فلسفة الفكر الإسلامي 28 (الملكية الفردية)

 


 

29- الملكية الفردية: -

 

-قال الله تعالى: -

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

(لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إن تسع أعشار الرزق بالتجارة).

(من قتل خنزير لذمي فعليه ديته).

(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

(من قتل دون ماله فهو شهيد).

(من أحيا أرضًا ميتةً فهي له).

(من عمّر أرضًا ليست لأحد، فهو أحق بها).

شجع المنهج الإسلامي على الامتلاك وعدم منع ملكية المال والتجارة بنص الآيات القرآنية حتى أن النبي كان تاجراً وبعد تفرغه لإدارة الدولة كان الصحابة أنفسهم من التجار لم يمنعهم النبي بل شجعهم.

فأكد المنهج الإسلامي على حق الفرد في الامتلاك والعمل فكما وجدنا أن عمر بن الخطاب ملك أراضي لأهل العراق وشجع من يستصلح الأراضي البور بامتلاكها وقام بوضع مخصصات وقروض لمن يستصلح الأراضي البور. ويتم تشجيع التعامل التجاري والصناعي ودعمه من قبل الدولة وحمايته دون تفرقة لأحد على أي أساس. وعدم نزع ملكية أحد.

-فقال الله تعالى: -

(وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

فنوع الملكية هو تعدي على حقوق الغير.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)

(لا ضرر ولا ضرار)

(إنما البيع عن تراض).

لعدم التعدي على ملكية أحد ولا أخذها بالقوة. فهذا كان أساس حق التملك للأفراد دون استثناء ولا يحق للدولة انتزاع الملكيات الخاصة لأي سبب ومن حق كل فرد رفض انتزاع ملكيته الخاصة ومحاسبة الحكومة والدولة إن أرادت الانتزاع.

ففي يوم لقي عمر بن الخطاب وهو الخليفة وقتها العباس وقال له: لقد سمعت رسول الله قبل موته يريد أن يزيد في المجلس وإن دارك قريبة من المسجد فأعطنا إياها نزدها فيه وأقطع لك أوسع منها. فقال العباس: لا أفعل. فقال عمر: إذن أغلبك عليها. فقال العباس: ليس ذلك لك فأجعل بيني وبينك من يقضي بالحق. فقال عمر: من تختار؟ قال العباس: حذيفة بن اليمان. فذهبا إليه فقضى بينهما بقول: أن الله قال لداود عندما أراد أن يزيد في بيت المقدس وأخذ بيت يتيم مجاور له قهراً (إن أنزه البيوت عن الظلم لهو بيتي) فتركه داود.

ثم قال لعمر: ألا تزال تريد أن تغلبني على داري؟ قال: لا. فرد العباس: ومع هذا أعطيك الدار لتزيد المسجد.

قام الخليفة المعتصم بمعاقبة إمام ومؤذن اشتركا في هدم معبد للمجوس لاستخدام حجارته في بناء مسجد.

وهذا للحفاظ على الحقوق والمعتقدات والأماكن الدينية والملكيات الخاصة حتى لأصحاب الديانات المختلفة.

وهذا هو التأكيد على حرية الفرد في امتلاك أراضيه بل وحق على الدولة حمايتها وعدم انتزاعها حتى لو كان يعرض عليه مقابل فله كامل الحرية في القبول أو الرفض. فلا يتم منع الملكية على أحد أو تأميمها أو الإضرار بملكية أحد بسبب الاختلاف على أي أساس بل واجب الدولة حماية الملكية الفردية. فالملكية الفردية هي مقياس ثروة الأمم، وخدمة الصالح العام تبدأ بالحفاظ على صالح المواطن وحقوقه في ملكيته الخاصة وعدم انتزاعها.

- حالات انتزاع الملكية: -

أ- في حالة الأزمات والكوارث: -

- قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إذا بات مؤمن جائعا فلا مال لأحد).

في هذه الحالة يتم النزع عند حدوث الأزمات والكوارث التي من الممكن فيها إجبار الدولة الناس مشاركة بعضهم للمال والطعام وتأميم بعض الخدمات الأساسية كالماء والطعام، فعند اشتداد الأزمة تتدخل الدولة بحلها فقد تحتاج لنزع ملكية ما يساعدها في سد الأزمات والمجاعات ولكن بنسبة قليلة لحل الأزمة وبموافقة المجلس التشريعي مع التعويض لصاحبها.

ويكون النزع للخدمات الاستراتيجية فقط التي تساعد على حل الأزمات وليس بطريقة مباحة وبالتعويض والمقابل التي تستحقه لصاحبها بموافقته وليس بالإكراه مع التعويض الذي يقبله صاحب الشأن إن وافق، حفاظاً على حقوقه. وحتى لا يؤدي الانتزاع هذا إلى الإضرار بالاقتصاد فيما بعد بتخوف المستثمرين من نزع ملكيتهم بأي وقت من قبل الحكومات.

أ‌-     الإضرار بالدولة عند تبوير الأرض: -

حالة أخرى يتم فيها النزع إذا كان بالإضرار بالأرض وتبويرها، فهنا يوجب النزع لأن هذا يضر بمصلحة الدولة والشعب.

فموقف عمر بن الخطاب عندما قال لبلال بن الحارث: إنك استقطعت رسول الله أرضاً طويلة عريضة فقطعها لك، وإن رسول الله لم يكن يمنع شيئاً يُسأله، وأنت لا تطيف ما في يدك. قال بلال: أجل. قال عمر: فأنظر ما قويت عليه فأمسكه، وما لم تقدر عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فقال بلال: لا.. لا أفعل، هذا شيء أقطعنيه رسول الله. قال عمر: إن رسول الله لم يقطعك لتحتجزه عن الناس، وإنما أقتطعك لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي. فقال بلال: لا أفعل. فقال عمر: والله لتفعل. وأخذ منه ما عجز عن عمارته وقال: من أحيا أرضاً ميتة فهي له، ومن عطل أرضاً ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له.

فيكون النزع وتمليك الأرض للغير عندما يقوم مالكها بتبويرها وعدم نفع الناس والدولة بها.

ج- عند الإضرار بالغير: -

فقال سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخيل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل عليه فيتأذى به، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليبيعه فأبى، فطلب أن ينقله فأبى، قال: فهبه له ولك كذا أمراً رغبة فيه فأبى، فقال: أنت مضار، فقال للأنصاري: اذهب فأقطع نخله. 

وحدث أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد. فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك، فأبى محمد. فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر بن الخطاب بمحمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فيجعل الماء يمر في أرضه إلى أرض الضحاك. فقال محمد: لا. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخراً وهو لا يضرك. فقال محمد: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك.

فنصل بهذا أنه من الممكن التغيير في الملكية الخاصة ونزع جزء منها لصالح الغير ولكن بأمر من الدولة أي بحكم القانون في حالة الإضرار بمصلحة الغير والنفع لآخر. مع التعويض لحقوق الآخرين حتى لا يضر هذا بالاقتصاد ومن ثم يضعفه، وغير هذا لا يحق نزع الملكية الفردية أبداً حتى لا يكون تعدي على حقوق أحد.

فالملكية الفردية مطلقة لا يتم تقييدها لأحد أو انتزاعها إلا في حالات المجاعات أو وقوع ضرر كما ذكرنا وبأضيق الحدود، ويكون بمقابل وتعويض مناسب بما يرتضيه صاحب الحق إذا قبل أو في حالة الإضرار بملكية الغير. فلا يكون بالقهر أو بالظلم حتى لا يكون تعدي على حقوق الشعب في الملكية الخاصة بل يجب على الدولة حمياتها. فالملكية الفردية هي مقياس ثروة الأمم، وخدمة الصالح العام تبدأ بالحفاظ على صالح المواطن وحقوقه في ملكيته الخاصة وعدم انتزاعها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم