كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 79 (خطوات التنمية)



أ‌-    خطوات التنمية: -

الأساس في التنمية الاقتصادية هو قيام الدولة بإقامة المشاريع القومية التي تفيد الدولة وتقوي مركزها الاقتصادي عالمياً، والتوجه إلى المشاريع طويلة ومتوسطة الأجل التي تنمي الصناعات الهامة كالحديد وغيرها، مع تمويل المشاريع الصغيرة التي تعمل على خلق تنافس وتنوع إنتاجي. مع قيام الدولة بإنشاء المصانع المختلفة في المجالات الحيوية والهامة من أجل وجوده كحائط صد أمام الاحتكار وتكون لها القدرة على توفير المنتجات المختلفة ومنها تكون الدولة قادرة على مراقبة الأسعار بحكم علمها بالتصنيع فلا يتلاعب أحد بالسوق والأسعار.

يحدد الفكر الإسلامي نسبة الربح للتاجر والمصنع فمهما قلل من التكلفة فنسبة معدل الربح تظل كما هي بل إنه إذا قلل التكلفة والجودة بالطبع قل معدل الربح والبيع بسبب تقليل الجودة مع عدم وجود سرعة للدوران في ظل كساد اقتصادي أما العكس من زيادة الجودة وزيادة التوزيع والإنتاج يزيد من معدل الربح وتميز المنتج بجودته في ظل اقتصاد منتعش.

وعلى الدولة أن تكون مصنعة لجميع المنتجات بلا استثناء خاصةً الأساسية منها للمواطن لتكون قادرة على المنافسة مع القطاع الخاص لحماية المستهلك من التلاعب بجودة المنتج أو بالأسعار أو الاحتكار وتكون الرقابة منها على المنتجات سهلة لعلمها بالتكلفة وبالجودة والخامات.

-       عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: -

(الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار).

فتحافظ الدولة على الحقوق الأساسية لحياة الفرد وتحميه من جشع التجار خاصةً في الطعام والماء والكهرباء بديلاً عن النار والسلع الأساسية للإنسان.

فعلى الدولة الاهتمام بعمل المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية سواء بعمل مشاريع قومية أو متوسطة المدى أو طويلة المدى. لكي تكون المشاريع هذه داعم قوي للاقتصاد وتجعل من الدولة قوية. فهذا هو الجهاد الحقيقي بقول النبي بعد العودة من إحدى الغزوات (عدنا من الجهاد الأصغر للجهاد الأكبر).

العمل على تشجيع الاستثمار الإنتاجي الداخلي المحلي والإنتاج والمنافسة لخلق منتج متعدد في جميع الأنحاء والمجالات لضمان وجود ابتكار وزيادة في الجودة للمنتجات سواء الحكومية أو الخاصة وزيادة في التوزيع بالطبع.

العمل على تشجيع المشروعات الصغيرة بقوة بالقروض دون فوائد بطريقة المشاركة المباشرة والحوافز بدعم الطاقة مثلاً والتخطيط والإدارة من أجل إنشاء قوة اقتصادية لمنع تضخم مجموعات أخرى قد تتحكم بالسوق وخلق تعددية وتنافسية إنتاجية وتجارية بالسوق تعود بالفائدة على المستهلك من حيث الجودة والسعر.

ولضمان زيادة الإنتاج وقوته والمحافظة عليه لابد من إلغاء استيراد أي منتج من الخارج تشجيعاً للمنتج الوطني المحلي وتقويته بتشجيع المستهلك على شرائه. ويكون هذا في المرحلة الأولى لضمان وجود قوة شرائية للمنتج المحلي ثم فتح باب الاستيراد لكي تزداد المنافسة مع الدول الأخرى.

بل ولابد من العمل على زيادة التصدير وغزو الأسواق الخارجية والعالمية للحصول على قوة شرائية أكبر وزيادة في الإنتاج والوصول لقوة اقتصادية عالمية تتحكم بمنتجاتها في الأسواق العالمية لضمان القوة الاستراتيجية للدولة وزيادة المصانع نتيجة لتزايد الطلب وإنهاء البطالة إلى الأبد مع زيادة التصنيع والزراعة والتجارة والبحث العلمي. فالقوة الاقتصادية هي ما تضمن استقلالية القرار للدولة.

ويجب عدم تصدير الخامات إلا بعد وجود احتياطي منها للدولة كموقف سيدنا يوسف عليه السلام بتخزين القمح في أعوام فائض الإنتاج لتكون موجودة وتم تصديرها واستخدامها في أعوام المجاعة للدول المجاورة وهذا فكر اقتصادي وإداري وتخطيطي مهم. ومن ثم تصدير الفائض مقابل خامات تحتاجها الدولة أو مال ويتم تصدير السلع المختلفة لإقامة قوة اقتصادية على مستوى العالم.

والمواد الخام الغير متوفرة بالدولة يتم استيرادها من قبل الدولة أو تصدير الفائض من الخامات أيضاً وتسلم للتجار بسعر تكلفتها مساعدة على توفير الخامات الإنتاجية وتقليل أسعارها عن المتاجرين بها لتقلل التكلفة الإنتاجية.

ويكون التصدير حق لكل فرد يصنع وينتج كالدولة وتعمل الدولة على تسهيل التصدير له لنشر الإنتاج عالمياً كما كانت تساعد الدولة التجار في الرحلات البحرية والبرية وقت عمر بن الخطاب ليكون التنافس على مستوى الدول والشركات والأفراد لضمان عولمة اقتصادية وتبادل تجاري عالمي كما وضحنا في شرح نقطة (الملكية الخاصة، التعامل التجاري للدولة) بباب السياسة.

ويكون التسعير من الدولة للمنتجات المصنعة بحكم علمها بسعر التكلفة والجودة بدليل أنه كان عمر بن الخطاب يمر على الأسواق لمراقبة الأسعار والمعاملات وكان يعين مراقب للأسواق الأخرى يسمى (المحتسب) وهذا دليل على مراقبة الفكر الإسلامي الاقتصادي للأسواق من جهة الدولة وأن هذا ضروري لإحباط محاولات الاحتكار أو غيره.

ولكن لابد أن يكون السوق متوافق على أسعار محددة من قبل الدولة فلا يرفع أحد السعر أو يهبط به دون رقابة وتوافق بالسوق حتى لا يحدث هزات اقتصادية كما قال عمر بن الخطاب في نهيه البائع عن خفض الأسعار. لأن المنافسة الغير شريفة قد تؤدي إلى إفلاس بعض التجار وبالتالي الإضرار بالسوق والإنتاج والتعددية الإنتاجية ووجود محاولات للاحتكار والتلاعب بمصائر الشعوب واحتياجاته.

ويكون التسعير للمنتجات من الدولة بوضع هامش ربح عادل على التكلفة الإنتاجية التي تعلمها الدولة من منطلق أنها دولة مصنعة لكل المنتجات. وتحديد الأسعار يكون بالعدل والتوافق مع التجار والصناع مع الدولة هو عين الإنصاف للتاجر والمصنع وللمستهلك في المقام الأول حتى لا يكون فريسة لهم ودون ظلم للبائع فيكون شرط التراضي في البيع والشراء متوفراً.

فوجود رقابة الدولة الإنتاجية على السوق والجودة والسعر وتشجيع الصناعات والمشاريع الصغيرة تحد من حدوث أي محاولات من الصناع أو التجار لاحتكار أي نوع من المنتجات والحد من محاولات اندماج للكيانات الاقتصادية الضخمة وبلع السوق والتجار والصناع الصغار للتحكم بالسوق بوجود إنتاج حكومي ومشاريع صغيرة مضادة لهم بتحكمها بإنتاج أكثر من نصف السوق.

وأيضاً للحد من محاولة أي كيان اقتصادي للهبوط بالأسعار من أجل إفلاس صغار التجار والصناع للتحكم بالسوق بعدها وحده فتكون الدولة بالقانون والإنتاج له بالمرصاد بإيقاف تراخيصه عن العمل هذا لأنه يضر بالسوق الاقتصادي والتنافس التجاري الشريف. فيخلق التوازن بين الإنتاج في القطاعين العام والخاص وبين المستثمرين الكبار والصغار أيضاً ولا يتحكم أحد بالسوق فتكون الدولة رقيبة وليست متحكمة ومنتجة وليست مستهلكة.

وبوضع قانون الخراج (الضرائب التصاعدية) يوقف توغل وتوحش الكيانات الضخمة في الاقتصاد لأن المستثمر سيتوقف عن زيادة حجمه لأنه كلما زاد حجم تعاملاته كلما ازدادت ضرائبه التي يدفعها فيعطي فرصة للكيانات والمستثمرين الآخرين للعمل خصوصاً أصحاب المشروعات الصغيرة، وبهذا يتم دعم المنافسة وتطور المنتجات وتنمية سوق العمل. مع الإجراءات السابق ذكرها بالنقاط السابقة بهذا الباب التي تمنع الاحتكار والربا وتحمي المستهلك.

ويكون دعم المواطن ليس بدعم المنتج مباشرةً إلا في حالة الاحتياج لأنه يتحول هكذا إلى عالة على الدولة ويحدث عجز بالموازنة العامة للدولة، ولكن مع التوزيع العادل للثروة وتثبيت الأسعار وزيادة الإنتاج والعدالة الاجتماعية هذا يؤدي إلى توزيع عادل للثروة بين الناس ويكون الإغناء للفقير وعدم إتعاب كاهل الدولة بل زيادة قوتها الاقتصادية بالعمل والإنتاج في فروع الاقتصاد الأساسية والفرعية.

وعلى الدولة أن تضع أولويات للإنفاق والترشيد وعدم الصرف على أي إنفاق. إلا حسب الأهمية وفق الأولويات التي تحتاجها الدولة للحفاظ على المال وتوجيهه بطريقة سليمة وبالتخطيط الاقتصادي الصحيح والترشيد في الإنفاق.

-فقال الله تعالى: -

(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49))

(وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا تسرف وإن كنت على نهر جار).

فتعمل الدولة كما تحدثنا بنقطة (الحفاظ على مال الأمة بالباب الأول) على التخطيط في إقامة المشروعات وكيفية الإنفاق عليها والترشيد في الإنفاق على الحكومة والمشروعات الهامة التي تنمي الاقتصاد ويأتي منها جدوى اقتصادية تعود بالنفع على الدولة وبالتالي على الشعب. ويكون هذا بعمل المشاريع القومية أو متوسطة المدى أو الصغيرة ودعمها. مع العمل على الترشيد في الإنفاق فهو إحدى خطوات التخطيط الاقتصادي. والأهمية لما ينتفع به الناس وليس للمظاهر التي لا تقيم دول.

ووجدنا مثل سابق أوضحناه عندما قيل لعمر بن الخطاب: ألا تكسي الكعبة. فقال: بطون المسلمين أولى.

ونجد قول علي بن أبي طالب: -

وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في إستجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد.

فإقامة المشروعات الاقتصادية أهم فهي من ستنفق على الشعب وخدماته وعلى المظاهر بعد ذلك. فدور الدولة التنمية قبل فرض الضرائب فدون التنمية ستكون الضريبة كهل على ظهر المواطن مما سيجعله يتنفر من وطنه لعدم قدرته على دفعها أما نشر القوة الاقتصادية والعمل والإنتاج سيكون محفز للمواطن لدفع واجبه للدولة لزيادة التنمية. وعلى هذا تتحدد أهمية ترشيد الصرف الحكومي من أجل التوفير للصرف في مكانه الطبيعي وهو التنمية.

-فقال الله تعالي: -

(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا).

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ).

فيكون الترشيد عامل مساعد لتوفير النفقات وأموال الدولة بعدم الغلو بمرتبات أهل السياسة والمكافآت والبهرجة. فأموال الشعب تعود لهم وليست تدخل في جيوب من هم قائمين عليها للحفاظ عليها.

ومع ترشيد النفقات والتوجيه السليم في التنمية وزيادة الإنتاج كل هذا يؤدي إلى القضاء على المشاكل الاقتصادية وعدم التعرض للإفلاس أو للتضخم وأيضاً يوجه الاقتصاد بالتخطيط للإنفاق على تقدم الدولة أكثر من مظاهر الرفاهية الحكومية.

ومنع الاقتراض الخارجي مع الترشيد الإنفاقي واستخدام مواردنا في التقدم الصناعي والبحثي يساعد على التقدم دون مديونيات خارجية والتذلل لأحد من الدول التي تريد التحكم بنا.

وضع القوانين لضمان حقوق العمال كالأجور وساعات العمل لحماية الفرد من الجشعين الذين قد تسول لهم نفسهم العبث بالناس فيكون دور القانون الرادع لهم والحامي لحقوق العمال ويشعر العامل بالأمان وبالتالي يعمل بدافع الانتماء لزيادة الإنتاج. وضمان حد الكفاية في المرتبات بوضع حد أدنى يمكن الفرد من أن يعيش حياة كريمة وتكون مرتبات الموظفين مرتبطة أيضاً بدرجته العلمية حتى لا يحدث تفاوت ضخم في المرتبات ولا يحصل من لا يستحق على مال أكثر من الذي سعى للعلم والتعلم.

يكون تشجيع الاستثمار الأجنبي بأن يكون إنتاجي حيوي للاقتصاد المحلي وليس استهلاكي فقط ويكون مفيداً للدولة بنقل التكنولوجيا والتقنية الحديثة للدولة وتوطينها وتكون أرباحها من التصدير لتفيد الدولة وليس للاستهلاك المحلي فقط وتشغيل العمالة وتنميتها مهارياً وفكرياً والعمل على دعم الاقتصاد وليس النهب منه.

ومع زيادة الإنتاج وتوفر السلع وسوق العمل والاقتصاد والتوزيع والعمل مع وجود الرواتب المناسبة يؤدي هذا لزيادة نمو القدرة والقوة الشرائية ويحدث تزايد بالأرباح لأصحاب رؤوس الأموال مما يشجعهم على زيادة الاستثمار والعمل والإنتاج وإرساء الحياة الاقتصادية أكثر حتى يزيدون من أرباحهم بالإنتاج والتوزيع والتجارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم