كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 45 (عدم التخريب، حسن معاملة الأسرى)

 


8- عدم التخريب: -

 

-قال الله تعالى: -

(مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا وليداً ولا تحرقوا زرعاً ولا نخيلاً ولا تنهبوا ولا تمثلوا بأحد واجتنبوا الوجوه ولا تضربوها).

وصى بها أبا بكر أسامة بن زيد بقوله: -

(...ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله...).

(ستجدون قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ولا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً ولا تقطعن شجراً ولا تخربن عامراً).

فكان التأكيد على عدم هدم الأبنية أو قتل الحيوانات أو خلع الزرع أو قطف الثمار وعدم النهب والتدمير والتخريب للمدن كما أمر الفكر الإسلامي إلا بقدر الحاجة والانتفاع به أو لحاجة حربية والحاجة إليه كما حدث بأمر النبي بتخريب بيوت بني النضير وهذا لأنهم استخدموها كحصون وأرشقوا جيش المسلمين بالحجارة

والفكرة هنا هي عدم هدم البيوت والمصانع أو أي شيء ليس له علاقة بالحرب، وعدم التعدي على حقوق الشعوب بسبب الحروب مع حكامها. أي عدم تدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد للدول المحاربة لأن هذا فجر في العداوة وهو ما يرفضه الفكر الإسلامي. لأن الحروب للدفاع مع مراعاة أقل الخسائر للطرفين دون وحشية ودون تدمير كما وضحنا بنقطة (قوانين الحرب، عدم التنكيل بالعدو) فلا تكون الحرب للتدمير والإذلال أبداً ولكن للدفاع وهذا لإمكانية حدوث السلام فيما بعد فلا يكون موجود ضغينة بين الناس.

 

9- حسن معاملة الأسرى والجرحى: -

 

-قال الله تعالى: -

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(استوصوا بالأسارى خيراً).

(عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني- الأسير-‏).

فنرى في قول الله أنه إذا أثخنتموهم إي انتهت الحرب والقتال الشديد مع العدو فشد الوثاق على أيدي المقاتلين من الدولة ومن الأسرى بمعنى التوقف عن القتال، ويكون أمرهم إما مناً أي تركهم أو بالفداء بالمقابل المادي أو مقابل أسرى أو خدمة وعمل حيثما ترى الدولة فلا يؤخذون كعبيد أو خدم بل ومعاملتهم بالحسنى، وما حدث من سبي كان على حسب قوانين وعرف الجزيرة العربية وقتها، ولكن مع نزول آية الأسرى كان أي سبي أو وقوع في الأسر للأعداء يكون حله إما المن واخلاء السبيل كما حدث مع طيء أو الفداء كما حدث مع أسرى بدر مع المعاملة الحسنة للأسرى. وإن خدمة الأسرى وإطعامهم حق على الدولة كحق اليتيم والمسكين مساوياً في الثواب والمقدرة عند الله.

ونجد أن الرسول لم يقتل أسرى أي غزوة من غزواته أبداً وكذا فعل الخلفاء الراشدون. بل إن الأسرى السبعين في غزوة بدر كان يأخذهم الصحابة ليقيموا في بيوتهم وأمرهم النبي أن يعاملوهم معاملة حسنة ويشاركونهم الطعام الذي يأكلون منه. وفدوا نفسهم بتعليم القراءة لمن لا يعرفها أو بمال.

فالأسرى لهم حق الرعاية والعلاج والإطعام من أفضل ما نطعم أنفسنا والحماية حفاظاً على الروح الإنسانية ولا يهان أبداً وليدعوهم للإسلام بحسن معاملتهم فكانت دعوة قوية لهم عندما رأوا حسن معاملتهم من المسلمين رغم العداوة. فإما أن ينضم إلينا أو يفدى بأسير أو مال كما فعل النبي مع أسرى بدر مثلاً.

وترك الفكر الإسلامي الأسرى يتحدد مصيرهم للحاكم والدولة حسب المصالح السياسية والعسكرية ولكن بشرط عدم قتلهم والمعاملة لهم بالحسنى بعد أسرهم كما نص المنهج الإسلامي.

فلا يوجد سبي واستعباد للأسرى فإما مناً أو فداء بتبادل أسرى أو مال أو خدمات تؤدى للدولة، وهذا ما فعله النبي وما كان غير ذلك فكان قبل نزول الحكم بالآية، فهذا حق الحرية لكل فرد.

وهذه هي القوانين الحديثة طبقها الفكر الإسلامي منذ أكثر من ألف عام لأن الفكر الإسلامي في الأساس مع الإنسانية وضد الاستعباد.

 

10- المباح وغير المباح في الحروب: -

 

-قال الله تعالى: -

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).

كل شيء مباح في الحرب طالما في حدود ما أباحه المنهج الإسلامي وكل ما هو ليس ضد مبادئ الفكر الإسلامي هو مباح في الحرب لتحقيق النصر والحفاظ على الدماء.

ولكن كما لم يبح الفكر الإسلامي رمي القنابل والقتال إلا على الحربيين وليس المدنيين ولا يصح دك المدن حتى لا نضر بالمدنيين ولكن تبقى المصلحة العسكرية حاكمة إذا اضطررنا إلى هذا وقت الحرب ولكن يكون في أضيق الحدود وبلا تعدي صارف كما أضطر الرسول لخلع بعض ثمار بني قريظة لتخويفهم وإخراجهم من بيوتهم بعد خيانتهم وغدرهم بالمسلمين. وكما فعل النبي بالإيقاع بين حلفاء قريش في غزوة الأحزاب باستمالة بعضهم بإعطائهم جزء من ثمار المدينة وهذا لعدم القدرة على مواجهة الأحزاب المتحالفة كلها دفعة واحدة.

فيكون الداعي هو الحاجة العسكرية الدافعة في وقت الحرب لبعض المواقف ولكن دون أن يكون بطريقة سافرة ولا باستمرارية ولا يكون بوحشية أو تدمير شامل بل بمراعاة للأخلاف والفكر الإسلامي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم