-آداب الحوار:
-
1- إخلاص
النية لإظهار الحق: -
لابد أن نحدد
داخلنا أن الغرض الوصول للصواب والحق وعدم التعصب لآرائنا كما قلنا بالأمثلة للرسول
والصحابة في مواقف مختلفة.
فالهدف للحوار
هو الوصول إلى الحق والصواب وأصح الأفكار، وليس اثبات وجهة نظرنا فقط فقد تكون
خطأ. لذا يجب الاستماع وإخلاص النية بالوصول للرأي الصواب دون تعصب.
2- الاحترام المتبادل:
-
نجد أن
الرسول في حواره مع المشركين في صلح الحديبية كان يحترم المتحاورين معه ولا يقلل منهم
ولم يقلل من احترامه لأحد من المخالفين له في رأيه سواء في حادثة النخل أو غزوة
بدر كما ذكرنا في الأمثلة السابقة.
فقوي الحجة
يناقش بالفكر والرأي ويؤيد كلامه بالحجة وأما ضعيف الحجة يناقش بالطعن والتحقير في
الأخر وهذا دليل على ضعف فكره وموقفه.
3- التحلي
بالأخلاق وعدم الغضب والصدق: -
-قال الله تعالى:
-
(وَاصْبِرْ
عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)
وقال الإمام الرازي عن الغضب: -
(إنه لا يبقي سداداً للفكر وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض).
وقال ابن القيم: -
(الغضب عدو العقل وهو له كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتال العقل).
فبعدم الغضب يتجنب المحاور السب والقذف والاحتقار والتقليل من الأخر أو أي ما
يسيء إلى أحد من المتحاورين، وبعدم الغضب نحافظ على مستوى الذكاء والثبات الانفعالي
لدى المحاور وقت الحوار فلا يخطأ في المعلومات ولا في الحديث فهذا يساعد الفرد على
إقناع الآخرين بوجهات النظر بالهدوء والأخلاق الحميدة، فالغضب والسب لغة المفلس.
وأيضاً من المهم الصدق في الحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة المجردة دون
افتراء بمعلومات مكذوبة تفقد الحوار مصداقيته وتفقد المحاور والمستمعين الثقة مع
الآخر إذا تم نشر معلومات مغلوطة.
4- عدم الصياح وقول اللين: -
-قال الله تعالى: -
(...وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ ...)
الصياح ورفع الصوت يكون نتيجة لضعف الحجة والخطأ ولا يؤدي أبداً إلى الفهم
أو إلى نتيجة أو وجهة نظر مشتركة ترضي كل الأطراف. بل يؤدي إلى التباعد بين المتحاورين
وزيادة الخلاف وعدم الاتفاق.
فروى أن المازني ناظره إنسان كثير الصياح والشغب فقال المازني: أخبرنا الشافعي
أن أبا حنيفة ناظر رجلاً فكثر صياح أبو حنيفة فمر به رجل قال: أخطأت يا أبا حنيفة.
فقال أبو حنيفة: ما هذه المسألة. فقال الرجل: لا أدري. فقال الإمام: فكيف عرفت أني
مخطأ. قال الرجل: لأنك إذا أخطأت صحت وإذا أصبت رفقت فعلمت أنك أخطأت حيث رأيتك تصيح.
فلا يكون الحوار والإقناع بعلو الصوت ولكن يكون صوت المتحدث مناسباً للموضوع
فيكون بقوة ولكن ليس بصياح ولا يكون رتيباً حتى لا يشعر المستمعون إلى الحوار أو
النقاش بالملل.
ويجب أن يكون الحوار باللين والرفق والهدوء من أجل الإقناع فمستحيل إقناع
فرد بشيء إذا كان الحوار به قوة وعنف أما اللين والهدوء يجعل من النقاش متقارب بين
الطرفين.
5- حسن الاستماع والإصغاء: -
من أهم ما يبين
الشخص هو حسن الاستماع وعدم مقاطعة الآخر. فحسن الاستماع هو نصف الحوار وقوته.
فنجد الرسول
في حديثه مع عتبة بن ربيعة يقول له: قل يا أبا الوليد. ليسمعه وانتظر حتى ينتهي من
كلامه حتى سكت قال الرسول: أفرغت يا أبا الوليد.
ليتأكد من انتهائه
من كلامه ليبدأ بالرد عليه دون أن يقاطعه واحتراماً له ولكي يظهر المتلقي للمتحدث
أنه يهتم به ويحترمه رغم الخلاف في الحديث، ولكي يعي الكلام جيداً ليستطيع الرد عليه
بمنطق سليم. فنسمع من أجل أن نعي ونفهم لا لكي نرد فقط، فبعد أن نعي الحديث جيداً قد
نجد اتفاق في الأفكار أو أرض مشتركة للحديث السوي.
6- حسن الألفاظ
واللين والصبر بالحديث: -
-قال الله تعالى:
-
(فَقُولَا
لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)
(ادْعُ إِلَىٰ
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...)
(...وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْنًا...)
(...وَلَوْ كُنتَ
فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ ...)
(وَلَا تُجَادِلُوا
أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
نرى بالآية
الأولى وصية الله تعالى لسيدنا موسى وسيدنا هارون بأن يذهبا إلى فرعون ويقوله له
قولاً ليناً ويحاوروه بالحسنى واللين رغم طغيانه وكفره بالله. وهذا ليكون للحديث
جدوى ويكون متقبل من الآخر.
نجد حوار
الرسول مع ضمام بن ثعلبة عندما أتى عليه في المسجد وهو جالس مع أصحابه: -
(قال ثعلبة:
أيكم محمد؟ فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب
فقال النبي: قد أجبتك. فقال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في
نفسك. فقال النبي: سل عما بدا لك. فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن
الله أرسلك؟ قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله.
قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماوات
وخلق الأرض ونصب هذه الجبال. الله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس
صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله أمرك
بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: صدق. قال:
فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع
إليه سبيلا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم.)
فنجد الرسول
وهو يحدث الرجل الذي ما انفك أن يشد عليه في الحديث ويستحلفه ويعدد أركان الإسلام
عليه ويريد أن يتصيد له الأخطاء إلا إن النبي لم يخرج عن هدوئه وحلمه وصبره واللين
في الحديث مهما طال أو شد عليه المحاور تأكيداً على اللين والحسنى والجدال بالكلمة
الطيبة من أجل الإقناع وتوصيل المعلومة في كل المواضيع ويكون للحوار والنقاش جدوى ويكون
من متقبل من الآخر، حتى أن الجدال والحوار في الأديان يكون بالحسنى.
7- عدم الاستئثار
بالحديث وترك مساحة للآخر بالحوار: -
من حسن
الحوار أن نعرف متى نتكلم، ومتى نسكت والأهم أن نعطي للآخر الفرصة والمساحة في
التعبير عن رأيه ليتحدث ويبين وجهة نظره، ولا نستأثر بالحديث ولا نتحدث طوال الوقت.
وحوارات الرسول
مع قريش ومع عتبة بن أبي ربيعة التي ذكرناها تؤكد على هذا فحسن الاستماع يبين وجهات
النظر والآراء الأخرى حتى لو كانت باطلاً، ولكن هذا لكي نستطيع أن نفهمها ونفندها
جيداً حتى نستطيع الرد عليها بأدلة مقنعة ونبين خطأها ونظهر الحق. فيكون الحديث متبادل
بين أطراف الحوار دون أن يستأثر أحد به.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم