-عدم التقليد
الأعمى أو التبعية الفكرية وامتلاك الفكر والرأي الخاص والابتكار: -
-قال الله تعالى:
-
(...قُلْ
هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)
(...بَلْ
نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ
آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)
-قال النبي صلى
الله عليه وسلم: -
(لا تكونوا
إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس
أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا).
(استفت قلبك،
البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في
الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك).
(قال رجل
للنبي: يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل أو أعقلها وأتوكل؟ قال: بل أعقلها وتوكل).
عندما علم بفعل
القوم بأنهم يلقحون النخل بأيديهم فقال ما أظن ذلك يغني شيئاً فتركه القوم عندما علموا
وبعدها صار الثمر شيصاً فلما راجعوا الرسول قال: -
(إنما هو
الظن إن كان يغني شيئاً فأصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما
قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله ما كان من أمر دينكم فإلى وإن كان شأناً من أمر
دنياكم فشأنكم به أنتم أعلم بأمور دنياكم).
(إنما أنا بشر
إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر).
يوم جاء النصارى وجادَلوا النبي محمدًا في معنى قول الله تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[التوبة: 31]
قائلين: إنهم
لم يَتخِذوا الأحبار والرهبان أربابًا. فقال لهم الرسول أنهم نظَروا إلى أحبارهم
ورهبانهم على أنهم معصومون؛ يَملِكونَ حقَّ التحريم والإباحة، وهذا الحقُّ لله وحده،
فمن يملكه يُشرِك بالله، ويكون مدعيًا للألوهية، فتلك عبادتهم إياهم؛ أليسوا يؤمنون
بأن ما يُحِلُّونَه في الأرض يُحِلُّه الله في السماء، وما يُحرِّمونه في الأرض
يُحرِّمه الله في السماء، فكإن الله تابعٌ لهم وكأنهم يقدِّسون الأحبار والرهبان
أكثرَ من تقديسهم لله.
وبهذا لا
يجب أن يحدث ولا يصح أن يتم تقديس أي شخص واتخاذ رأيه دون تفكير مهما كانت منزلته.
بل يجب التفكير واستفتاء القلب والعقل في الأمور بالتعلم والبحث والاستماع لكل الآراء.
فغير ذلك يحمل
الفرد الخطأ أمام الله لأنه لم يبحث ويفكر كما حثنا الفكر الإسلامي، ولأن الفرد اتبع
شخص دون بحث لما يتناسب مع هواه.
وقال الإمام
مالك: -
(إنما أنا
بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق
الكتاب والسنة فتركوه).
فكانت دعوة
الفكر الإسلامي للتفكر وعدم تبعية أحد في المجالات المختلفة دون تفكير أو السير
وراء الأشخاص والجماعات دون تفكير لمجرد الوثوق بهم بل يكون لكل شخص موقفه الخاص
المحدد الذي يصل إليه بعد تفكير ومشاورة وقراءة وهذا علو بقيمة العقل الإنساني.
فتكون
الحرية الفكرية في كل شيء من أجل تكوين الشخص لفكره ورأيه الذاتي دون سيطرة من أحد
ودون تبعية لأحد ومن هنا تبدأ حرية الفرد، فالدعوة هي إعمال للعقل حتى لا يسيطر
أحد على الآخر، فيكون التغيير من النفس بالحرية الفكرية حتى تتحرر البلاد والمجتمعات
من أي أحد يحاول يفرض فكره عليهم فقال الله تعالى:-
(إِنَّ اللَّهَ
لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
ودعا الفكر الإسلامي
إلى التفكير في كل أمر ديني أو دنيوي مهما كان مصدره ومن حديث النبي الذي يوضح فيه
أنه قد يصيب وقد يخطأ كحال كل البشر يوضح ألا نثق برأي أحد دون التفكير ودون مرجع
فقال إن المرجع الكتاب والسنة في العلم الديني وبالطبع يكون المرجع في علوم الدنيا
كتب العلوم الخاصة بها بالبحث والقراءة والتعلم والتفكير وليس بالتصديق الأعمى.
فلا نقلد إلا
ما يصلح لنا كما أخذ عمر بن الخطاب فكرة الدواوين من الفرس لأنها ستفيد الدولة ولا
نقلد ما لا يتناسب معنا. ولكن يكون التقليد غايته التطوير حتى لا نقف مكاننا بل
نسبق الآخرين فيما توصلوا إليه لبناء الحضارة التي تحمل معالمنا وسماتنا الإسلامية.
فيكون تقليد
فعل أو عمل أو فكرة بعد تفكير قوي بها في صلاحها لنا ولا يكون التقليد أعمى ونقف
عليه بل نطوره ونزيد عليه ليكون لنا بصمتنا في بناء الحضارة ولا تكون مقلدة ولكن يكون
اقتباس بتطوير وبداية مما انتهى إليه الآخرون.
ويجب على الفرد
التأكد من كل معلومة يسمع بها ولا يرددها على عدم يقين وهذا بإعمال العقل والقراءة
والبحث وعدم تصديق الأقاويل والخرافات دون دليل مادي واضح وبعد تفكير يقيني باستفتاء
القلب والعقل. وعدم التبعية لأحد من الآباء أو السادة الكبار أو الجماعات أو
الحكام أو الشيوخ أو غيرهم إلا بعد التفكير والاقتناع العقلي التام ولتكوين آراء فكرية
خاصة وإعمال العقل بالبحث في مرجع العلوم الخاص بها سواء علم ديني أو دنيوي فلا
أحد منزه من الخطأ.
وأكد الفكر الإسلامي
على عدم تصديق أي شيء إلا بدليل والتفكير فيه والتصديق على البرهان بأدلة قوية على
كل شيء والتفكير في هذا الدليل ومناقشته لتصديقه وأخذه في الاعتبار أم لا وعدم
قبول أي دعاوي إلا ببرهان.
وكلمة (أعقلها
وتوكل) في الحديث تأتي من إعمال العقل وحساب أبعاد ونتائج أي خطوة نخطوها ثم العمل
عليها وهذا تأكيداً على أهمية العقل وضرورة إعماله وامتلاك رأي وثقافة خاصة.
وقول النبي
وتأكيده على أن الناس أعلم بأمور دنياهم هو للتفكر في أمور الدنيا وعلومها والتعلم
والابتكار فيها وتطويرها وأن كل فرد هو الأعلم بمجاله فيفيد به غيره.
وقال الإمام
محمد عبده: -
إن التقليد
بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين وأن المرء لا يكون مؤمناً إلا إذا عقل دينه وعرفه
بنفسه حتى اقتنع به.
فتكمن أهمية
العلم والتطوير العلمي والثقافي لتغيير الحياة للأفضل بالعلم بامتلاك ثقافة خاصة
وهذا يساعد على امتلاك هوية خاصة وعدم تغييرها بالتقليد الأعمى للغير.
-الحث على استفتاء
القلب في المشتبهات والتفكر بالعقل والشك: -
قال وابصة بن
معبد أنه أتى رسول الله وينوي ألا يدع شيئاً من البر والإثم إلا سأل عنه فقال له
النبي: إدنِ لي يا وابصة. فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته وقال لي: يا وابصة أخبرك
عما جئت تسأل عنه؟ قلت يا رسول الله أخبرني. قال: جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت نعم.
فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها صدري ويقول: يا وابصة استفت قلبك... البر ما اطمأنت
إليه النفس وأطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك
الناس وأفتوك.
-فقول النبي
صلى الله عليه وسلم: -
(استفت قلبك).
أي اطمئنان القلب
لما ذهب إليه العقل بعد الدراسة والتفكير.
وموقفه عليه
السلام يوم غزوة بني قريظة عندما قال للمسلمين (لا نصلي العصر إلا في بني قريظة) ومر
العصر وهم مازالوا بالطريق فقام البعض بالصلاة خوفاً من أن يمر وقتها وقام البعض
الآخر بإتباع كلام الرسول ولم يصلوا إلا بعد الوصول فلم ينكر الرسول على أحد فعلته.
ليدلل على أن
لكل فرد الحرية في التفكر وإتباع ما يسير إليه عقله طالما أن الأمر الذي وصل إليه
من الأمور المحللة وليس محرم عمله.
وقال الإمام
مالك: -
(إنما أنا
بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق
الكتاب والسنة فتركوه).
وهذا قد وضحناه
بالنقطة السابقة وأنه تأكيداً على أن كل أمر وفعل من بشر يحكم من خلال فكره وضرورة
مراجعته من الناس وعدم الطاعة العمياء والتفكير فيما يصدر من أقوال في الحكم منه
ومن الحكام من بعده إن كان مع الكتاب والسنة أم لا.
ومن حرية التفكير في الدين أيضاً أنه لابد على كل
إنسان أن يذهب بعقله للتفكير في كل الأديان ليصل إلى حد اليقين في دينه دون شك
ويشتد إيمانه به.
حتى أننا نجد
أن الفكر الإسلامي قد أتى بالأسس الفكرية الدنيوية والخطوط العامة، وترك للفقهاء
والعلماء والمفكرين حرية التفكير في أمور الدنيا وكيفية تطبيقها وفي كل نواحي
الحياة والتجديد فيما يظهر باختلاف الزمان والمكان على أساس الفقه الديني، ويأتي هذا
بالتفكير وتحكيم العقول.
وقد اتفق العلماء
أن الاجتهاد في النقل وليس النص ويأتي بالتفكير والعلم وهذه هي فلسفة الفكر
الإسلامي لإعمال العقل والتفكير.
ونجد أن التعليم
بالرواية والقصة وإيصال الحكمة والموعظة بإعمال العقل في فهم القصص في القرآن عن الأنبياء
والصالحين والفجار لكي يفهم بها الفرد الصواب ويتعظ من تجارب الآخرين. وهذا دعوة
لإعمال العقل فلا غيب في العقل أي الإدراك بالعقل للأشياء المعلومة.
وكما شرحنا
في النقطة السابقة الدعوة بإعمال العقل ويتضح في قوله عليه السلام (أعقلها وتوكل)،
فهي ليست للناقة فقط وإنما بأن يكون كل شيء خاضع للتفكير ولاستفتاء القلب والعقل
وليس بالتبعية لفكر أحد.
فلخلق فكر
واعي وأفراد ذوي وعي جيد يجب على الفرد التحلي بعدم التبعية الفكرية ووجود نقد موضوعي
وعدم الحكم العاطفي بل بالعقل والمنطق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم