كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 124 (المنان والتسامح والحلم بالأخلاق)

 


-المنان: -

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: والمنان ...).

(ثلاثة لا يدخلون الجنة: والمنان).

(إياكم والمن بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر).

والمنان هو الشخص الذي يساعد الغير بالأعمال أو بالمال والصدقات ويقول بفعلته له أو لغيره عنها وكأنه يفعلها للمفاخرة وليست مبتغاه لله وللناس وللإنسانية.

فبهذا لا تكون هذه الأموال في سبيل الله أي ليست بغرض المساعدة للغير بالزكاة والصدقات والإحسان وإنما من أجل المظاهر الكاذبة أمام الناس. فهي مرفوضة لأنها كالنفاق وتؤدي في النهاية إلى الإضرار بالغير مِمَن تمت مساعدتهم وإحراجهم إنسانياً ونفسياً.

- وقول الله تعالى: -

(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

بأن يكون الإنفاق بالسر بالكتمان، وبالعلانية دون مَنْ على أحد وهنا تكون الشعرة الفاصلة بأن يكون التصدق للناس دون تفاخر ولكن قد يكون بعمل خير علني دون طلب حاجة مقابلها كشهرة أو دعاية لعمل آخر، ولكن يكون لوجه الله ولمساعدة الغير ولتشجيع الآخرين على التصدق وعمل الخير والتعاون الاجتماعي بين الناس بمساعدة الغير.

 

-التسامح والحلم في الأخلاق: -

-قال الله تعالى: -

(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)

(وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(الحلم سيد الأخلاق).

(ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).

(عندما سئل أي الإيمان أفضل؟ قال: الصبر والسماحة).

ومن المأثورات التي تؤكد على التعامل الحسن بين الناس وأنها تدل على صحيح الدين: -

(الدين المعاملة).

ومن المواقف المهمة التي تدل على التسامح عندما دخل النبي إلى مكة وفتحها، وكان أهل مكة قد أخرجوه منها وحاولوا قتله ولكن رغم هذا قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء وسامحهم. من أجل التعايش السلمي بين الناس والتسامح والتعايش المشترك بود وتسامح ومحبة دون ضغائن عملاً بمبادئ الفكر الإسلامي ونشرها بين الناس.

وحدث أن دخل إعرابي وتبول بالمسجد فهم بعض الصحابة أن ينهروه فقال لهم النبي: لا تقطعوا عليه بولته ثم بعد انتهائه أخبره النبي بأن هذه مساجد لا يصلح مثل هذه القاذورات فيها.

فنهاه عن الفعل بالحسنى والموعظة الحسنة والتسامح ولم يغضب عليه.

حتى أنه عندما سلط أهل الطائف أطفالهم ليرموه بالحجارة عندما ذهب لدعوتهم إلى الإسلام خرج من عندهم وبكى وقال لله: إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي، وسامحهم وقال وهو ينزف الدم: اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون.

وصبره عليه السلام على أفعال اليهودي الذي كان يؤذيه ومسامحته له، وأيضاً مسامحته لأهل قريش عندما فتح مكة ولم يستبح دمهم كما فعلوا معه وقال: -

(اذهبوا فأنتم الطلقاء).

ويقول أنس بن مالك كنت أمشي مع رسول الله وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه الرسول وضحك وأمر له بعطاء.

فتقبل التصرف المسيء له من الإعرابي بكل حلم وهدوء بل ابتسم وأعطاه ما يريد.

وتعلم منه الصحابة التسامح والتابعين وتابعي التابعين فنجد أن عمر بن عبد العزيز عندما كان يسير بالمسجد والجو دامس الظلمة فتعثر في شخص نائم فقال له الشخص: أأنت حمار. فقال له: لا، أنا عمر. فرد خادمه مزاحم وقال: له إنه يسبك. قال له: لا إنه يسألني أأنا حمار، فقلت له لا أنا عمر.

وعندما أرسل عبد الله بن الزبير رسالة إلى معاوية بن أبي سفيان وكانا الاثنان يتنافسان على الخلافة بسبب دخول عمال مزرعة معاوية لمزرعة عبد الله المجاورة له قال فيها: من عبد الله بن الزبير إلى معاوية بن أبي سفيان ابن هند أكلة الأكباد أما بعد: فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي فمرهم بالخروج منها أو فو الذي لا إله إلا هو ليكون لي معك شأن.

فكتب له معاوية: من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير ابن أسماء ذات النطاقين أما بعد: فو الله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك وعمالي إلى عمالك فإن جنة الله عرضها السماوات والأرض.

فعندما قرأها ذهب إليه وقبل رأسه وقال له: لا أعدمك الله حلماً أحلك في قريش هذا المحل.

فما أجمل التسامح وحلم الأخلاق والسماحة رغم ما بينهما من تنافس على السلطة، فرغم كل هذا التنافس إلا إنه لم يمنعه من الحلم والتعامل بود رغم الخلاف السياسي.

فكل هذا يعلمنا التسامح والحسن والأخلاق والإنسانية في التعامل والحلم وعدم الغضب وزرع المودة مع الآخرين مهما عانينا منهم لنشر السلام والمحبة. فالدين يطبق بين الناس بالمعاملة الحسنة الطيبة وتطبيق بالأخلاق الكريمة ومقابلة السيئة بالمعاملة الحسنة فنجبر الآخر على المعاملة بالمثل ونشر الأخلاق الحميدة بين الناس.

والتسامح يجعل من الناس متكاملين ومتحابين ولينين التعامل وليسوا مهاجمين لأفعال الآخرين ومتربصين لهم ولأخطائهم ويكون سهل عليهم الاعتراف بالخطأ لعدم تكراره والبعد عنه. أما إذا لم يتغافل ويتسامح الناس مع بعضهم البعض سيكون كل فرد متخوف من فعل الخطأ خوفاً من المجتمع وقد يفعله بالخفاء فيكون المجتمع لهذا منافقاً وأفعاله بالسر غير بالعلن ومدعين للفضيلة ومتربصين لإيقاع الحد على بعضهم البعض.

-وقال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

وهذا من أجل وجود التغافل والتسامح بين الأزواج والأبناء والمجتمع بشكل عام من أجل استمرار الحياة والمودة والمحبة بين الأهل وبين الناس جميعاً. فيكون التغافل والتجاوز عن أخطاء الغير من قبيل التسامح في العلاقات والحلم في الأخلاق من أجل بناء أوصال السلام والمحبة بين أفراد المجتمع، والبعد عن التباغض بين الناس لتكوين مجتمع يتعايش في سلام ومحبة.

-       وقال الله تعالى: -

{وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا} [المزمل: 10].

{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85].

{فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا} [المعارج: 5]

وذلك من أجل وجود هجر بلا أذى بالهجر الجميل، وصفح جميل أي صفح بلا معاتبة، وصبر جميل بصبر بغير شكوى إلى المخلوق. من أجل نشر روح التسامح والمحبة بين الناس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم