27- الحرية الشخصية
وحرية العقيدة وعدم الاضطهاد الديني:-
أ- الحرية
الشخصية والفردية:-
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(من حسن
إسلام المرء عدم التدخل في ما لا يعنيه).
يؤكد على
حرية الفرد الآخر دون أن يتدخل في شأنه أحد إلا بالنصيحة بالحسنى ولا تكون بتدخل
سافر من أحد.
(مثل القائم
في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار لبعضهم أعلاها ولبعضهم
أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو
إنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً
وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً).
فالمقصد أن
تكون الحرية مطلقة دون المساس بحرية الآخرين أو الإضرار بهم لأنها تدمر المجتمع
ككل وتهدمه إن بدأ فرد باستخدام حريته بشكل خاطئ وهذه هي شكل ونصاب الحرية
الشخصية.
فحرية الفرد
الشخصية مطلقة ليس لها سقف أو حدود طالما لا يتعدى على حرية الآخرين ولا يؤذي
مشاعرهم الدينية والأخلاقية ولم يتطاول على أحد بفعل أو قول وينظمها القانون التي
تخضع له الدولة فتكفلها له الدولة بالقانون طالما لم يتعدى على حرية الآخرين وخصوصياتهم
أو يسيء إلى المجتمع. وترتبط حرية الفرد بقيم وأخلاق المجتمع وترتبط حقوقه
وواجباته على حسب مشاركته في المجتمع فكلما ازدادت مشاركته ازدادت حريته. لذا تكون
الحرية ذاتية الاستخدام ولا تكون تابعة للأهواء الشخصية لأنها أهواء قد تكون جامحة
وتتعدى على حرية الغير فتكون مراقبتها ذاتية من الفرد لنفسه فتحكمه الدوافع
والرقابة والعادات والتقاليد والأخلاق الاجتماعية للمجتمع. وتكون بمعرفة الفرد
بحقوق الغير وحق الآخر لعدم التعدي عليه وعلى حقوقه الشخصية. فيكون الفرد حراً بأن
لا يجبره أحد على فعل شيء أو ينهاه عن فعل شيء طالما لا يؤذي غيره.
ومع رقابة
الفرد الذاتية يوجد رقابة النصح بالحسنى دون وصاية (الأمر بالمعروف) مع القانون
والحدود التي تردع أي انحراف يضر المجتمع وحقوق الآخرين. وتكون رقابة القانون معهم
على التوازي التي يحد على الفرد أن يشرد عن أخلاق المجتمع فيحاسب بالقانون الذي
يحمي المجتمع دون كبت للحرية الشخصية وإنما بوضعها بالإطار السوي والسليم. فيخلق
التوازن بين الحرية الكاملة للفرد وبين حرية المجتمع.
فيدعو منهج
الفكر الإسلامي إلى الحرية في كل شيء ولكن حرية الفرد تنتهي عند حقوق الآخرين حتى
لا يتم انتهاكها فلا حرية بالإضرار بالآخرين. فتحكم الحرية الفردية حتى لا تجنح
شيئين هما سيطرة النفس على الأهواء وعدم الرزيلة والثانية حق الغير وعدم التعدي عليه.
والرادع للتعدي على هذا هو القانون.
قال عمر بن
الخطاب:-
(متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
تأكيداً على
فلسفة الفكر الإسلامي في حرية الفرد وعدم وجود عبودية أو استغلال لأحد بأي طريقة.
وبالطبع
الحرية الفردية هنا تطبق على جميع أفراد الدولة دون تفرقة أو عنصرية ومن ضمن التطبيق
للحرية الشخصية هو ضمان حرية العقيدة وعدم الاضطهاد الديني.
ب- حرية
العقيدة وعدم الاضطهاد واحترام مقدسات الغير:-
-قال الله
تعالى:-
(لَكُمْ
دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).
(وَقُلِ
الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ).
(لَا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن
يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22).
(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ
حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)
(وَلَوْ
شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا
أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ).
( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ
مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن
يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ).
(وَلَا
تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ) .
(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا
يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى
اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
(لَّيْسَ
عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ).
(إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ
إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)
(وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
جاء منهج
الفكر الإسلامي بالتسامح وخاصهً في الدين وعدم إرغام أحد على اعتناق الإسلام وجعل
من حق الفرد أن يعظ الناس ويبشرهم بالحق ولكن دون إجبار لأحد وهذا المقصد بقول
الله (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).
وتكون العظة
والجدال بالحسنى بقول الله تعالى (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ).
فأكد الله
على رسوله الكريم أنه لا يسيطر على أحد فلكل فرد حرية العقيدة وما هو إلا مبلغ
للرسالة ومنذر لهم وعدم الاعتداء على أصحاب الديانات الأخرى المسالمين لنا وأن
الذي سيفصل في النهاية هو الله والحكم له ولا سلطة لأحد على أحد في اختيار العقيدة
والدين. فلذا يكون لكل فرد حرية العقيدة التي يختارها.
فنجد أنه حتى
عند فتح مدن جديدة لم يحاول المسلمون إجبار أحد على اعتناق الدين وترك لكل فرد
حرية الدين واختياره دون إجبار بعكس بعض الحضارات السابقة كالدولة الرومانية التي
كانت تحارب المسيحية وحتى بعد اعتناقها المسيحية أصبحت تضطهد أصحاب الديانات الأخرى
من اليهود وغيرهم.
وأكبر دليل
على حرية الدين عندما ترك الرسول يهود المدينة على دينهم عند بداية الحكم وتأسيس
الدولة دون تدخل في دينهم أو إجبار على تركه بل أكد على حرية العبادة والدين وممارسة
الشعائر كما رأينا في وثيقة المدينة.
وموقف نصارى
نجران عندما وفدوا على النبي بالمدينة ليحدثهم عن الإسلام ويدعوهم له، وكان الوفد
مكون من عبد المسيح العاقب على رأسهم والأيهم والأسقف أبو حارثة بن علقة، وحضرتهم
الصلاة فقاموا صلوا في المسجد، وعندما اعترض البعض فقال النبي:-
(دعوهم،
فصلوا إلى جهة المشرق أي جهة بيت المقدس حيث قبلة النصارى).
ثم رحلوا عن
المدينة دون أن يسلموا ولم يجبرهم على الإسلام أو ينهاهم عن الصلاة، وقبلوا الدخول
في حلف النبي والأمة وقالوا له: ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا
في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا. وأرسل معهم أبو عبيدة بن الجراح قاضياً لنصارى
نجران، وظهر هذا أيضاً في عهده لهم بحماية الرهبان والأسقفيات وعدم التعرض لها.
فكان هذا دليل على حرية العقيدة واحترام مقدسات الغير.
ونجد في
رسائل النبي للقبائل التي أسلمت أو هادنت الدولة الإسلامية يقول دائماً أن (من كان
على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية).
أي لا يجبر
أحد على ترك دينة.
وأيضاً كل
مدينة فتحها المسلمون تركوا أهل هذه المدن يختارون أي دين يعتنقونه وكان عهد عمر
بن الخطاب وعمر بن العاص لأهل إيلياء (القدس) ومصر سيراً منهم على نهج الرسول ولم
يهدم أي دور من دور العبادة ووجدناها في عهدهم لهذه الأمصار والمدن (بنقطة العدل).
بل ونجد أن
موقف عمر بن الخطاب في بيت المقدس عندما أراد الصلاة وكان بالكنيسة فخرج ليصلي
خارجها وسئل: ألا تجوز الصلاة فيها. قال: خشيت أن أصلى فيها فيزيلها المسلمين من
بعدي ويتخذونها مسجداً.
فأنه من
المواقف الهامة والقوية التي تدل على حماية العقيدة وحرية العبادة وحماية دور
العبادة لأي دين آخر وحماية مقدسات الأديان الأخرى.
وأيضاً بعد
فتح بلاد فارس التي كانت عبادتهم للنار وهى ديانة غير سماوية تركت لهم حرية
العبادة بعد أن قال عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب أن النبي قال عن أصحاب هذه
الديانات الغير سماوية (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) لمعاملتهم بالحسنى والخلق الحسن.
والدليل على
بقائهم على دينهم هو أنه تم الصلح والفتح لكل هذه المناطق على دفع الجزية مقابل
الحماية وعدم اشتراكهم في حروب المسلمين. فدفعوا الجزية لأنهم غير مسلمين مما يعني
بقائهم على دينهم ولم يرغمهم أحد على الدين الإسلامي، فالفتوحات الإسلامية لم تجبر
أحد على اعتناق الدين، فالمصالحات التي تمت في مصر والعراق والشام تمت مقابل
الجزية أي كلا منهم ظل على دينه وتحولوا إلى الإسلام بعد مرور الوقت بالتعامل مع
المسلمين وبالتدريج والمعاشرة والمعاملة الحسنة انتشر الدين وتحول أهلها للإسلام
وبقى منهم من بقى على دينه، ولم يجبر أحد على تغيير دينه وكان للجميع حرية
العبادة.
ونجد من
الأمثلة على حرية العقيدة وعدم الإجبار على اعتناق الدين، مسيلمة الكذاب الذي ادعى
النبوة على عهد النبي لم يحاربه النبي ولم يجبره أحد على العودة للدين دليل على
حرية الاختيار. فلم يجبر أحد على اعتناق الدين ولم يقتل أحد لارتاده عن الدين.
وعن ابن
عباس قال: أن آية (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) نزلت في رجل من الأنصار من
بني سالم بن عوف يقال له : الحصيني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما
وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا فلما عزما على الذهاب
معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في
آثارهما. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا
النصرانية؟ فأنزل الله فيه هذه الآية للتأكيد على حرية العقيدة.
ونجد أنه
كان لعمر بن الخطاب خادم نصراني اسمه (أسق) حدث السن فقال: كنت عبداً نصرانياً
لعمر فقال لي: أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين لأنه لا ينبغي لنا أن
نستعين على أمورهم بمن ليس منهم فأبيت فقال لي (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
فلما حضرته الوفاة أعتقني وقال اذهب حيث شئت.
فلم يكرهه
على تغير دينه طوال خدمته بل احتفظ بدينه ومارس شعائره بكل حرية حفاظاً على حقوقه
الدينية.
حتى إن
الخليفة المعتصم أمر بمعاقبة إمام ومؤذن اشتركا في هدم معبد للمجوس لاستخدام حجارته
في بناء مسجد.
وهذا للحفاظ
على الحقوق والمعتقدات والأماكن الدينية وحماية حقوق الأقليات والتأكيد عليها وعلى
عدل الدولة الإسلامية ولا اعتداء على أحد للخلاف في الدين بل حمايتهم.
فأعطى
المنهج الإسلامي الحرية الدينية لكل فرد دون أن يجرح مشاعر أحد ولا الاعتداء على
خصوصية أحد فكل فرد حر في اختيار دينه وما علينا إلا التبليغ والهداية بالحسنى
فقط. فلا جنح على أحد إن احتفظ بدينه ولكن واجب علينا النصح والإرشاد وتبليغهم
بالحسنى وعلى الله الهدى ولهم حرية العبادة والحماية لمعتقداتهم.
وأيضاً حرم
الله علينا الاعتداء على من لم يعتدي علينا حتى لو اختلف في العقيدة وهذا لإمكانية
الجيرة والعيش سوياً والتزاوج بل والمشاركة في الدفاع عن الوطن كما شارك اليهود في
الدفاع عن المدينة وهذا هو أساس التعامل مع الغير.
ونجد أن
الرسول تزوج من سيدتين كانتا كتابيات (يهودية ومسيحية) كما أحلهم الله لنا بعد أن
نأتيهم أجورهن أي مهورهن وحقوقهن كاملة كالمسلمات دون أي تفرقة. ولم يجبر أحد من
زوجاته وهن كانوا من أهل الذمة وهم السيدة مارية وكانت قبطية والسيدة صفية بنت حيي
وكانت يهودية على اعتناق الإسلام، ولِمْا رأوا من الرسول من سماحة الدين وعدم
التفرقة بينهم وبين زوجاته. وهكذا أعطي للمسلمين رخصة للزواج بأصحاب الديانات الأخرى
وحسن المعاملة لهم كما فعل الرسول.
-فقال الله
تعالى:-
(وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
فإن المودة
والرحمة لازمة بين الأزواج ولم يحدد دينهم وأن نتركهم على دينهم ولا نجبرهم على
تركه فالاختيار لهم بحرية.
وأكد الله تعالى
على أن الرسالة التي أرسلت على الكتابيين نحن يجب أن نحترمها ونؤمن بصحيحها تمام
الإيمان وبرسلها، هذا غير أننا جميعاً نعبد الإله ذاته.
فلا يحق
لأحد تكفير الآخر أو نبذه من أجل دينه بل تكون الحياة بتقبل الآخر رغم أي خلاف من
أجل الانصهار في مجتمع متحاب ويعيش بسلام. واتفق العلماء على أنه إذا صدر قول لرجل
يحتمل التكفير من مائة وجه والإيمان من وجه واحد فلا يجوز حمله على الكفر، والفاصل
بالنهاية والحكم هو الله.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ
وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
-وقال الله تعالى:-
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا
اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ
مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ
بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وهذا لمنع
سب الأديان الأخرى احتراماً لعقائد الغريب مهما كانت ديانتهم وحتى لا يسبوا دين
الله، وأن المشاركة بالطعام والحياة حتى يتعلم الجميع العيش المشترك، وتقبل الآخر
فلا يتم اضطهاده.
وقال الإمام
الغزالي في كتاب (فيصل التفرقة في الإسلام والزندقة):-
(أنه لا يسرع
في التكفير إلا الجهلاء).
فإنه لا يصح
في المنهج الإسلامي أن يتم تكفير أحد مهما بلغ درجة كفره بالله فما بينه وبين الله
لا يخص أحد غيره.
فأكد منهج
الفكر الإسلامي على عدم إيذاء أي أحد لمجرد الاختلاف في العقيدة كما ذكرنا بوثيقة
الرسول بالمدينة بنقطة مفهوم الأمة في هذا الباب في نقطة رقم (25) فالكل حر في الاعتقاد
بدينه ولا يحمل أحد على ترك دينه أبداً والتي تقول:-
(وإن يهود
بني عوف أمه مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من
ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ –يفسد- إلا نفسه وأهل بيته).
فالجميع
بوطن واحد متوحدين فيه على اختلاف دينهم وعرقهم من أجل توحيد الأمة والتأكيد على
حرية العقيدة.
ووجدنا
بالوثيقة في نقطة (مفهوم الأمة) مادة تعطي الحرية لأصحاب الديانات الأخرى الاحتكام
إلى شرائعهم في أحوالهم الشخصية دون تدخل من أحد حفاظاً على حقوقهم وتمسكهم
بالدولة التي تعطيهم كامل حقوقهم الدينية والشخصية.
وهذا
تأكيداً على ضرورة وأهمية التعايش السلمي بين الأديان وأفراد الأمة، وهذا لأنهم من
مكونات كل أمة ويكونون مشترك عامل في الدولة وضرورة التعامل والتعاون بينهم من أجل
ازدهار هذه الأمة وعدم وجود بغضاء بينهم من أجل ترسيخ الوحدة في صفوف أفراد الشعب
وعدم انقسامه بسبب أي أفعال عنصرية أو طائفية. فكل فرد مكفول له حق العبادة بحرية
دون تدخل أو إجبار أو سيطرة من أحد مع احترام حقوق الأقليات.
ووجدنا في الاستهلال
في بداية الكتاب شهادة بعض المستشرقين عن السماحة في الإسلام والحكم الإسلامي بسبب
التأكيد من الفكر الإسلامي على حرية العقيدة لكل فرد وضمانها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم