45- أنظمة الحكم:
-
لم يحدد
الفكر الإسلامي نظام حكم معين وتركها للاجتهاد والعقل وتطور الزمن وإنما وضع الأسس
والخطوط العريضة لأنظمة الحكم بتطبيق الشورى والعدل والمساواة وحرية الرأي
والتعبير وسلطة الشعب في اختيار الحاكم ولا تكون مورثة لأن بهذا تلغي حق الشعب في الاختيار
وغيرها مما تحدثنا عنه.
ونجد إنها اختلفت
من فترة لأخرى فبدأت في عهد الخلفاء الراشدين بالبيعة والمجمعات الانتخابية كما
شرحنا ثم في العهد الأموي والعباسي بنظام التوريث فخرجت عن الصورة السليمة لفلسفة
الفكر الإسلامي كما كانت وقت الدولة الراشدة.
ووجدنا في
الحوار الذي بالسقيفة الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف في تشكيل حكومة ائتلافية
من كل الأطراف المتناحرة فقول (منا الأمراء ومنكم الوزراء) أي يكون الرئيس من حزب
الأغلبية والحكومة من الأحزاب الأخرى فسبق الفكر الإسلامي العالم في تشكيل الحكومة
الائتلافية.
بل وفي ظل الخلفاء
الراشدين اختلف نظام الخلافة وآلية اختيار الحاكم نفسه من خليفة إلى آخر فبالنقاش والاتفاق
في خلافة أبو بكر ثم بالتعيين بعد موافقة الشعب في خلافة عمر بن الخطاب ثم بالمجمع
الانتخابي في خلافة عثمان بن عفان ثم بالاختيار لعلي بن أبي طالب.
وكانت وقت
السلاجقة كما قال الماوردي في كتاب سياسة الملوك: -
(أن كبير الوزراء عند السلاجقة ويسمى نظام الملك كان له
وظائف محددة كرعاية التعليم والمدارس كالنظامية ببغداد والسياسة الداخلية والخليفة
له السياسة الخارجية).
فأسس التطبيق للفكر الإسلامي في هذه المرحلة بداية لفكرة
النظام شبه الرئاسي.
المهم أنه مع اختلاف التطبيق للأنظمة التي تحكم أن تكون
الأسس السابقة التي فصلناها في النقاط السابقة هي أساس الحكم مثل (الشورى والعدالة
والحرية والمساواة وغيرهم). ويكون أساس الحكم على مبدأ الاختيار والاتفاق بأغلبية
جماعية كما وضحنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: -
(إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).
فيكون الاتفاق بعقد بين طرفي العقد الأول وهو الشعب صاحب
السلطة والثاني هو المجتمع السياسي الذي يختاره الشعب وينفذ العقد بأي آلية
يختارها نواب الشعب ويرتضاها الشعب.
وكانت الخلافة الإسلامية طريقة للحكم في وقتها ومع تغير
العصر الآن وأصبحت الدولة مؤسسية أصبح الحاكم مجرد رئيس لمجموعة استشارية بها
أفراد خبرة بمجالات مختلفة هم الذين يحكمون ويصدر الرئيس أوامر التنفيذ لمساعديه
ووزرائه للتنفيذ بجدية ولم يعد هو الخليفة الذي يعلم بكل شيء في الدين والدنيا
والقضاء والحرب مثلاً كما كان وقت الخلافة.
وأن الفكر الإسلامي
كما ذكرنا بالأمثلة حدث فيها الحكومة الائتلافية والمجمع الانتخابي وكل هذا كان اجتهادات
وطرق لتنفيذ هذه الأسس. فتُرك نظام وآلية الحكم والتنفيذ للاجتهاد ولإعمال العقل
والتفكير والتجديد والوصول لأكثر طريقة سوية للحكم ومتناسبة مع العصر، ولكن على أسس
المنهج الإسلامي التي تطبق العدل والمساواة والشورى وما إلى ذلك من مبادئ الفكر
الإسلامي.
ونظام الاختيار
والانتخاب أيضاً متروك للاجتهاد والتفكير للوصول إلى أنسب وأفضل طريقة للوصول إلى
صوت كل فرد في الانتخاب والاختيار.
فكانت بالبيعة
حتى ظهر نظام الانتخاب بالصندوق فحقق الطريقة الأفضل في العدل لوصول صوت كل فرد في
الدولة للصندوق الانتخابي لاختيار الحاكم والنواب البرلمانين.
وتكون فكرة
الإدارة والنظام الحاكم عبارة عن شكل هرمي رأسه الحاكم والسلطات الثلاثة وقاعدته
الشعب ووسط البناء هي المؤسسات المدنية والأحزاب والسياسيين ومراقبي أجهزة وسلطات
الدولة (التنفيذية والتشريعية والقضائية). ولكن يتكون وسط ورأس الهرم عن طريق
القاعدة فهي أساس البناء ومن دونها ينهار.
فكل فرد في
الشعب بامتلاكه لحقوقه السياسية كاملة، هو الذي يختار ويعين بسلطة الشعب صاحب
الشرعية أعضاء الحكومة وأجهزة الدولة المختلفة، ويختار نوابه وأعضاء المؤسسات المدنية
بالانتخاب فيكون الحكم مؤسسي.
ورغم هذا
فإن أعضاء الهرم وخصوصاً رؤوس الدولة وعلى رأسهم الحاكم يكونون متساوون في الحقوق
والواجبات مع قاعدة الهرم وأفراد الشعب لأنهم لم يصلوا للرأس إلا بوجود وموافقة
وثبات القاعدة وإرادتها وسلطتها وهم في الأساس موظفين لدى الشعب. فيكون النظام أشبه
بالهرم الرأسي وبالأفقية لتساوي كل من فيه.
فيتميز المنهج
الإسلامي بالمرونة في التطبيق وعدم الجمودية لأنه وضع أسس وقواعد وخطوط عريضة وترك
التطبيق للعقل والاجتهاد والتفكير
فيه ليتناسب مع العصر حتى لو كانت أسس الحكم والإدارة مأخوذة من دول أخرى فيمكن
تطبيقها طالما بها فائدة للدولة ولا تخالف منهج الفكر الإسلامي وفلسفته. فنجد أن عمر
بن الخطاب استعان بنظام الدواوين المطبق لدى الفرس رغم الحرب بين الدولتين ولكن
لمصلحة التطبيق للدولة متبعاً القاعدة الأساسية في هذا وهي قول النبي صلى الله
عليه وسلم: -
(الحكمة
ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها).
(إذا حكم
الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).
فعلى الحاكم
والمفكرين والسياسيين الاجتهاد ووضع النظام الأفضل لإدارة الدولة سواء في النواحي
السياسية أو الاقتصادية أو غيرها أو الاستعانة بأفكار مختلفة دون الخروج أو الابتعاد
عن أسس وفلسفة الفكر الإسلامي. وهذا لا عيب فيه كما ذكرنا باستخدام ما وصل إليه
الغير ومحاولة تطويره طالما إنه في مصلحة الدولة. المهم هو تطبيق أي نظام طالما
يحقق أسس العدل والحرية والمساواة، فمن يطلب الحق والعدل لا يحكم بالقهر على رقاب
الناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم