فلسفة الفكر الإسلامي 27 (حقوق أهل الأديان)

 


 

28- حقوق أهل الذمة والجزية في الإسلام: -

 

أولاً- حقوق أهل الذمة: -

-قال الله تعالى: -

(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(من قذف ذمياً حد له يوم القيامة بسياط من نار).

(من أذى ذمياً فقد أذاني).

(من أذى ذمياً فأنا خصمه).

(من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة، ومن خاصمته خصمته).

(من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة).

(المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم على يد على من سواهم).

(لهم مالنا وعليهم ما علينا).

(ليس في أموال أهل الذمة إلا العفو).

(ألا من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله حرم الله عليه ريح الجنة).

فنجد أن تعاليم الفكر الإسلامي منعت الاعتداء على أصحاب الديانات الأخرى ولهم حق الحماية طالما لم يحدث منهم اعتداء أو جور أو على أي أحد آخر وهذا هو الأساس في فلسفة الفكر الإسلامي لتحقيق العدل والمساواة والمؤاخاة. فأكد النبي على عدم أخذ أي من أموال أهل الذمة إلا بالقبول والرضا والحق فحرمة مالهم ودمائهم واجبة الحماية. وهذا لنشر السلام والمحبة وتوحيد الأمة.

فنجد أن رجل مسلم قتل ذمياً فرفع للرسول فقال النبي: -

(أنا أحق من وفي بذمته).

وأمر بقتل المسلم القاتل ليأخذ بحق المقتول حفاظاً على حق الذمي كفرد من أفراد الأمة فلا عدل ومساواة أكثر من ذلك.

وحدث وقت عمر بن الخطاب أن رجل من بني بكر قتل ذمياً فأمر بتسليمه لأهل المقتول لقتله.

وقال علي بن أبي طالب: -

(من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا).

(إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا).

فساوى النبي بين دماء المسلم والذمي تدليلاً على حرمانية الدم أجمع ولمنع أي ظلم أو الإساءة لأي أحد مهما كان دينه واختلافه العقائدي بل الحفاظ عليهم وحمايتهم ونجدة المكروب والمهموم لإعمال روح الأخوة الإنسانية. فالدية واحدة حتى إذا قتل مسلم ذمي فلابد أن نحافظ على دمائهم وعرضهم وأموالهم طالما لهم ذمتنا ولهم أيضاً حق كف الأذى ورد الغيبة كالمسلم وهذا للترابط وتوحيد الأمة ولا يشعر أي فرد بهدر حقوقه بالدولة وتحقيق العدل على الجميع.

وعند دخول النبي للمدينة كتب لليهود عهد جاء فيه: -

(لكم ذمة الله وذمة رسوله على أنفسكم ودينكم وأموالكم ورقيقكم وكل ما ملكت أيمانكم لا يطأ أرضكم جيش ولا تحشدون ولا تحشرون... ومن سافر منكم فهو في أمان الله وأمان رسوله).

وعاهد بني ضمرة من قبائل العرب وجاء في العهد: -

(هذا كتاب محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم وأن لهم النصر على من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله ما بل في بحر صوفة –للتأكيد على العهد- وإن النبي إذا دعاهم إلى النصرة أجابوه عليهم بذلك ذمة رسوله ولهم النصر من بر منهم وأتقى).

وفي مُوَادَعَةُ جهينة وكانت هذه القبيلة تسكن منطقة العيص على ساحل البحر الأحمر، وكان نص هذه المعاهدة:

(إنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، وإن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم إلا في الدين والأهل، ولأهل باديتهم من بر منهم واتقى ما لحاضرتهم).

وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاب ذمة وعهد إلى أهل نجران النصارى كانت أساس لحقوق أهل الذمة لحمايتهم، وما كتب بعدها من عهود في عهد الراشدين وهي: -

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما كتب محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران إذ كان عليهم حكمه في كل ثمرة وفى كل صفراء وبيضاء ورقيق فأفضل ذلك عليهم وترك ذلك كله لهم على ألفى حلة من حلل الأواقي: في كل رجب ألف حلة وفى كل صفر ألف حلة، ومع كل حلة أوقية من فضة. فما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيول أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب. وعلى نجران مؤنه رسلي ومتعتهم ما بين عشرين يوماً فما دون ذلك ولا تحبس فوق شهر.

وعليهم عارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً إذا كان كيد باليمين ومعرة. وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض فهو ضمين على رسلي حتى يؤدوه إليهم.

ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على أموالهم وأنفسهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير لا يغيب أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته. وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية. ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش. ومن سأل منهم حقاً فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين.
ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه برئته. ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر.
وعلى ما في هذا الكتاب جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم غير مثقلين بظلم.
شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بني النضر والأقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة.

وكتب لهم هذا الكتاب عبد الله بن أبى بكر.

 

كذلك كانت العهدة العمرية التي كتبها عمر لأهل القدس، وفيها: -

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم .ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم، ولا يُسَكَّن بإيلياء معهم أحد من اليهود ، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغ مأمنه، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية... ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.

فتدل هذه العهود إلى الأمن والأمان والتحالف والحماية والحرية الشخصية والدينية وممارسة عقيدتهم بحرية لمن هو بالدولة من اليهود أو لمن هم خارجها في نجران أو قبائل مجاورة بالعهد بالحماية والمعاونة إلا لو اعتدوا على المسلمين.

أما الأحوال الشخصية فلهم الحق في الاحتكام لشرائعهم كما حدد النبي بوثيقة المدينة إلا في حالة تزوج المرأة الذمية من رجل مسلم فعليها نفس عدة المسلمة ولا يتوارث أقاربها في تركة الزوج إذا توفي بقول الرسول (لا يتوارث أهل ملتين). إلا إذا أرادوا هم غير ذلك والاحتكام للإسلام لقول الله تعالى: -

(فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ).

وحذر عمر بن الخطاب ولاته من الخوارج بقوله: -

(إذا أرادوا إن يسيحوا في الأرض من غير أذى لأهل الذمة وفي غير أذى للأمة فليذهبوا حيث شاءوا وإن نالوا أحدهم حاكمهم الله).

للحفاظ على دمائهم وأموالهم وحقوقهم وعدم تعدي أحد عليها وقت الفتن أو الحرب أو في أي وقت.

ونجد قمة العدل في الفكر الإسلامي بالحفاظ على أموال أهل الديانات الأخرى عندما حدث في مدينة تدعى (عربسوس) تقع بين العرب والروم يقطن بها أناس يقومون بالتجسس على المسلمين ونقل أخبارهم للروم فشكاهم الوالي عمير بن سعد للخليفة عمر بن الخطاب فقال له عمر "خيرهم أن نعطيهم مكان كل شاة وبقرة وكل شيء ضعفه فإن رضوا فأعطهم وأجلهم – إبعادهم عن مكانهم - وإن أبوا فأنبذ إليهم وأجلهم).

فرغم تجسسهم إلا أنه ينذره ألا يظلمهم ويعوضهم عن ممتلكاتهم مقابل الجلاء قبل أن يحاربهم.

ويوماً أرسل عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص والي مصر يقول له: -

(وإن معك أهل ذمة وعهد وقد وصى رسول الله بهم فقال النبي: من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا خصيمه يوم القيامة. احذر يا عمرو أن يكون رسول الله لك خصيماً فإنه من خاصمه خصمه).

ووضع المنهج الإسلامي من بيت المال مال لهم أيضاً لأنهم أفراد من الأمة نفسها فلهم نفس الحق.

ففي أحد الأيام مر عمر برجل يهودي يتسول فجعل رزقه من بيت المال. وقال أكلنا شيبته فإن تركناه في هرمه فما أنصفناه اجعلوا رزقه في بيت المال. أي أنه جعل له مرتب يعيش منه. فهو فرد في الدولة له كامل الحقوق عليها.

وقام الخليفة المعتصم بمعاقبة إمام ومؤذن اشتركا في هدم معبد للمجوس لاستخدام حجارته في بناء مسجد. للحفاظ على الملكية الخاصة لأهل الذمة وعدم الاعتداء عليها كأي فرد في الدولة لضمان توحيد الأمة.

وقال فقهاء الأحناف: -

(إذا أتلف المسلم خمراً لذمي أو قتل له خنزيراً غرم ثمنه).

فحتى فيما حرمه الدين على المسلم وهو حلال لغير المسلمين لا يحق لأحد التعدي عليه فيه حفاظاً على حقه وماله وعرضه.

وقال شهاب الدين القرافي: -

(إن عقد الذمة يوجب علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله ودين الإسلام فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله وذمة دين الإسلام).

وقال بن حزم: -

(إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة).

فلابد من أن تحميهم الدولة وتضمن لهم حريتهم ورخائهم وحقهم في العيش بأمان.

ونجد أن منهج الفكر الإسلامي سمح بالزواج بالكتابيات وأهل الذمة كما فعل الرسول وتزوج من سيدتين كانتا إحداهما قبطية والأخرى يهودية وكانوا قد أسلموا باختيارهن. وهذا هدفه توحيد بين الأمة بمختلف دياناتها بالنسب.

وأن الرسول قد زار اليهودي المريض رغم أنه كان يؤذيه وفي موقف آخر وقف لجنازة اليهودي عند مرورها وقال إنها روح وهذا كالوقوف دقيقة حداد على الشخص الميت احتراماً للروح الإنسانية.

وأكدنا بنقطة (الحرية الشخصية وحرية العقيدة) على ضمان حرية العبادة ووجود دور العبادة بحرية ومساعدة الدولة لتطوير دور العبادة الخاصة بهم كما في العهدة العمرية لأهل القدس ومصر الذين ذكرناهم بنقطة (العدل).

ووجدنا في الشرح بنقاط (العدل، المساواة، حرية العقيدة، ومفهوم الأمة، الحقوق السياسية، المواطنة) أن لهم حق الاحتفاظ بدينهم وعدم إجبارهم على دين وحرية العبادة والاحتكام إلى شرائعهم في الأحوال الشخصية وأن الشعب واحد وهم جزء من المشترك العام في الدولة وأن الدين لله والوطن للجميع في إحدى نقاط وثيقة المدينة وأن لهم كامل الحقوق السياسية وعليهم كل واجبات أي فرد بالدولة متساويين وأنه من العدل وانطلاقاً من مبدأ الكفاءة والخبرة أن لا ضير في توليهم أي مناصب بالدولة طالما لهم الكفاءة فيها كما وضحنا بالأمثلة فنجد أن تفوقهم في الطب في وقت بداية الدولة استعان بهم الولاة والخلفاء وغيرها من الوظائف التي أثبتوا فيها خبرتهم وكفاءتهم وقد أسهبنا في سرحها بمحلها.

وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم في العمل ولا يشدد عليهم في الجزية إذا فرضت عليهم بل ويدفعها بيت المال عمن لا يملكها.

وهذا تأكيداً على العدل في الفكر الإسلامي والمساواة بين جميع أفراد الأمة وحقوق أصحاب الديانات الأخرى على الدولة الإسلامية دون تفرقة.

فكانت تتم حقوقهم بعقود مثل العهدة العمرية لأهل القدس وأهل مصر التي شرحناها بنقطة (العدل) بهذا الباب على أساس قول النبي صلى الله عليه وسلم: -

(وإذا لقيت عدوك من المشركين فأدعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم).

ليكون حقهم محفوظاً وعملت الدولة على التخفيف على أهل الذمة في كل شيء كما رأينا في شرح حقوقهم خصوصاً في الجزية إن فرضت.

 

ثانياً- الجزية: -

كانت تفرض الجزية من قبل الإسلام والدولة الإسلامية من الفرس والروم على المناطق التي تحتلها وكانت دون مقابل نفعي على هذه المناطق وأهلها. ثم جاءت الدولة الإسلامية بالعدل ليغير هذه التصرفات الاستعمارية.

فكان لفرضها سببان وهما (لماذا، على من تفرض ومقدارها؟).

-أولاً: لماذا تفرض: -

فالجزية في الفكر الإسلامي فرضت على الذميين الرجال منهم القادرين على حمل السلاح فقط في مقابل عدم تورطهم في حروب وفتوحات المسلمين لأن الفتوحات كانت لنشر التعاليم الإسلامية، وبما إنها ليست ديانتهم فليس لهم في هذه الحروب لا ناقة ولا جمل وأيضاً من أجل حماية الدولة وحمايتهم وأموالهم وعرضهم ولسلامتهم وإذا كنا الآن نمتلك جيش يشاركنا فيها الذميين ويقفون بجوار المسلمين للدفاع عن أرضهم وأموالهم وعرضهم فهنا لا ضرورة لدفع الجزية لتبادل المنفعة فلهذا تفرض على الرجال القادرين على الدفاع والقتال فقط ولا تفرض على الأطفال والنساء والعجائز والعجزة.

فأسقط النبي الجزية عن يهود المدينة لأنهم تعهدوا بالدفاع عن المدينة مع المسلمين لأن هذا شرط الجزية وعندما أخلوا بالعهد وخانوا الدولة أجلاهم الرسول عليه السلام لخيانة الدولة ولم يستبح قتلهم أبداً. وهذا غير أن الجزية إذا حدث ولم تستطع الدولة الإسلامية الدفاع عن الأرض وأهل الدولة وجب رد الجزية إلى أصحابها لأن سبب فرضها لم يتم.

وحدث أن أبو عبيدة بن الجراح صالح أهل الشام وأشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم على ألا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة وأن عليهم إرشاد الضال وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام وعلى ألا يشتموا مسلماً ولا يضربونه ولا يرفعوا في نادي أهل الإسلام صليباً ولا يخرجوا خنزيراً من منازلهم إلى أفنية المسلمين وأن يوقدوا النيران للغزاة في سبيل الله ولا يدلوا للمسلمين على عورة ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا في أوقات أذانهم ولا يخرجوا الرايات في أيام عيدهم ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم ولا يتخذوه في بيوتهم فإن فعلوا في ذلك شيئاً عوقبوا وأخذ منهم.

فكان الصلح على هذه الشروط فقالوا لأبو عبيدة اجعل لنا يوماً في السنة نخرج فيه صلباننا بلا رايات وهو يوم عيدنا الأكبر ففعل لهم ذلك وأجابهم إليه فلم يجدوا بداً في أن يفوا لهم بما شرطوا ففتحت المدن على هذا، فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم وحسن سيرتهم فيهم صاروا أشداء على عدو المسلمين وعوناً للمسلمين على أعدائهم فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجالاً من قبلهم يتجسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وجيشهم وما يريدون أن يصنعوا لصالح المسلمين فإن أهل كل مدينة أرسلوا رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعاً لم يرى مثله ولما تتابعت الأخبار على أبي عبيدة اشتد ذلك عليه وعلى المسلمين فكتب أبو عبيدة إلى كل وال ممن خلفه على المدن التي صالح أهلها بأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي من أهل الذمة وأهل الشام من الجزية والخراج وكتب إليهم أن يقولوا لهم (إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بينكم أن نصرنا الله عليهم).

فلما قال ذلك لهم وردوا عليهم الأموال التي جبيت منهم قالوا ردكم الله علينا ونصركم عليهم فلو كانوا هم لم يردوا عليهم شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئاً وكان أن غلبت الروم ونصر الله المسلمين.

ولما كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب بما أفاء الله على المسلمين وما أعطى أهل الذمة من الصلح فكتب له عمر بن الخطاب وقال: -

(... وأمنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحقها ووفاهم بشروطهم التي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم).

وأيضاً ما أرسل به خالد بن الوليد إلى صلوبا بن نسطونا عند دخوله إلى الفرات: -

(هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه إني عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة وما منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا).

وكتاب حبيب بن مسلمة لأهل (تفليس) قال لهم فيه مما قال: -

(...بالأمان على أنفسهم وبيعهم وصوامعهم وصلواتهم ودينهم على إقرار بالصغار والجزية على كل أهل بيت دينار...وإن عرض للمسلمين شغل عنكم وقهركم عدوكم فغير مأخوذين بذلك ولا هو ناقض عهدكم).

فلابد أن يوفي عهدهم والدفاع عن الوطن حق على المسلمين طالما يدفع الذمي الجزية وإن كانوا يشتركون في الدفاع كجزء من الجيش والدولة فتسقط عنهم الجزية كوضع الدول الإسلامية حالياً.

-ثانياً: على من تفرض ومقدارها: -

تفرض على كل رجل قادر على حمل السلاح فقط في أرض الدولة من أهل الذمة والديانات الأخرى

نجد أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواثيق.

وقال معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم –أي ذو رجولة- دينارًا أو عدله من المعافرة.

وأن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.

وقال معاذ لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من اليسار.

فكانت تفرض على كل منطقة حسب قدرة أهلها من باب التخفيف والتيسير.

فلم يكن المبلغ المدفوع للجزية كبيراً تعجز عن دفعه الرجال، بل كان ميسوراً، لم يتجاوز على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الدينار الواحد في كل سنة، فيما لم يتجاوز الأربعة دنانير سنوياً زمن الدولة الأموية.

ومع فرضها كانت تبطل على الأطفال والنساء والعجائز والعجزة والمحتاجين رحمة بهم، ولا تفرض سوى على الرجال القادرين على الحرب والدفاع وحمل السلاح وتكون بدون إثقال لكاهل الناس. وقد أبطلها عمر بن الخطاب أيضاً على رجلاً أعمى رآه وأعطاه من بيت المال وخصص له شهرية لحقه فيها من الدولة.

وكانت الجزية تدخل مع أموال الزكاة ضمن بيت المال (وزارة المالية) وتصرف على الأمة بلا تفرقة وكانت لنشر المدنية والعلم والتمدن وتمهيد الطرق والعلاج والإعانات، ويخرج من بيت المال شهرياً أموال لذوي الإعاقة والمساكين والمحتاجين من المسلمين والذميين على حد سواء كما وضحنا في نقاط سابقة بأمثلة (دور الدولة والعدالة الاجتماعية).

-شروط سقوط الجزية: -

1- الاشتراك والإعانة في القتال والدفاع عن الدولة كما فعل النبي مع يهود المدينة كما ذكرنا بالسابق. وهذا ما يحدث الآن لذا لا يجب على أهل الذمة الجزية.

2- عدم قدرة الدولة عن الدفاع عن حقوق أهل الذمة الذين دفعوا الجزية فترد إليهم كما ذكرنا بالأمثلة السابقة.

3-   عدم قدرة الفرد على الدفع لإعاقة أو سبب ما فيكون على الدولة إسقاط الجزية عنه ورعايته.

فكان ما حدث مع الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عندما مر بسوق المدينة المنورة ورأى شيخاً كبيراً يسال الناس حاجته طلبا للمساعدة فاقترب منه وسأله: من أنت يا شيخ من أي أهل الكتاب؟ فقال الرجل: أنا يهودي عجوز أسأل الناس الصدقة لأفيء لكم بالجزية ولأنفق الباقي على عيالي. فقال عمر الخليفة: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شابا ثم ضيعناك شيخا. وأمسك الخليفة عمر بيد ذلك اليهودي وأرسل إلى خازن بيت المال وقال له: افرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغنى عياله.

وحدث وهو راجع من الشام مر على قوم قد أقيموا في الشمس، فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا له: عليهم الجزية لم يؤدوها. فقال عمر: فما يقولون؟ هم وما يتعذرون به من الجزية. قالوا: يقولون نجد. قال: فدعوهم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون. فإني سمعت رسول الله يقول (لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة). وأمر بهم فخلى سبيلهم وأسقط عنهم الجزية لعدم قدرتهم على سدادها.

وهذا دليل على الرحمة والتعامل الإنساني وتوحيد الأمة وعدم تكليف الناس فوق طاقتهم سواء في الجزية أو الضرائب عامة. وأن الوقت الحالي يشترك الجميع في الدفاع عن الدولة على اختلاف أديانهم، لذا فلا توجب الجزية على أحد من أهل الذمة مع الحفاظ على كامل حقوقهم كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات بالدولة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم