كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 41 (أساس العلاقة هو السلام، موادعة من يعيش معنا)

 


القسم الثاني

المنهج الإسلامي في الحرب

تمهيد

 

في البداية نقول إن الفكر الإسلامي جمع العدالة والسماحة والعفو والقوة في نفس الوقت، فجمع بين صرامة اليهودية (العين بالعين والسن بالسن) وسماحة المسيحية (مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا.). (إنجيل لوقا 6: 29)

- فقال الله تعالى: -

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ).

فيدعو الفكر الإسلامي للعفو والتسامح وفي نفس الوقت يكون بوجود قوة تحميه حتى لا يتم الاستهانة بمن يعفي لأن القوي الذي يعفو غير الضعيف الذي يسكت عن حقه لأنه لا يملك العفو والقدرة على أن ينول حقه فالحق لابد له من قوة تحميه.

وموقف الرسول النبيل عندما أصفح عن أهل مكة الذين عذبوه كثيراً هو ومن معه وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، كان من موقف العفو والسماحة بوجود قوة وليس من موقف ضعف.

والمقصد هو التعامل بندية وليس بتبعية ومن موقف قوي ولكن بسماحة وطيب خاطر مع دول العالم ولا نعتدي أبداً على أحد.

ولكن الأساس في الفكر الإسلامي هو السلام والمحبة وعدم الاعتداء. وأن القتال والحرب شيء مكروه ولكنه مكتوب علينا للدفاع عن أمتنا وديننا.

-قال الله تعالى: -

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

والقوة هنا للدفاع عن أمن الدولة وأرواح الشعب وليس للعدوان على الغير.


-فقسم الفكر الإسلامي الدول إلى: -

1- دول إسلام ودول الجوار بالعالم: -

فلهم نفس الحقوق ولا عدوان عليهم وتجمعنا المصالح المتبادلة والأخوة.

 2- دول عهد: -

وهي الدول التي عاهدناها على السلام وعدم الاعتداء ولها حقوق دار الإسلام.

3- دول حرب: -

وهي الدول التي بيننا وبينها حروب.

4- دول أخوة: -

هي الدول التي ليست بجيران ولا حرب فلذا تكون دول تجمعنا بها الإخوة والمحبة والمصلحة المتبادلة.

فوضع المنهج الإسلامي حدود وأخلاق للسياسة الدولية الإسلامية وقت الحرب وأحكمها بالعدل والسماحة والقوة والالتزام بالعهود والمواثيق، فيزيد الفكر الإسلامي من الدولة قوة بمبادئ محددة لا يحدث خروج عنها لأنها تخالف مبادئ وتعاليم الفكر الإسلامي وسنسردها بالنقاط التالية.


1- أساس العلاقة هو السلام: -

 

-قال الله تعالى: -

(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)

(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).

(فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

(وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

(وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ)

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم فإن بدؤكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ثم أروهم ذلك القتيل وقولوا لهم هل إلى خير من هذا سبيل؟ فلأن يهدي الله تعالى على يديك خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت).

(إن موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام).

(يَا أيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ).

فالآيات والحديث يدل على الفطرة في الإنسان بأن الحرب شيء مكروه وغير محبوب ولا يبحث عنها الإنسان العاقل، ولكن إن حدث وكان القتال ملزم علينا للدفاع عن الدولة والعرض والحياة فيجب أن نثبت ونصبر ونجاهد من أجل الدفاع عن حقوقنا.

فالأساس في التعامل هو السلام لا الحرب وذلك من أجل المحبة ونشر الود بين الناس فالتعارف في الآية معناه التواد والتراحم والسعي لبذل كل السبل من أجل نشر السلام وهذا ما يرجوه الفكر الإسلامي، ولأن العلاقة في الأساس للدولة هو السلم ونشر الأخوة والمحبة الإنسانية فأكد المنهج الإسلامي على أنه لابد من إجابة السلم في أوقات الحرب.

وقال الله تعالى: -

(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

فالحرب لا تكون بالاعتداء على الغير وإنما للدفاع والحرب، والأسرى لا تكون إلا بعد قتال العدو الذي اعتدى علينا وهذا هو أساس الجهاد ومعنى الإثخان في الأرض بالحرب ولكن دون اعتداء على أحد فتكون الحرب للدفاع.

 

2- موادعة من يعيش معنا: -

 

-قال الله تعالى: -

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

يكون الأساس في التعامل مع الغير هو السلم والحب والمؤاخاة فأكد الله على أنه لا قتال لمن لم يحاربنا ولم يظهر العداء لنا بل له حق الجيرة والأخوة خصوصاً من يعيش بوطن واحد معنا ومن في جيرة الدولة ومن يسالم الأمة ولا يعتدي على حقوق الدولة من دول العالم أجمع. بل التعامل بين الشعوب والتعارف لنشر أسس المحبة والسلام.

كتب النبي في وثيقة المدينة أنهم أمة واحدة مع المسلمين يعيشون في وطن واحد لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات.

تدليلاً على أنه لا فرق بين اليهود والمسلمين في الحقوق والواجبات وأنهم مكون واحد لدولة واحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم