كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 144 (الخطب، المناظرات، التفاوض)

 


-الخطب: -

نجد أن الرسول علمنا في خطبه أساسيات للخطيب الناجح وهي: -

1-  استهلال الحديث: -

كان النبي يستهل خطبه بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ويبدأ بمقدمة للحديث على صلة وثيقة بالموضوع الأساسي للخطبة.

2-   الانتقال من فكرة لأخرى بشكل جذاب: -

علمنا عليه السلام هذه النقطة لكي يكسر الملل والرتابة للمستمع ونجدها في تعاليمه وأحاديثه.

3-  تلقي الأسئلة: -

سمح عليه السلام بتلقي الأسئلة من المستمعين أثناء الخطب والحوارات وكان يجيب عليها حتى لا يقطع بود أحد في الفهم أكثر.

4- استخدام وسائل الإيضاح: -

-قال الله تعالى: -

( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)

كان عليه السلام يستخدم التخيل والطبيعة في إيضاح أفكاره وقد تعلمها من الله سبحانه في الآيات القرآنية. فكل هذا من وسائل إيضاح أفكار الموضوع.

5- الخاتمة: -

كان يختم النبي خطبه بتصديق الله وبآيات من الكتاب الحكيم وبحمد الله على نعمة التحدث وبما يتناسب مع الموضوع الذي تحدث عنه.

 

*ولنا في خطبة الوداع أسوة حسنة في هذا الموضوع وقد سردناها بنهاية الكتاب.


-المناظرات: -

المناظرات هي نوع من أنواع الحوار بطريقة منظمة محددة بأسئلة وأجوبة بأدلة ومن أدبياتها في الحضارة العربية الإسلامية (الفنقلة) أي استباق الرأي بعبارة (إن قلت كذا وكذا يكون كذا).

ونستمع لحديث بن عباس مع الخوارج وتضحيته بنفسه للحوار معهم بعد خروجهم على علي بن أبي طالب وإرساله إليهم للحوار والنقاش ومناظرتهم فذهب لهم في حلة جميلة فقالوا له: يا بن العباس ما الذي جاء بك؟ وما هذه الثياب التي عليك؟ فقال: أما الثياب التي على فما تنقمون مني؟ فو الله لقد رأيت رسول الله وعليه حلة ليس أحد أحسن منه ثم تلي قول تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ).

فقالوا: ما الذي جاء بك يا بن العباس؟ قال: جئتكم من عند أصحاب النبي وليس فيكم أنتم يا معشر الخوارج واحد من أصحاب النبي وجئتكم من عند ابن عم رسول الله علي بن أبي طالب وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم فأنا رسول (وسيط) بينكم وبينهم. فوافقوا على محاورته فروى بن عباس أنه كلم منهم اثنان أو ثلاثة فبدأ الحوار بقول بن عباس: ماذا تنقمون على علي بن أبي طالب؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثة أمور. قال: هاتوا. قالوا: الأول أن علي بن أبي طالب حكم الرجال في كتاب الله والله يقول (قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).

قال: هذه واحدة. فما الثانية؟ قالوا: إن علي بن أبي طالب قاتل ولم يغنم لئن كانوا كفاراً لقد حلت لنا أموالهم ولئن كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم. قال: وهذه أخرى. فما الثالثة؟ قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: أو قد فرغتم؟ قالوا: نعم. قال: أرأيتم إن قرأت عليكم كتاب الله المحكم وحدثتم عن سنة نبيكم ما لا تنكرون. أترجعون؟ قالوا: نعم. قال: أما قولكم أنه حكم الرجال في دين الله فإن الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ).

وقال في المرأة وزوجها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

ثم قال: أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم. أتسبون أمكم (عائشة) ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم. وإن زعمتم أنها ليست أمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام وإن الله يقول (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتهم ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا).

وأنتم مترددون بين ضلالتين فاختاروا أيها شئتم. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين فإن رسول الله دعا قريشاً يوم الحديبية على أن تكتب بينهم كتاباً فقال: أكتب هذا ما قضى عليه محمد رسول الله. فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وقاتلناك ولكن أكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني وأكتب يا علي: محمد بن عبد الله. ورسول الله كان أفضل من علي. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.

فرجع منهم إلى علي بن أبي طالب يومها ألف شخص وفي رواية ألفان.

فنجد في هذا الحوار والمناظرة كل ما تحدثنا عنه من آداب الحوار وقواعده بتحديد الموضوع واستخدام الأدلة وإعطاء كل طرف حق الحديث ويبين وجهة نظره وعدم الصياح والصدق والشفافية واللين والصبر بل وكل شيء نتعلمه في هذه المناظرة التي حددت كل نقاط وأدوات المناظرات والحوار في الوقت الحاضر من: -

1-   السؤال والجواب.

2-   أن كل فرد يوجه سؤال للآخر ويفنده ويرد عليه المناظر ويدلل على كلامه بأدلة مقنعة.

3-   كل مناظر يوضح رأيه ووجهة نظره.

4-   النقد الموضوعي.

5-   عدم التعرض للنواحي الشخصية.

6-   التجرد للحق وقبول النتائج.

7-   حرية الرأي والتعبير عنه.

وتنمي المناظرات قدرات التحليل والتفكير وتقديم الخطب والتركيز بالحديث والاستماع.

 

-التفاوض: -

نجد في الحوار الذي دار بين الرسول وقريش يوم صلح الحديبية من أكبر الأدلة على وجود فن التفاوض في منهج الفكر الإسلامي.

فحدث بين الرسول صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو رئيس وفد قريش تفاوض لعدم دخول المسلمين لمكة للحج ورجوع الأسرى المسلمين الذين أسرتهم قريش وبدأوا بالتفاوض حول إرجاعهم وإقامة معاهدة بين المسلمين وقريش وبدأوا في كتابة بنود الاتفاقية (المعاهدة) وعند بدأ كتابة النص قال الرسول لعلي بن أبي طالب: أكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل لا أعرف الرحمن بل أكتب (باسمك اللهم) فاعترض الصحابة ولكن ظهرت الحنكة السياسية للرسول والمرونة في التفاوض ووافق على قول سهيل تماشياً لمصلحة المسلمين في المعاهدة وأيضاً لأن الكلمتان متساويتان بنظره ثم قال أكتب: هذا ما اصطلح عليه رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك وأتبعتك أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ أكتب اسمك واسم أبيك. ولكن لمرونة الرسول وإبقائه لمصلحة الدولة العليا على نفسه وافق على قول سهيل.

-ثم كانت البنود بعد مشاورة الصحابة: -

1- أن يرد كل من جاء من قريش إلى الرسول مسلماً.

2- لا ترد قريش من جاء إليهم من عند الرسول.

3- وضع –إيقاف- الحرب بينهم مدة 10 سنوات.

4-   من جاء إلى مكة من أصحاب محمد معتمر أو حاج فهو آمن ومن جاء إلى المدينة من قريش للذهاب إلى مصر أو الشام فهو آمن.

5-   إن بيننا عيبه مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال. (أي المحافظة على العهد ويؤمن كل طرف الآخر على ماله ونفسه).

6-   أن كل قبيلة لها أن تدخل في عقد وعهد محمد أو قريش.

7-   أن يرجع عن مكة هذا العام ويأتي في العام المقبل يدخل مكة ثلاث أيام بسلاح الراكب فقط.

8-   وعلى هذا الهدى ما جئنا ومحله فلا تقدمه علينا.

9-   أشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين.

وكتب أسماء الشاهدين من الطرفين.

فنرى في هذا التفاوض كل بنود المفاوضات والمعاهدات السياسية والاقتصادية وغيرها ولهذا ذكرتها في هذا الباب لأن التفاوض شامل كل جوانب الحياة ونرى فيها المرونة والصبر وتقديمه مصلحة الدولة والأمة والديباجة في البداية وذكر أطراف المعاهدة والدخول في صلبها وكتابة أسماء الشهود بعد التفاوض عليها. ثم كتابة النص في نسختين (كل طرف يملك نسخة) كما يحدث في المفاوضات والمعاهدات الحديثة أقرها الرسول منذ 1400 سنة.

-فنجد فن التفاوض أسس له الرسول منذ قرون بأن: -

1- يتفاوض مع خصمه للحصول على أفضل النتائج المستهدفة.

2- مشاورة الآخرين في الأمر وعدم اتخاذ القرار بفردية.

3- عدم تدخل أحد في حديث المتفاوضين.

والعديد من أسس هذا الفن.

 

*تستخدم آداب الحوار والتفاوض والمناظرات والخطب وفنهم في الحملات الانتخابية. فنتعلم من حوار السقيفة التي ذكرناها بعد وفاة الرسول بين المهاجرين والأنصار وجود مرشحون ومؤيدون لهم وأنه من الآداب التي نتعلمها في الحملات الانتخابية بين المرشحين ألا يتم التجريح بين المرشحين بالألفاظ الجارحة أو الخوض في الأعراض بل مناقشة فكر وبرنامج ورؤية وتاريخ كل مرشح تأكيداً على التنافس الشريف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم