كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 44 (عدم التنكيل بالعدو، عدم قتل المدنيين)



6- عدم التنكيل بالعدو والإسراف بالقتل: -

 

-قال الله تعالى: -

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إذا قتلتم فأحسنوا القتلة).

(اجتنبوا الوجوه ولا تضربوها).

(ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً).

(إياكم والمثلة).

وعندما علم الرسول بإسراف خالد في القتل في إحدى الفتوحات قال: -

(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد وعادها).

في إحدى الغزوات سمع النبي أن غلماناً قتلوا بين الصفوف فحزن كل الحزن فسأله بعض الحاضرين: ما يحزنك يا رسول الله وهم صبية للمشركين؟ فغضب وقال ما مؤداه: أن هؤلاء خير منكم إنهم على الفطرة أو لستم أبناء المشركين؟ فإياكم وقتل الأولاد إياكم وقتل الأولاد.

فحتى في الحروب أمر النبي باتقاء الله وعدم التنكيل أو التشوية أو التمثيل بالجثث أو حتى ضرب الوجه فرد العدوان يكون بالحسنى وحتى حزنه على قتل أطفال مع جيش العدو هو رحمة بالأطفال والنساء.

فالأساس هو الرحمة والعدل حتى لو كان بدر من العدو هذه الأفعال فلا نقوم بمثلها لأنها مخالفة لتعاليم الدين والفكر الإسلامي فالأساس في الحرب هو الدفاع عن أنفسنا وعن الدولة والعقاب بالمثل يكون برد العدوان بالحرب وليس بالتدمير وتشريد الشعوب والإسراف بالقتل كموقف النبي مع قريش عند فتح مكة فحاربهم للدفاع عن الدين والدولة ولكنه لم يفعل معهم كما فعلوا معه ومع أصحابه من تعذيب وقتل ومحاولة اغتيال وإنما بالرحمة بالحرب ثم العفو.

فالمعاقبة تكون بالمثل ولكن دون وحشية ودون تعجي على حرمات الله ودون مخالفة تعاليم الفكر الإسلامي.

-عدم قتل المدنيين: -

 -قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة ولا تغلوا وإياكم والمثلة وأصلحوا وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين).

(ولا تقتل امرأة ولا ذرية ولا عسيفاً -أجيراً-).

وعندما علم بمقتل امرأة قال (ما كلفت هذه لتقتل).

(لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع).

كان عليه السلام يقول لأصحابه عند الغزو (لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا وليداً ولا تحرقوا زرعاً ولا نخيلاً ولا تنهبوا ولا تمثلوا بأحد واجتنبوا الوجوه ولا تضربوها).

وفي غزوة خيبر التي كانت لطرد اليهود الذين خانوا العهد معه أمر الصحابة بعدم قتل الأطفال والشيوخ والنساء وألا يدخلوا أي بيت من بيوت اليهود. فرغم الخيانة كانت الرحمة والإنسانية بعدم قتل المدنيين أو الاعتداء على الحرمات.

ووصى أبا بكر جنوده وقال: -

(ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكله ولا تحرقن نخلاً ولا تقطفن شجراً ولا تغلل ولا تجبن). ووصى بعدم قتل الجرحى.

ووصى جيش أسامة عند خروجه بقوله: -

(لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيرا ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم بالصوامع -الرهبان- فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم فعصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً).

(ستجدون قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ولا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً ولا تقطعن شجراً ولا تخربن عامراً).

قال عمر بن الخطاب في توصيته للجنود: -

(لا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات).

فالقتل لمن يحاربنا ممن يحملون السلاح في وجهنا فقط وليس لأحد من المدنيين الذين لا يحملون السلاح ضدنا حتى وإن قام العدو بقتل أهل مدننا فلا نكون مثله مجرمين ونعتدي على من لا ذنب لهم من المدنيين. فلا يقتل طفل أو امرأة أو شيخ أو عامل أو حيوان أو نبات أو تدمر بيوتاً عامرة. فكما يرفض الفكر الإسلامي قتل الأسرى لا يوافق أبداً على قتل من لا لهم بالحرب ناقة ولا جمل ويرفض تدمير المدن وخرابها أو الاعتداء على الحرمات والمنازل.

فالإسلام دين رحمة وإنسانية لا همجية ووحشية حتى مع الأعداء ومع الأشجار حتى فلكلاً له روح وله حق الحياة. فيجب الحفاظ على الأرواح خصوصاً من ليس له علاقة بالحرب. فهذه هي الإنسانية.

وكل هذا من قتل للمدنيين الآن يعتبر جرائم حرب إذا حدث من دولة اعتدت على أخرى وقتلت المدنيين ويعاقب عليها القانون الدولي ولكن على الضعيف الخاسر أم الرابح القوي من الحرب لا يعاقب ولا يعترف بجرائمه لعدم وجود عدل وهذا ما ترفضه فلسفة العدالة في الفكر الإسلامي.

 

7- عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ (كبار السن): -

 

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا وليداً...).

غزَونا معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فمررنا على امرأةٍ مقتولةٍ قدِ اجتمعَ عليْها النَّاسُ فأفرجوا لَهُ فقالَ ما كانت هذِهِ تقاتلُ فيمن يقاتل ثمَّ قالَ لرجلٍ انطلق إلى خالدِ بنِ الوليدِ فقل لَهُ إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يأمرُكَ يقولُ لا تقتلَنَّ ذرِّيَّةً ولا عسيفًا.

فشدد الفكر الإسلامي على عدم قتل المدنيين عامةً وبالطبع لا قتل للنساء ولا الشيوخ (كبار السن) إلا في حالات أنهم يحرضون على الحرب ويقاتلون فيها وغير هذا فممنوع منعاً باتاً.

وروي أن الرسول رأى امرأة قد قتلت في غزوة، فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، نازعتني قائم سيفي. فسكت الرسول وفي بعض الروايات إنها كانت تقاتل فأسرها ذلك الصحابي وأردفها خلفه فأرادت أن تستل سيفه لتقتله فغلبها وقتلها فلم ينكر عليه رسول الله.

فلا تباح دماءهم ولكن من الممكن قتل النساء والشيوخ التي تحرض على القتال وسفك الدماء حتى لو كان فاني مثل أم قرفة الفزارية التي كانت تجهز وتحرض أولادها لمحاربة الرسول والمسلمين أو مثلما حدث في غزوة أوطاس وهي عقب غزوة حنين وجرت مع من تصافي من هوازن عليهم سيدهم مالك بن عوف النضري إذ عثر على دريد بن الصمة وكان ذو رأي في قومه وكان يحمل في قفة فلما أخذه بن دغنة (سيد القارة) ليقتله فضربه ضربة فلم يغن شيئاً فأعطاه سيفه وقال له: بئس ما سلحتك أمك خذ هذا وأضرب به وأرفع عن العظام وأخفض من الدماغ ثم إذا أتيت أمك قل لها إني قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم منعت فيه نساءك (يعني حميتهم).

فحدوثه يكون بأضيق الحدود ولا يكون باستباحة وإنما لمن يحرض ويقاتل في الحرب فقط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم