كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 52 (الاستخبارات والتخطيط)

 


23- الاستخبارات والتخطيط: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)

وثقفتموهم هنا تعني فهم العدو جيداً وتجميع معلومات عنه تفيد الدولة وقت الحرب وهذا تأكيد على أهمية المخابرات والتجسس لفهم العدو والتزود بالعلوم للاستعانة بها على التقدم.

والاستخبارات شيء مهم في الحروب وكانت موجودة بالدولة الإسلامية منذ بداية الحروب والغزوات. فنجد أن الرسول وضع لها آلية العمل والتجسس فنجد أنه علم بنية بني المصطلق بالهجوم على المدينة والمسلمين عن طريق التجسس فبادر بالدفاع عن الدولة باستباق الهجوم عليهم.

واستخدم النبي الحرب النفسية ونشر المعلومات الخاطئة كتكتيك وقت الحرب لحماية الدولة والجيش، فحدث أن نعيم بن مسعود الغطفاني أتي الرسول فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت أنته إليه، فقال له صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد فينا، وإنما غناؤك أن تخذل عنا ما استطعت، وعليك بالخداع، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة، وكان نديماً لهم، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودِّي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم.

قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.

فقال لهم: إن قريشاً وغطفان ومن التف معهم جاؤوا لحرب محمد، فإن ظاهرتموهم عليه، فليسوا كهيئتكم، وذاك أن البلد بلدكم، به أموالكم، وأولادكم، ونسـاؤكم، لا تقـدرون أن تتحولـوا إلى غيره. فـأمـا قـريش وغطفان، فإن أموالهم، وأبناءهم، ونساءهم ببلاد غير بلادكم، فإن رأوا نهبة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل. والرجل ببلادكم لا طاقة لكم به، وإن خلا بكم. فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمداً حتى يناجزوه.

قالوا: لقد أشرت علينا برأي ونصح.

ثم خرج حتى أتى قريشاً.

فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه: يا معشر قريش، قد عرفتم ودِّي إياكم، وفراقي محمداً، وقد بلغني أمر رأيت حقاً على أن أبلغكم، نصحاً لكم، فاكتموا عليَّ.

قالوا: نفعل.

قال: اعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا ـ وأنا عندهم ـ أن قد ندمنا على ما صنعنا، فهل يرضيك عنا: أن نأخذ من القبيلتين (مئة رجل، كما عند المقدسي) من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم، وكبرائهم، ونعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟

أضافت بعض المصادر: وترد جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم ـ يعنون بني النضير، فإن بعثت إليك يهود، يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً.

فوقع ذلك من القوم.

وخرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني.

قالوا: صدقت.

قال: فاكتموا عليَّ.

قالوا: نفعل.

ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم مثل ما حذرهم.

فأرسل أبو سفيان، ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً، ونفرغ مما بيننا وبينه.

فأرسلوا إليه: أن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، ومع ذلك فلسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم (سبعين رجلاً)، يكونون بأيدينا ثقة حتى نناجز محمداً، فإننا نخشى ـ إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال ـ أن تشمروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد.

وأرسلت غطفان مسعود بن رخيلة في رجال بمثل ما راسلهم به أبو سفيان. فلما رجعت الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله، إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق.

فأرسلوا إلى بني قريظة: إنَّا والله ما ندفع إليكم رجلاً واحداً، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين أدت إليهم الرسل: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل. فأرسلوا إلى القوم: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً.

ونجد عمر بن الخطاب يقول لقائده سعد: -

(وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم حتى لا يخفي عليك أمرهم واختر لهذا من تطمئن إلى نصحه وصدقه فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه والغاش عين عليك وليس عيناً لك....وإذا دنوت من أرض العدو فأكثر الطلائع وبث السرايا أما السرايا فتقطع إمدادهم ومرافقهم وأما الطلائع فتبلو أخبارهم وانتقِ للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك وتخير لهم سوابق الخيل فإن لقوا عدواً كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد ولا تخص أحداً بهوى فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما تحابي به أهل خاصتك ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه ضيعة ونكاية فإذا عانيت العدو فأضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك).

فنجده وضع قوانين عسكرية كثيرة وأسس إلى وجود جهاز مخابرات كامل العمل: -

1-   نشر الجواسيس بدول الأعداء.

2-   اختيار ذو الولاء الصادق.

3-   كثرة التجسس عند الحرب.

4- إظهار القوة في التجسس والأعمال العسكرية.

-التجسس: -

 هو مباح في حالة الحرب فقط ومع من نتوجس منهم من الدول بشرط أن يكون دون جرح الحياء أو خدش حرمات البيوت ودون انتهاك لمحرمات الله. كما أرسل الرسول من يتجسس على قريش قبل فتحها وعلم بهجوم بني المصطلق من الجواسيس.

فالتجسس يكون على الأهداف العسكرية ولخدمة الحرب وليس على حرمات شعب العدو احتراماً لإنسانيته وخصوصياته فهو لا ناقة له ولا جمل في الحرب وإتباعاً لآداب المنهج الإسلامي في عدم تتبع عورات الناس حتى الحربيين منهم. فيكون التجسس على الأهداف العسكرية والمعلومات الخاصة بالحرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم