31- المجتمع
المدني وعلاقته بالمجتمع السياسي ودوره في الدولة: -
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم: -
(من رأى
منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان).
يسعى الفرد
من أجل التغيير للأصلح ويعمل على هذا، ويكون دوره في المجتمع أن يتعامل به ويساعد غيره
من الناس على الخير، وهذا هو مقصد الحديث بتغيير المنكر باليد أي بالتعاون مع
المجتمع والدولة على تحسينها، وإن لم يستطع يكون باللسان والموعظة الحسنة والتبليغ
للفكر الذي يصلح الدولة والناس والمجتمع في كل شؤونهم بالحسنى.
وقد تحدثنا في
السابق عن المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات المدنية والمجتمع السياسي وكيفية عمل
المجتمع المدني ليكون هو المؤثر والمحرك الأساسي للمجتمع السياسي ومراقب له.
وهذا يتم عن
طريق وجود المؤسسات المدنية التي يؤخذ رأيها في كل القوانين والمشاريع لقربها من
الشعب ومعرفة رأيه وقدرته على العمل بها ومدى رضائه عنها واقتناعه بها بحكم مشاركة
هذه الهيئات في العمل العام والسياسي، والتي تقوم بمتابعة أداء الحكومة ومحاسبتها أيضاً
عن طريق المجلس التشريعي المدني الممثل للشعب والمكون من هذه المؤسسات والأحزاب، وتكون
عينيه على الحاكم ومعاونيه ومراقبته وتوجيهه وتقويمه ومحاكمته وتغييره إن لزم الأمر
بالخروج عليه بالثورة فهما عقل وروح لجسد واحد.
-ولكن نعرف
كلا منهما في البداية: -
1- المجتمع المدني:
-
هو المكون الاقتصادي
والاجتماعي للدولة ويعترف بدولة القانون ويعي حقوقه وواجباته وينفذها ويكون عبارة
عن هيئات ومؤسسات تكون كسلطة موازية ومراقبة للدولة وسلطاتها.
وهو مصطلح
يشير إلى المجموعة الموسعة النطاق المكونة من منظمات غير حكومية وغير ربحية وتعمل
بالحياة العامة، وتحاول التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها المختلفة على حسب توجهات
هذه المجموعات، وهذا يستند على الاعتبارات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية والسياسية
والعلمية والدينية والخيرية وتنهض للتعبير عن أعباء المجتمع المختلفة. فتضم
النقابات العمالية والمهنية والمنظمات الخيرية والدينية وجمعيات محلية ومجموعات
العمل العام السياسي والمجتمعي وهكذا. ويعمل من خلالها للصالح العام مؤثراً إياها
على مصلحته الخاصة.
ولكي تعمل
بشكل سليم يجب أن تكون مستقلة تماماً عن مؤسسات الحكومة، وأن يضمن في الدولة حرية
الرأي والتعبير وتداول المعلومات والرقابة لكي يكون الدور التوعوي لهذه المؤسسات فعالاً
وليس صورياً.
2- المجتمع السياسي:
-
هو المحرك
الذي يدير الدولة على أساس رغبات المجتمع المدني ويتكون من السلطات الثلاثة
(التنفيذية والتشريعية والقضائية).
ومن هنا تظهر
العلاقة بأن المجتمع المدني هو الأساس وهو من يدير الدولة ويعطي من خلاله الشعب
قوة السلطة للمجتمع السياسي الذي يأخذ سلطته من المجتمع المدني ويتكون منه في الأساس
ويدير الدولة على أساس احتياجاته فيكونان بالتالي شيئاً واحداً فالمجتمع السياسي هو
جزء من المجتمع المدني. فيكون المجتمع المدني هو موجه دفة الإدارة الحقيقي ويكون
المجتمع السياسي هو أداة الإدارة له.
وبالطبع لأن
الشعب هو صاحب السلطة والحق في الاختيار للحاكم ولأعضاء المجتمع السياسي فله الحق
في مراقبتهم إن كانوا يسيئون استخدام السلطة التي منحها إياهم. وبوجود رأي عام قوي
أمام الحكومة ويوجهها لما يريده الشعب وليس الإجبار بوسيلة مؤذية أو ما إلى ذلك
فيكون المجتمع المدني بمؤسساته مراقباً للمجتمع السياسي ورأيه ملزم لها عند
التقنين أو في اتخاذ مشروعات البنية الأساسية والتحتية.
وتكون
المراقبة لهيئات المجتمع المدني بمؤسسات رقابية مدنية ومستقلة تتكون من أفراد
الشعب ويكون تعيين رؤسائها من داخل المؤسسة نفسها وليس باختيار من السلطة
التنفيذية أو التشريعية فلا يعقل أن يراقب ويفضح أخطاء أو تجاوزات من عينه فيكون
تعيينه من داخل هذه المؤسسات من أعضائها ليكون ولائه لمن عينوه وهم الشعب ويكون
معارضاً قوياً للحكومة. وآلية التعين تكون إما بترشيح داخلي لعدد من الأسماء
ويختار المجلس التشريعي أحدهم أو بالانتخاب المباشر من أعضاء المؤسسة أو النقابة لرئيسها
ويقر التعيين المجلس التشريعي والحاكم رأس السلطة التنفيذية دون رفض لتعيينه.
وبوجود
الحرية الفكرية والتعددية الحزبية ومنظمات المجتمع المدني المختلفة يجعل من كل جهة
تعمل لتقديم برامج لتقدم الدولة ومراقبة الحزب الذي بالحكم ومحاولة تصيد الأخطاء له،
وبالتالي سيعمل كل حزب يصل للسلطة على أن يحافظ عليها بالعمل الصائب وتجنب الأخطاء
والبعد عن الفساد الإداري والمالي وإرضاء المجتمع المدني بتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية
للدولة. وبالطبع لوجود أحزاب ونقابات ومؤسسات مدنية وتعددية فكرية حقيقية سيتجه
أفراد الشعب للعمل بها ووجود رأي عام قوي للشعب.
ووجود رأي
عام للمجتمع المدني يجعله صعب الانقياد ويجعله يُكون قيادات في المجتمع تقوده
وتوجه الحكومة لإرادة الشعب كالنقابات والجمعيات والمؤسسات المدنية. ونجد أن عمل
النقابات والمؤسسات يحافظ على حقوق العمال والفقراء والشعب وهي إحدى أذرع المجتمع
المدني.
والأهم هو
وجود مؤسسات حرة للمجتمع المدني ونقابات وهيئات مدنية تساعد الشعب والمجتمع على
مراقبة السلطات الثلاثة لمنع أي تكتلات سياسية بين الأحزاب داخل المجلس التشريعي
أو مع الحكومة أو انفراد لأحد بالسلطة ويكون له حق إلزامي على السلطات بالرقابة بل
والموافقة على القوانين والمشروعات القومية بالاستفتاء كما وضحنا بالسابق.
-فمثلاً: -
إن أرادت
السلطة التشريعية إصدار قانون فعليها عرضه على المؤسسات المدنية وهيئاتها المختصة
لأن هذه المؤسسات مكونة من أفراد الشعب وتكون أقرب للشعب من نواب المجالس وأعضاء الحكومة
فتستطيع المؤسسات أن تعرف مدى رد الفعل من الشعب ومدى موافقته على هذه القوانين
والمشروعات. وتقوم الحكومة بالأخذ برأي المؤسسات المدنية فيكون إلزامياً ولا تقوم
بأخذ رأيه بطريقة استشارية فقط.
وبتحقيق
الرقابة من قبل المؤسسات المدنية والأحزاب يتحقق بالتالي التوزيع العادل للثروة
والإدارة السليمة السياسية والاقتصادية من جهة الدولة للشعب بوجود رقابتها وقدرتها
على كشف أي فساد أو أخطاء للسلطة التنفيذية. وبوجود الشعب الذي لا يكل من المشاركة
السياسية ومراقبة الحكومة بمنظمات المجتمع المدني والأحزاب يؤدي هذا لحدوث استقرار
ديمقراطي وسياسي بالدولة وحماية لحرية الدولة.
وأيضا رأي
العلماء والشيوخ في مدى شرعية القوانين والتطبيقات الإدارية بالدولة ومدى مطابقتها
للمرجعية الإسلامية هو دور مهم للمجتمع المدني فيؤخذ رأيهم في هذه القوانين بمشاركتهم
في هذه الهيئات المدنية.
-الأدلة: -
1- أن
الرسول كان يشرك أهل الولايات في اختيار ولاتهم وهذا من أسس الديمقراطية والانتخاب
فنجده أصل من أصول الفكر الإسلامي وتحديد لانتخاب حكام المحافظات والمدن وبالطبع
الدول.
2- أن العمل
المجتمعي لتقويم الحاكم وسلطته يتحدد في الفكر الإسلامي بحديث النبي صلى الله
عليه وسلم: -
(سيد
الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق عند ملك جائر فقتله).
(سيد الشهداء
حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
(أفضل
الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).
(إذا رأيتم
أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منه).
فيكون هذا
حافزاً للمجتمع والفرد لتنشيط دوره المجتمعي والسياسي والعمل على تقويم الحكام عند
الخطأ وبالطبع مراقبته لمعرفة أخطائه.
3- قال
النبي صلى الله عليه وسلم: -
(كلكم راع
وكلكم مسؤول عن رعيته).
بتعميم
المسئولية على الشعب من أجل أن يتفاعل الجميع على الصعيد السياسي والمجتمعي في
الدولة من أجل بناء مواطن فعال وألا يصمت أحد على الظلم أو الاستبداد أو الخطأ
وزيادة الترابط بين مواطنين الدولة وإحساس الفرد بمسئوليته تجاه الدولة.
4- نجد أن
المجتمع المدني له حقوق وواجبات منها أنه يحمي الأمة من الضلال السياسي والاستبداد
من منطلق الحديث النبي القائل فيه (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ...).
ولكن يكون التغيير
بالحسنى وليس معنى اليد هنا هي الضرب وإنما تكون للحاكم باستخدام القضاء بين الناس
أما بالنسبة للمجتمع فيغير بنشر الدعوة والفضيلة والعلم واليد للعمل والتفاعل.
5- قال عمر
بن الخطاب عندما تولى للناس: -
(إن زغت
فقوموني).
تحفيز لدور
المجتمع المدني المكون من الشعب للمجتمع السياسي على المراقبة والتوجيه.
6- قول عمر بن
عبد العزيز لأهل المدن: -
(أي عامل رغب
عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع
الحق وهو ذميم).
تحفيز للناس
على مراقبة الحكام والولاة والمسئولين وتوجيه لهم النقد والمعارضة وخلعه إن لزم
الأمر فسلطة الشعب والأمة هي الأساس.
فأكد بهذا
منهج الفكر الإسلامي على حق ودور المجتمع المدني في اختياره للحاكم ومراقبته وتقويمه.
وهذا دليل على تكوين رأي عام خاص بهم من أفراد المجتمع والمشاركة بالعمل السياسي
لتوجيه المجتمع السياسي وتقويم الحاكم وتوجيهه للصواب ومراقبة السلطة التنفيذية.
ومع وجود الأفكار الحديثة من منظمات ونقابات يكون العمل من خلالها أقوى تنظيمياً.
وبهذا يحق
للمجتمع المدني أن يقيل نائبه أو حاكمه إن رأى منه الابتعاد عن برنامجه الذي وافق
عليه عند انتخابه ويكون كعقد انتخابي بين الناخب والنائب أو الحاكم وتكون آلية
الإقالة عن طريق نواب الشعب أو المؤسسات المدنية التي تطلب هذا.
فلا يتنازل
المجتمع المدني عن حريته أو حتى جزء منها للمجتمع السياسي بل يظل بكامل حريته ومراقب
ومتحكم بالمجتمع السياسي لتحقيق أمال المجتمع المدني وأهداف المدنية والفكر الإسلامي
بامتلاكه حريته السياسية كاملةً دون أدنى تنازل عن هذه الحرية وممارستها وممارسة
حقوقه.
وأيضاً هذا
يشجع المواطن أن يكون فعالاً دائماً في المجتمع ولا يكون سلبي ويتكون لديه الإحساس
على أهمية دوره في الدولة كونه مواطناً فعالاً يمكن أن يغير من مسار الدولة إلى
الأفضل برأيه وفكره وعمله من إحساسه بالمواطنة كمواطن مشارك إما في المجتمع المدني
ومنظماته وهيئاته أو بالمجتمع السياسي ويمارس حقوقه وواجباته ويراقب الدولة عن
طريقها.
ويكون الحكم
بهذا شعبي مكون من أفراد المجتمع المدني لتكوين أفراد المجتمع السياسي وليس لصفوة
أرستقراطية، فالحكم يكون من الشعب وبالشعب وللشعب من أجل تحقيق المصلحة العامة.
فالمجتمع
المدني هو التطبيق لحرية الرأي والتعبير والحقوق السياسية الكاملة وله دور وثيق بالمجتمع
السياسي الذي إذا لم يجد قوة للمجتمع المدني لاستبد بالحكم والدولة.
فيقول
الإمام محمد عبده: -
(فالمرء
يوجد ساذجاً فطرياً يلتمس الغذاء والمبيت وسائر الحاجات الطبيعية مما تصل يد
إمكانياته إليه ثم يدفعه الحرص على الذات إلى حفظ النوع وتلجأه كثرة الحاجات إلى
طلب الإعانة فيتألف ويجتمع فيصير مدنياً ثم يتقدم في هذه المرتبة فينظر في شئون
نفسه ويهتم بأحوال جنسه فيصير سياسياً وهو الإنسان المدني الكامل الحقوق والواجبات).
-
المواطن الفعال: -
هو المواطن
الناتج عن تفاعل المجتمع والذي يحرك المجتمع للإيجابية في الحياة السياسية والاجتماعية
والاقتصادية وكل من يستخدم حقوقه في مراقبة أجهزة وسلطات الدولة من أجل توجيهها
للصالح العام من خلال مؤسسات المجتمع المدني وفي مقابل هذا يؤدي واجباته للوطن على
أكمل وجه فيعي بهذا جيداً حقوقه وواجباته وكيفية استغلالها وتأديتها من أجل الصالح
العام عن طريق وعيه الكامل بها مؤثراً المصلحة العامة على مصلحته الشخصية.
ويكون هذا
المواطن على وعي ودراية وثقافة جيدة تجعله يحقق واجباته وينال حقوقه ولديه القدرة
على تكوين مجتمع مدني قوي يحافظ على سير المجتمع السياسي على الطريق المرسوم له
وعدم الحياد عنه وجعل المجتمع المدني سلطة قوية موازية للدولة حتى تستطيع مراقبة السلطات
وتوجيهها. ويستطيع في نفس الوقت اختيار الأوقات المناسبة للمطالبة بحقوقه وكيفية
المطالبة بها.
ويكون حديث النبي
صلى الله عليه وسلم: -
(من رأى
منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان).
هو الدافع
للإنسان ليكون فعالاً وحافزاً ليحاول تغيير ما يراه من خطأ سواء في إدارة الدولة أو
في المجتمع. ومعنى التغيير باليد هي بالعمل العام والمساعدة للغير والعمل بالدولة
من أجل نهضتها سواء عمل اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي.
وبتدعيم
الفكر الإسلامي وتحفيزه للمواطن للاشتراك في الانتخابات والسياسة ومؤسسات المجتمع
المدني كالنقابات ومراقبة سلطات الدولة والخروج على الحاكم يتكون المواطن الفعال
ويتولد إحساسه بإيجابية في المجتمع ويؤدي دوره كاملاً لبناء الدولة وتقدمها
والحفاظ على مبادئ المدنية الإسلامية.
فيجعل الفكر
الإسلامي بالمؤسسات والهيئات المدنية والحزبية من الفرد فعالاً ومفكراً حيث يقوم
الفرد بالانتخاب المباشر على أساس الكفاءة والخبرة والأمانة والتدخل بإرادته في
تنظيم الدولة ومراقبة من اختارهم، ويجعله في طاعة للحاكم طالما يسير بالنهج السليم
ويجعله رقيب للحاكم وللسلطة ومقوم لها إن أخطأ بمواجهته بأخطائه وعدم نفاقه ولا
الخوف من معارضته ويعطيه حق الخروج على الحاكم إن لم يستقم بالحسنى فيخرج هذا نخبة
سياسية واعية تخدم الشعب وتسعى للمصالحة وهذا بالناحية السياسية ومن الناحية الاجتماعية
سنجدها بالشرح في باب الحياة الاجتماعية. ومن الناحية الثقافية يكون بتفاعل المثقفين
بالمجتمع بنشر ودعم العلوم والوعي والثقافة.
-
الرأي العام: -
بوجود تعددية
فكرية وحزبية مع حرية الرأي والتعبير وبتكوين مؤسسات وهيئات للمجتمع المدني وانتشار
وسائل الإعلام المستقلة تظهر الحقائق وتنمي الوعي، يتكون بهذا رأي عام للشعب في
القضايا العامة تساهم في توجيه الدولة والحكومة إلى مصلحة الشعب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم