كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 46 (حماية المستأمنين، اتقاء شر العدو)

 


11- من خرج مستأمناً من الحرب والمعاهد والمستسلم: -

 

-قال الله تعالى: -

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (6)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم).

(من أمن رجلاً على حياته فقتله فأنا من القاتل بريء ولو كان المقتول كافراً).

(من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً).

نجد من حكم القاضي جُميع بن حاضر الباجي بخروج جيش المسلمين من مدينة سمرقند التي دخلوها عدواناً بعد استئمان أهلها ووعد قائد الجيش لهم بعدم دخول الجيش لها فعندما يستأمنون لا عدوان عليهم تطبيقاً للفكر الإسلامي وآدابه. فلابد من إعطاء الأمان للعدو طالما طلبه أو استسلم وعدم الغدر به فهو في مقام المعاهد الذي أمن على حياته معنا.

والمعاهد والمستأمن هو الرجل من أهل الحرب والأعداء، فإن طلب الأمان والعهد أو استسلم فحق علينا إستأمانه ولا نغدر به أبداً طالما محافظاً على عهده كما تقول الآية. ويكون هو وماله وأهله وكل ما يملك في رقبة من استأمنه. لا يمس منهم شيء بل واجب حمايتهم.

فيجب حماية من استأمن الدولة على حياته، وعدم الغدر به فهذه هي القيم الأخلاقية للفكر الإسلامي حتى بوقت الحرب.

 

12- التهديد والتعذيب: -

 

عندما حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم خيبر وغلبهم بعدها وصالحهم على أن يجلوا عنها وألا يمسكوا شيئاً وإلا لا عهد لهم عنده وكان (حيي بن أخطب) له مال وكنز عندهم بعد موته في بني قريظة أمسكوه عندهم عند الجلاء. فقال الرسول لزيد بن سعيد عم حيي: ما فعل مسك حيي؟ فقال: أذهبته الحروب والنفقات. فقال الرسول: العهد قريب والمال كثير. فأمر الزبير أن يمسه بالعذاب حتى اعترف.

وكان الرسول يستطيع أن يدعو الله بأن يوحي إليه بمكان الكنز ولكنه أراد أن يدلل على إمكانية التعذيب طالما فيه نفع للمسلمين. ولكن العذاب هنا بقول الرسول هو أن (يمسه) أي ليس بالتمثيل والإهانة وإنما لكي ينتزع منه المعلومات فقط والأمر جاء بالمس وليس بالتعذيب الشديد ولكن بالشيء الخفيف ولم يبيح له العذاب فكانت الرحمة بالبشر حتى في التعذيب.

وفي فتح مكة قام الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب بتهديد امرأة حملت كتاباً (لحاطب بن أبي بلتعة) أرسله إلى قريش ليخبرهم بما عزمه النبي فهددوها بتفتيشها وتجريدها من ملابسها على يد امرأة إذا لم تخرج الكتاب فأخرجته من حجزتها خوفاً من التهديد.

فالتهديد والتعذيب مرفوض وغير مرغوب به ولم يسمح الفكر الإسلامي بهذا إلا في الحالات التي تضر بمصلحة الدولة وبطرق بسيطة وبحدود ضيقة وفي الحاجة القصوى فقط دون اعتداءات سافرة ووحشية حفاظاً على الكرامة الإنسانية. ويكون بدون تعدي على الحرمات أو الإنسانية.

وهذه هي فلسفة الفكر الإسلامي حتى بالحروب لا يكون بالتنكيل بالغير أو انتهاكه بل بالرحمة والإنسانية وعدم التوحش في الحروب لحماية كرامة الإنسان مهما كان الخلاف.

 

13- اتقاء شر العدو الأقوى: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ)

(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

سمح الفكر الإسلامي باتقاء شر العدو في حالة قوته وضعف قوتنا وإمكانية مهادنته مقابل مال كما فعل الرسول مع المؤلفة قلوبهم من القبائل المجاورة للمدينة وكان يعطيهم المال مقابل التحالف معهم وعدم الاعتداء وليأمن شرهم من التحالف مع قريش وبعد أن أصبحت الدولة الإسلامية في قوة قام عمر بن الخطاب بوقف ما كانوا يؤدونه لهم.

وأيضاً في غزوة الأحزاب عرض الرسول على أهل الشورى في المدينة من الصحابة أن يعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان مقابل تركها حلف قريش في غزو المدينة وهذا ليأمن منهم وليضعف جبهة العدو ويخفف من الحصار على المدينة ولكن رفض أهل الشورى.

فبهذا يكون من الممكن مهادنة عدو قوي على مال أو سلع مقابل حفظ أمان الدولة ومحاولة تجميع الصفوف والبناء. والسعي للصلح لحماية دماء الشعوب ونشر السلام العالمي بين الناس، طالما لا يوجد خلاف لقواعد وأسس الفكر الإسلامي وإقامة العدل.

وهذا لمحاولة إقامة السلام وبناء الدولة وبناء قوة تحمي الدولة والشعب والمال والعرض وحقن الدماء بعد ذلك من أجل نشر السلام العالمي بين الناس الذي هو هدف الفكر الإسلامي في الأساس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم