43- تداول السلطة:
-
تداول السلطة
هو أول مبادئ تطبيق المدنية والديمقراطية بضمان انتقال السلطة بشكل سلمي دون أن
تتركز في يد فرد أو أسرة أو جماعة أو حزب فترة طويلة. وهذا حتى لا يحدث استبداد
بالسلطة.
وبما إنه لم
يحدث في الدولة الإسلامية انتخابات بفترات محددة للحاكم لأن هذه كانت السمة العامة
للعالم في تلك العصور وذلك الزمن حيث أن الحاكم يظل في منصبه حتى موته. ولكن نجد
أنه في عهد الخلفاء الراشدين تداولت السلطة دون أن تتمركز بيد فرد أو جماعة أو
أسرة وبدون توريث باختيار أبو بكر بعد موت النبي عن طريق حوار السقيفة وقد ذكرنا
ما حدث فيها بنقطة الحقوق السياسية في هذا الباب، ثم باختيار أبو بكر لعمر بن
الخطاب ليخلفه بعد أن ترك أمر اختيار الحاكم للناس ولكن لم يستطيعوا فعرض عليهم عمر
بن الخطاب وتمت بيعته بعد موافقة الشعب عليه، وأيضاً بطريقة المجمع الانتخابي الذي
استحدثها عمر بن الخطاب وأتت بعثمان بن عفان خليفة وما حدث فيها هو: -
أنه عندما طعن
عمر بن الخطاب حدد ستة من الصحابة هم (عثمان بن عفان، على بن أبي طالب، طلحة بن
عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف) ويضر معهم عبد الله
بن عمر بن الخطاب على ألا يكون له من الأمر شيء (حتى لا تكون وراثية) لاختيار واحد
منهم باستشارة الناس لتقديمه للبيعة وتؤخذ ممن يريد مبايعته (اختيار الشعب).
ثم كانت البيعة
لعلي بن أبي طالب بإجماع الشعب عليه وبيعتهم له ومع هذا كان معاوية موجود بالشام
مسيطر عليها، وأيضاً تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان لإقرار مبدأ عدم
إراقة الدماء بين الشعب وتداول السلطة سلمياً لمن اختاره أفراد الشعب. هذا غير أن انتقال
السلطة بينهم كان بشكل سلمي وبانتخاب وموافقة من الشعب بالنظام السائر وقتها وهو
البيعة.
فكانت البيعة
نفسها هي آلية الانتخاب وقتها لأنها تجعل من الشعب يوافق على الحاكم ولم يكن الحكم
مورثاً في وقت الخلافة الراشدة.
هذا غير أن
وجود حرية الرأي والانتخاب الحر المباشر وحق الشعب في عزل الحكام والنواب مع ضمان
التعددية والحريات السياسية وحق التعبير والمعارضة ووجود منظمات المجتمع المدني
يؤدي إلى تكافؤ الفرص للترشح ويؤدي كل هذا إلى ضمان تداول السلطة بشكل سلمي وعدم
تمركزها بيد أحد فترة طويلة مع تفاعل المواطن بإيجابية يضمن عدم وجود استبداد
بالدولة ومراقبتها ومحاسبتها.
وتحديد مدة
الحكم أمر ممتاز ويجب تنفيذه ليكون بمثابة تقويض لعدم سيطرة أحد على الحكم والاستبداد
بالسلطة فترة طويلة ومراقبته باستمرار، وتغيير الحكام بعد فترة حكم محددة تجعل من
الصعب تمركز السلطة بيد فرد أو مجموعة فترة طويلة حتى لا يحدث فساد أو استبداد
بالحكم. ولا عيب في هذا ولا يخالف فلسفة الفكر الإسلامي بل من أصلها لحماية الشعوب
من استبداد الحكام عند الجلوس فترة طويلة على كراسي الحكم، وحتى لو كان تداول
السلطة والانتخابات نظام مستحدث فلا عيب في هذا لأنه ينظم الإدارة بالدولة ويمنع
المحاولة للاستبداد مثلما استحدث عمر بن الخطاب نظام الدواوين لتنظيم إدارة
الدولة.
-فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: -
(الحكمة ضالة
المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها).
فعندما يعلم
كل حاكم أنه سيتغير ويخلفه من يراجع قراراته وسيحاسب على الأخطاء الضارة بالدولة
فسيعمل وقتها جاهداً على المصلحة العامة للدولة والشعب وتفادي الأخطاء.
44- الحكم
المدني والعسكري: -
حتى أوائل
القرن الماضي لم تكن فكرة الحكم المدني والعسكري موجودة بشكل كامل. فكانت السمة
العامة للشعب وخاصةً أهل السياسة أنه يتعلم الفنون العسكرية مع دراسته أو عمله
العادي فكان العادي أن يأتي من يحكم له خبرة في الأمور العسكرية أو كان جندياً أو قائداً
عسكرياً. فكان النبي ومن بعده أبو بكر وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رجال
عسكريين وسيأسين وهكذا الكثير من الحكام.
وكان الحاكم
يولي أمراء للجيوش ولا يتدخل في قراراتهم العسكرية حتى لو كان هو نفسه عسكرياً
سابقاً وهذا لكيلا تضارب القرارات السياسية مع العسكرية والفصل بين القيادتين. فلم
يحدث تداخل في أمور الإدارة السياسية أو العسكرية فقد حدث فصل وتنسيق بين القيادة
السياسية والقيادة العسكرية حتى لا تتضارب المواقف. فلم يتدخل الرسول أو أي خليفة
من الراشدين في قرارات أمراء الجيش في مختلف الجبهات حتى لا يتدخل بعمله ولا يحدث
تداخل في السياسات.
ولم يحدث
أيضاً أن تدخل أي أحد من أمراء الأجناد في السياسة الداخلية أو الخارجية للدولة في
تولية خليفة بعد موت من قبله أو أي قرار سياسي تتخذه الدولة حتى لو في هذا القرار
عزل أمراء الأجناد كما حدث في إقالة خالد بن الوليد من قبيل الخليفة عمر بن الخطاب
فلم يعترض.
ولم يتم استخدام القادة العسكريين في السياسة مهما بلغت
قدرتهم في الإدارة ولم يتم تبجيلهم بسبب قدرتهم العسكرية طالما لم يكن لديهم قدرة
على العمل السياسي.
وهناك أمثلة على
عدم وجود رجال عسكريين في إدارة الدولة وحتى في مجالس الشورى للحكام كخالد بن
الوليد وأسامة بن زيد وعقبة بن نافع فرغم قدراتهم العسكرية الفائقة إلا إنهم كانوا
بعيدين عن أمور الإدارة والسياسة ولم يحدث أن تولى أحد منهم أي منصب سياسي بسبب عدم
وجود قدرة إدارية أو سياسية لديهم.
ولكن في هذه الآونة ولاختلاف الزمن والتعليم نفسه أن اقتصر
الفرد في تعليمه على مجال واحد ليس كما الماضي كان يتعلم أكثر من مجال ولأنه أصبحت
توجد حياة عسكرية كاملة للعسكريين ولأن العقلية العسكرية أصبحت تقتصر على الشئون
العسكرية ولا تجيد الإدارة وبعيدة كل البعد عن التناقش والحلول السياسية في أمور
الإدارة لأنها عقلية تربت على تنفيذ الأوامر دون نقاش فلا تصلح هذه العقلية لحكم
الدولة المؤسسية القائمة على الشورى والحوار والمعارضة.
والآن تطلب الدول حكم مدني وليس عسكري لا يملك القدرة على
إدارة الدولة وهذا بسبب أن العقلية العسكرية التي تربت على تنفيذ الأوامر دون
نقصان أو نقاش غير العقلية الإدارية التي تناقش وتعمل عمل جماعي لتحسين الآراء
وتجويدها بهدف تطبيق الأفضل والأصلح. لذا فلا يمكن أن تكون نافعة لحكم الدول ولكن يقتصر
عملها على إدارة الجيش وحماية الدولة من الأخطار، ويكون الحكم المدني هو المطبق
لأسس الفكر الإسلامي التي تحدثنا عنها بالنقاط السابقة. ويكون دون تخوين أو تكفير
للفرد المخالف والمعارض باستخدام الفاشية الوطنية أو الدينية كافلاً لكل فرد حرية الرأي
والتعبير كما ذكرنا بالسابق.
-قوانين الطوارئ: -
ما يسمى
بقوانين الطوارئ التي تطبقها الدول في وقت الحروب أو ما يضر بأمن الدولة أو ما
يستخدمه الحكام الغاشمين المستبدين لفرض سيطرتهم على الشعوب وإحكام قبضتهم شيء لا
وجود له بالفكر الإسلامي. لأنه بوجود الدستور الإسلامي والشريعة الإسلامية وأسس
الفكر السياسي وقت السلم والحرب والسياسة الاقتصادية للدولة مع أسس الحياة الاجتماعية
الفاضلة لن نحتاج لقانون خاص يفرض في أوقات الحرب أو ما إلى ذلك طالما يوجد العدل
والمساواة في الحكم بشكل عام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم