كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 72 (الملكيات بالدولة، الملكية الخاصة)

 


2- الملكية الخاصة: -

-قال الله تعالى: -

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

(لَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إن تسع أعشار الرزق بالتجارة).

(من قتل خنزير لذمي فعليه ديته).

(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

(من قتل دون ماله فهو شهيد).

فبالتأكيد على أن المال هو زينة الدنيا بالآية الأولى يأتي التأكيد بالآية الثانية على حق كل فرد في الامتلاك ولا يحق على أحد أن يحرم منها أي فرد تأكيداً على الحرية في الملكية الفردية. وبتشجيع الرسول للصحابة على الامتلاك والتجارة سواء للمسلم أو غير المسلم فحلل الفكر الإسلامي بهذا أي نوع من أنواع الملكيات الخاصة (شراكة، فردي).

فنرى أن الاقتصاد الإسلامي لا يقف في وجه الملكية الخاصة وإنما يشجعها على العمل كما فعل عمر بن عبد العزيز بأنه أمر ولاته بإعطاء أموال للمزارعين ليشجعهم على الزراعة وخفف عن أهل الذمة من المزارعين الجزية تشجيعاً للعمل وعدم وجود أي محاولة لتأميم الملكيات الخاصة بل وحمايتها.

وتكون الملكية الخاصة ضمن شروط تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية الفردية وتكون مطلقة للفرد ولكن بحدود الحفاظ على القواعد الاقتصادية الإسلامية وتحميها الدولة وتحافظ عليها، ولا تنزع من الفرد أبداً إلا في احتياجات الدولة في الأمور الاقتصادية التنموية وبالأزمات الشديدة وتكون بتعويض كافي لقيمتها وقت النزع وبحدود أو بحالات الإضرار للدولة أو للغير (كما وضحنا بنقطة الملكية الفردية بباب السياسة).

فتحافظ الدولة على الأموال الخاصة سواء المال مال مسلم أو ذمي وليس من حق الدولة النزع الشامل.

-فقال الله تعالى: -

(وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

لأن هذا من قبيل التعدي على حقوق الغير وحقوق المواطن الفردية.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)

(لا ضرر ولا ضرار)

(إنما البيع عن تراض).

لعدم التعدي على ملكية أحد ولا أخذها بالقوة.

أما وقت الأزمات الشديدة إن اضطرت الدولة لتأميم بعض ما يساعد شعب الدولة للمرور من الأزمات وليس تأميم كل ما يروق لها بشروط وحدود (كما ذكرنا بنقطة الملكية الفردية) فهذا يقتل الملكية الخاصة ويؤدي إلى تدمير الاقتصاد.

-فقال صلى الله عليه وسلم: -

(إذا بات مؤمن جائعا فلا مال لأحد).

(إن الأشعريين إذا أرملوا في غزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم).

ومن هنا كان منطق عمر بن الخطاب في عام الرمادة بأن يجعل كل جار لا يأكل دون جاره ويتشارك الجميع في الطعام والشراب.

وهذا أيضاً ما حافظ عليه عمر بن الخطاب عند الفتوحات فكان يأمر بتمليك الأراضي لأصحابها وعدم تملكها للجنود الفاتحين حفاظاً على حقهم في الملكية الخاصة بل وحمايتهم من الاعتداء عليهم. ودليلاً على حماية المال الخاص وحفاظ الدولة عليه واجب وعدم نزع الملكية الخاصة واجب على الدولة لأنها تولد الكراهية تجاه سياسة الدولة وعدم الوثوق بها إلا بحالات المجاعات والكوارث وفي أضيق الحدود للصالح العام كما ذكرنا هذه الحالات في نقطة الملكية الفردية بالباب الأول.

ولابد من العمل على تشجيع العمل الفردي بالمساعدات كما أمر عمر بن عبد العزيز ولاته بإعطاء مساعدات لأصحاب الأراضي.

فيجب على الدولة إعطاء الحرية على الملكية والمشاريع الصغيرة بل وتشجيعها بالقروض والمساعدات دون فوائد والحفاظ عليها وعدم التعدي عليها ودعمها بحوافز في الطاقة وغيرها. فهي مقياس ثروة وتقدم اقتصاد الدولة بحجم القدرة الشعبية على الامتلاك وتطوير الاقتصاد بالمشاركة فيه بالاستثمار.

وهذا لأن الملكية الخاصة تعمل على التقدم وزيادة الإنتاج لأن كل شخص يعمل على تنمية ما يملكه ويزيده بسبب (التخطيط الفردي) الذي يعمل على نمو الملكية والمصلحة الخاصة بالإبداع الفكري والابتكار لوجود استفادة خاصة وأيضاً تشجيعها يعمل على خلق تصارع وتنافس دولي بين أشخاص وشركات وليس دول فقط فلا ينتج رأس مالية الدولة ولا أي محاولات للإمبريالية الحربية للدولة. وتخلق الملكية الخاصة بالدولة تعددية وتنافس على ابتكار منتجات جديدة وخلق تنافس في الجودة والسعر وعدم احتكار أحد للسوق فيكون المستفيد في النهاية هو المستهلك واقتصاد الدولة.

بل إن تبادل المصالح على مستوى الدول والشركات والأفراد يساعد على عولمة التجارة والصناعة وترابطها الوثيق ويجعل لحدة المنافسة داعمة للإنتاج والابتكار للسيطرة على السوق الدولي بعيداً عن الحروب كهدف للدول التي تريد السيطرة على السوق العالمي بطرق إمبريالية.

وتعدد الملكية الفردية تساعد على وجود منافسة لعدم حدوث أي محاولات للاحتكار أو الجشع أو تلاعب بجودة وسعر المنتجات ولا يتم التحكم في العامل أو في السوق هذا غير عدم العبودية الحكومية للعمال وعدم قدرة القطاع الخاص لاستعباد العامل والتحكم به أو بالسوق.

ومع وجود إحساس بالقدرة على الملكية وعدم وجود تمركز لرأس المال في أيادي معينة فيؤدي هذا لعدم وجود طبقة عاملة كادحة يضيع حقها وطبقة مالكة متحكمة بكل شيء في الدولة من أسواق ومال وعباد.

ولكن توجد حدود للملكية الخاصة وهي: -

1-   أن كل شيء ليس قابل للامتلاك حتى لا تكون رحمة الناس في يد أفراد وهذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الناس شركاء بالماء والكلأ والنار. فلا يتحكم أحد بطعام أو ماء أو طاقة بل تكون ملك للدولة، فهذه الأشياء روح الحياة للفرد وحق أساسي له.

2-   أن تكون الملكية في حدود التنافس وخلق سوق كبير وعدم الضرر بالآخر.

فالملكية العامة المطلقة وإحساس الفرد أن له الحق فيها دون أن تربح ينمي بداخله اللامبالاة والكسل تجاه زيادة الإنتاج أو تقدم الدولة وتجمد الاقتصاد وبالتالي ضعف الإنتاج ثم انهيار الدولة مع خلق إرادة إمبريالية للدولة ورأس ماليتها التي تريد اكتساح الآخر لسيطرة الدول على السوق العالمي. ووجود (التخطيط المركزي) فقط والبيروقراطية يجعل من اتخاذ القرار يحدث بصورة بطيئة لا تتناسب مع سرعة العصر وبطريقة قد لا تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية.

لهذا لابد من وجود الملكية العامة التي تملك وتنتج وتراقب مع وجود الملكية الخاصة بإنتاج متعدد وتنافس مفتوح مع تحقيق العدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع والإنتاج بالدولة يجعل من المواطن يعمل على التقدم وبناء الحضارة والاختراع والبحث والتنقيب والتصنيع.

فبوجود (تخطيط فردي ولامركزي حكومي) بطريقة الإدارة الهندسية التي تمنح المؤسسية والاستقلال لكل إدارة فتملك كلاً منها القدرة على اتخاذ القرار بطريقة سريعة وتنسيق داخلي مع توجيه وتقييم عام من الدولة وتعمل الملكيتان معاً على التنافس والإبداع الفكري والعلمي والصناعي (الاقتصادي) والابتكار وبالتخطيط اللامركزي تجاه هدف قومي وهدف خاص يخدمه نصل بالنهاية لبناء الدولة وتشييد الحضارة.

والواجب على الدولة هنا أن توفر كل ما يحتاجه المصنعين والزارعين من خامات وغير ذلك وتوفر للمواطن كل المنتجات في مكانه بانتشار المنافذ الحكومية والخاصة وتراقب الدولة السوق من القريب وتتدخل لحمايته من تغول التجار فيه رعاية للفقير ولصغار التجار والصناع.

-فبهذا يكون الاقتصاد الإسلامي حر بلا فردية ونظامي بلا جماعية.

1- حر بلا فردية: -

بوجود التوجيه الحكومي والرقابة والإشراف والتسعير والضبط الإداري للدولة على المنتج والتاجر مع التأكيد على حرية امتلاك الفرد لرأس المال وحرية العمل من أجل خلف جو تنافسي في الجوة والإنتاج والأسعار لمصلحة الفرد ولتنمية الاقتصاد.

2- نظامي بلا جماعية: -

يكون بتنظيم الدولة ولكن دون ملكية عامة تسبب اللامبالاة والكسل وبإعلاء مصلحة المجموع على الفرد.

من هنا نجد أن الاقتصاد الإسلامي لا يترك السوق حر دون رقابة وإنما يقف بالمرصاد لكل من يحاول الإخلال بهذه القواعد عن طريق التوجيه بوجود ملكيات للدولة في كل المجالات وأول من فعل هذا هو الرسول ثم قام عمر بن الخطاب بزيادة العمل على هذه القاعدة فقاموا بتخصيص أراضي وقف للمسلمين يكون دخلها لبيت المال ومنه يصرف على المسلمين في كل نواحي احتياجاتهم ولا تترك الدولة السوق مفتوح لتوحش التجار وتغولهم بل تتدخل لحماية المواطن الضعيف وصغار التجار والصناع ومساعدتهم في النمو.

فيعمل بهذا الاقتصاد الإسلامي على تحقيق الرقابة الكاملة على الملكية والقطاع الخاص دون أدنى تقييد بل يكون مطلق اليد في التعاملات التجارية الداخلية والخارجية ولكن برقابة كاملة من الدولة للحفاظ على حقوق العمال والمستهلكين من جشع التجار أو محاولات الاحتكار بالتقنين لها وبالضرائب التصاعدية (الخراج) وبالحلول التي ذكرناها في نقطة (الاحتكار) وتتحقق اللامركزية للشركات المنتجة مع المشترين.

وهذا لأن وجود الملكيتين العامة والخاصة التعددية يجعل وجود حياة تنافسية وعدم جمود للفكر الاقتصادي والتكنولوجيا الاقتصادية والتخطيط المركزي للحكومة ويساعد بالتعددية التنافسية لعدم تمركز رأس المال وعدم الاحتكار وعدم وجود تكتلات اقتصادية ضخمة تبتلع السوق والمستهلك وزيادة الجودة والحجم الإنتاجي وتعمل أيضاً على الرقابة لحماية العامل والمستهلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم