والعمل بها، فيجب عدم المغالاة في الأفكار والتشدد فيها وتقبل الرأي الآخر وتجدد الفكر من أجل تعاصف العقول والتقدم الفكري والحضاري.

 

- الاجتهاد: -

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً)

(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)

(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)

للتفكير والاجتهاد بالنظر إلى خلق الله والتفكر بها.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله).

(إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).

(أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

(ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن).

(الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق به).

من حرية العلم والتفكير ومن منطلق أن العلم متجدد ومتغير مع العصور وإعمالاً للعقل الإنساني يجب على الفرد أن يجتهد في الأمور التي يحتاجها كل فترة وتتغير من زمن إلى آخر في أمور الدين والدنيا المتغيرة في كل نواحي الحياة (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العلمية والتربية، القانونية). ولكن يكون عملاً بما قاله الله بالآية الأولى وقول النبي بالحديث أن يكون التجديد والاجتهاد على أساس مرجعية وفلسفة المنهج الإسلامي أي يكون غير مخالف لكلام الله وتعاليم الفكر الإسلامي وهو المقصود ب (ردوه إلى الله والرسول).

وهذا هو قوة الفكر الإسلامي وقوة صلاحيته لكل زمان ومكان حيث أنه أتى بأسس وقواعد كالعدل والشورى والمساواة والحرية وترك التطبيق للعقل والاجتهاد في كيفية التطبيق على حسب احتياجات الزمان والمكان والعصر.

وهذا ما سار عليه الصحابة والخلفاء من بعدهم والمجددين لأحكام الفكر الإسلامي بالاجتهاد على حسب مستجدات العصر وحاجاته، بما لا يخالف الشريعة وفلسفة الفكر الإسلامي وتعاليمه كمرجعية ثابتة. مثل اجتهاد عمر بن الخطاب وأهل الشورى في تعطيل حد السرقة عند قيمة محددة وقت المجاعة عملاً بالرحمة والعذر للناس، واجتهاده بمصارف الزكاة في المؤلفة قلوبهم، فكانت كلها اجتهادات على أسس ومقاصد الشريعة بالرحمة والعدل، لذا فالاجتهاد والتطوير وعدم الجمود مطلوب بكل العلوم الدينية والدنيوية لتناسب مع العصر وتخدم البشرية.

هذا غير الاجتهاد والتطوير على العلوم المنقولة من الحضارات الأخرى، فليس عيباً أن ننقل مما وصل إليه الآخرون، ولكن العيب بعدم تطويره والإضافة عليه.

فالحاكم والقاضي والعالم والفرد الذي يسعى إلى التفكير لتحقيق العدل قد تقابله أمور حديثة، فعليه التفكر بها والحكم فيها بما لا يخالف تعاليم المنهج الإسلامي وفلسفته.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم