30- لا يوجد
ثيوقراطية بالفكر الإسلامي أو حكم رجال الدين: -
-قال الله تعالى:
-
(وَلَا
تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ
لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).
وهذا لعدم
التجارة بالدين وعدم الدعوة للانتخاب باسم الحلال والحرام أو باستخدام الدين من
أجل المناصب.
-قال النبي صلى
الله عليه وسلم: -
(إنما هو
الظن إن كان يغني شيئاً فأصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما
قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله ما كان من أمر دينكم فإلى وإن كان شأناً من أمر
دنياكم فشأنكم به أنتم أعلم بأمور دنياكم).
(إنما أنا
بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر).
وهذا تأكيد
من الرسول على أن الحاكم بشر يحكم في الدنيا والدولة من خلال فكره على أساس
المرجعية الإسلامية وضرورة مراجعته والتفكر في كل أمر ورأي. فكل رأي يحتمل الصواب
والخطأ في الأمور الدنيوية.
(من جاء بضالته
في المسجد فلا تجيبوه).
ولهذا مدلوله
في عدم استخدام الدين وبيوت الله في أي شيء دنيوي كدعاية أو انتخاب أو ما إلى ذلك
غير الأمور الدينية.
قال الإمام مالك:
-
(إنما أنا
بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق
الكتاب والسنة فتركوه).
فيجب التفكر
في كل أمر، ولا يوجد أحد يحكم باسم الله وكأنه مفوض منه وأن قراراته وأحكامه لا
يخطئ فيها، فالجميع بشر قد يصيب وقد يخطئ والحكم هو العقل.
وتأكيد الرسول
على الشورى مع أصحابه في أمور كثيرة في إدارة الدولة في حالات السلم والحرب وأن
رأيهم ملزم للحاكم مع ضرورة تقويم الحاكم وتوجيه النصح والإرشاد له والخروج عليه
إن لم يستقم، مع وجود حرية للرأي والتعبير كما وضحنا في النقاط السابقة تؤكد على
عدم وجود الثيوقراطية وحكم باسم الله في منهج الفكر الإسلامي وإلا كان استخدمه النبي
لكنه لم يفعل ليؤسس مبادئ الشورى والحكم المدني الديمقراطي بعيداً عن الثيوقراطية.
وفي البداية
لا بد أن نوضح معنى الحكم الثيوقراطي أو الحكم باسم الله، وهو أن يتعامل الحاكم مع
الشعب أن حكمه وقراراته من عند الله ولا يخطئ في حكمه، وكأنه مفوض من الله. وأن
معارضته هي معارضة لحكم الله ومن عارضه يتم تكفيره، فهذا خطأ ومرفوض تماماً. ويكون
الحكم فيها بوجود سلطة دينية على السلطة السياسية تتحكم في قراراتها وفي الحكام.
فلا يحق لمن
يحكم أن يستخدم السلطة الدينية وكأنه مفوض من الله ويحكم باسم الله. فلم يفعلها
الرسول أبداً ولكن إن كان يحكم بمرجعية دينية وعلى أسس الفكر الإسلامي كأيدولوجية
فالوضع مختلف ولا مانع من هذا. فلا خلط بين الدين والسياسة هكذا لأنه لا يوجد
حكومة دينية تحكم باسم الله وإنما حكومة مدنية تحكم بمرجعية كلام الله وشرعه وهناك
فارق كبير. فتكون القوانين مثلاً على حسب الشريعة ولكن يتحكم في سنها المجالس
التشريعية والمحاكم الدستورية للنظر في مدى دستوريتها وليس عن طريق سلطة دينية
تفرض رأيها، ولا يحدث أن تتحكم السلطة الدينية في السلطة السياسية أو العكس من أجل
أهدافها الخاصة ومن أجل الاستبداد وفرض السيطرة على الشعوب باسم الدين. فلا يحدث
سيطرة من السلطة دينية على السلطة السياسية والتشريعية.
فقال ضياء
الدين الريس: -
(إذا كان
الدين لا يعنى بشئون الدنيا فلم كانت هذه التشريعات التي جاءت بها للمعاملات والقواعد
التي وضعها لحفظ الأموال؟ والتنظيمات التي أوجبها لحفظ الأسرة؟ ولصون الحياة
نفسها. أوليس هذا كله في الدنيا؟)
فالمرجعية
بالفكر الإسلامي هي أيدلوجية ومنهجية للدولة في السياسة والاقتصاد والقانون وكل
نواحي الحياة لا علاقة بها بدين المطبق لها ولكنها مستقاه من الدين الإسلامي.
فبدون الدين والمرجعية تنحرف الدولة وبدون الدولة لا ينتشر الدين فبالفكر الإسلامي
بنيت الحضارة والدولة وبالدولة انتشر الإسلام كدين في أماكن متفرقة.
-الأمثلة: -
1- قال الله
تعالى: -
(إِنَّا
أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ
اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا).
فيعني هذا
إقامة حكم مدني على أساس حكم الله ومن روح الشرع والفكر الإسلامي وفلسفته في
الدنيا وأمور الدولة والحياة.
2- أستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: -
(من جاء
بضالته بالمسجد فلا تجيبوه).
فإن كنا لا نجيب
من جاء يبحث عن ضالة له أو أي طلب دنيوي بالمسجد، والإمامة والولاية طلب دنيوي
فلذا لا تستخدم دور العبادة إلا للعبادة حتى لا يتم استخدام الدين لخدمة أهداف
سياسية خاصة. وبالتالي عدم إجابة طلب من يستخدم الدين بأمور دنيوية. وعدم الموافقة
على من يروج أن رأيه من عند الله أو أن من ينتخبه سيدخل الجنة. فهذا مرفوض.
3- قبل دخول
النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة طلب من المهاجرين والأنصار (شعب الدولة
الجديدة) أن يبايعوه كحاكم على أن يسيروا بحكم الله وسنة رسوله أي أنه طلب أن
يبايعوه في بيعة العقبة الثانية على الترشح لحكم الدولة التي سيبدأ في بنائها عند
دخول المدينة ولم يفرض نفسه عليهم رغم أنه الرسول من عند الله ولكن لأن هذا عمل
دنيوي لا يدخل فيه سلطة الدينية.
4- أن النبي
طلب من أهل المدينة بعد البيعة أن يختاروا لهم نقباء عنهم يبلغوا أهلهم عنه ويعاونوه
في الحكم من المهاجرين والأنصار لإدارة الدولة والمشورة بدون سيطرة باسم الله منه.
5- في غزوة
بدر عندما عسكر المسلمون سأله الحباب عن قرار العسكرة في هذا المكان: يا رسول الله
أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الرأي
والحرب والمكيدة. فقال الرسول: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: له إن هذا ليس
لك بمنزل فأنهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم (قريش) فننزله. ففعل كما قال
تدليلاً على الأخذ بالرأي الأفضل والأسلم لأنه الأسلم للدولة ولم يقل إنه من عند
الله لأنه رسوله فوضح بهذا التمايز بين الرسالة النبوية وبين الرئاسة الدنيوية وأن
الخلاف في الرأي معه ليس خلاف في الدين وإنما خلاف في أمر دنيوي.
1- في غزوة أحد عندما شاور أهل الشورى في الحرب إما انتظار
قريش بالمدينة والتحصن بها أو الخروج وكان رأيه الانتظار بالمدينة ورأي الأغلبية
الخروج لهم فوافقهم ولم يقل إن رأيه من عند الله ولكن أرسى مبادئ الشورى والحكم
المدني وأن الخلاف خلاف رأي ولم يكن خلاف في الدين.
2- في غزوة الخندق عندما كان سيعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان
ونجد، لعدم مهاجمة المدينة وعدم التحالف مع قريش ضد المدينة ورفض الصحابة فوافقهم
رأيهم ولم يتمسك برأيه ولم يستخدم أي سلطة دينية.
3- عندما علم بفعل القوم بأنهم يلقحون النخل بأيديهم فقال
ما أظن ذلك يغني شيئاً فتركه القوم عندما علموا وبعدها صار الثمر شيصاً فلما
راجعوا الرسول قال صلى الله عليه وسلم: -
(إنما هو
الظن إن كان يغني شيئاً فأصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما
قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله ما كان من أمر دينكم فإلى وإن كان شأناً من أمر
دنياكم فشأنكم به أنتم أعلم بأمور دنياكم).
4- قول النبي صلى الله عليه وسلم: -
(إنما أنا
بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر).
ففصل النبي بين
الواجب الديني في تبليغ الرسالة وبين الحكم الدنيوي الذي يحتمل الخطأ فيه واعترافه
به وأن على الناس التفكير فيه. ولم يقل إن أمره من الله في أمور الدنيا ليؤكد على أنه
بشر مثل الناس لا يقول إنه مفوض من الله إلا في الأمور الدينية فقط.
10- قال
الرسول لقواده: -
(اغزوا باسم الله في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله
وأغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من
المشركين فأدعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم. وإذا
حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا
ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك أهون من أن تخفقوا ذمة الله وذمة رسوله
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن
أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا).
دعوة إلى إقامة أعدل الأحكام المدنية على أساس حكم الله
ومن روحه، ورفضاً باتاً لدولة الكهنوت. وليس المعنى هنا رفض حكم الله وإنما حكم الدولة
بما يتناسب مع قدرتها على تطبيق حكم الله. لأننا كما قال الرسول لا ندري إن كنا
سنصيب حكم الله أم لا لشدة عدله لأننا بشر وقد نخطئ. فنحكم في الدولة بمرجعية
الفكر الإسلامي كمنهج دنيوي.
11- لم يوافق النبي على طلب أبا ذر الغفاري للولاية رغم
كل تدينه وقال له صلى الله عليه وسلم: -
(إنك أمرؤ فيك ضعف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي
وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه لها).
فالاختيار ليس على أساس الأصلح دينياً وإنما الأصلح
للحكم والأقوى والأفضل للأمور الدنيوية. فلم يخلط بين الصلاح الديني والدنيوي.
12- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: -
(إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر).
وهذا أكبر دليل على أنه عمل دنيوي لا سلطة دينية فاجتهاد
الحاكم دعوة للتفكر في الأمور السياسية والدنيوية على أساس مرجعية ثابتة عادلة.
13- كان
الرسول يستشير أصحابه في الأمور الدنيوية ولم يكن يستشيرهم في الأمور الدينية لأنه
في الأولى حاكم وكان يرسي مبادئ الشورى ولم يقل إنه مفوض من الله ولم يستبد بالحكم
بل جعله مشاركة وشورى أما في الثانية هو رسول مفوض من الله وينطق كلام الله.
فقال الله تعالى:
-
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)).
والأمثلة
بنقطة الشورى في هذا الباب تدل على تمسك النبي بالمشاورة للناس والصحابة في كل
أمور الحكم والدنيا ولم يحكم أبداً وكأنه مفوض من الله.
ونجد قول الإمام
أحمد بن حنبل عندما سئل أيهم أفضل لقيادة الجيش التقي الضعيف أم القوي الفاجر قال:
-
(القوي
الفاجر طبعاً لأن فجره لنفسه وقوته للمسلمين أما التقي الضعيف فتقاه لنفسه وضعفه
ضعف على المسلمين).
وقال الإمام
محمد عبده: -
(ولا يجوز
لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج –ثيوكرتك- أي سلطان
إلهي فليس للخليفة بل ولا القاضي أو المفتي أو شيخ الإسلام أدنى سلطة على العقائد
وتحرير الأحكام وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي
فليس في الإسلام سلطة دينية بوجه من الوجوه بل إن قلب السلطة الدينية والإتيان
عليها من الأساس هو أصل من أجل أصول الإسلام).
وقال في
مقال له يرد به على هانوتو في هذه المسألة: -
(أن الإسلام
لم يعرف أبداً السلطة الدينية التي كانت موجودة في أوروبا وجمع السلطتين معاً ولم يحدث
أن عزل إمام أو شيخ رئيس أو ملك مثلما كان يحدث مع البابا في أوروبا وتقرير
الضرائب وصنع القانون وقررت الشريعة سلطة للحاكم غير القاضي غير الشيخ والقانون المدني
الإسلامي يسمح بوجود موظفين على اختلاف الدرجات من ديانات مختلفة).
فنجد أن
النبي من هذه المواقف فصل بين كونه نبي يوحى إليه من الله ولا يخطئ فيه وبين كونه
حاكم دنيوي لدولة يستشير أصحابه وأهل الشورى في أمورها وقد يصيب وقد يخطأ في
قراراته في الدنيا كما رأينا، بل يعدلها لما هو أصلح للدولة.
إذن فالشاهد
من الأمثلة أن حكم رجال الدين ليس الرجل الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله وأمر
الله فهذه مرجعية فكرية وأيدولوجية الفكر الإسلامي وأفكاره التي نتحدث عنها، ولأن أي
شخص سياسي متدين ويريد أن يحقق العدل في الدولة وبناء حضارة لها سيفعل هذا ولكن
المقصود هو من يحكم باسم الله وكأنه مفوض من قبل الله على الأرض وأنه ظل الله في
الأرض، وأن كلامه من عند الله لا يراجع فيه ومن يرفضه يتم تكفيره لأنه معارض، وهذا
مرفوض رفضاً باتاً. فلا يوجد في الفكر الإسلامي من يبلغ باسم الله غير الرسول حتى أنه
نفسه لم يستخدم اسم الله في الأمور الدنيوية ليفرض رأيه وإنما تكون باسم الله
المرجعية الدينية للدولة. وقد جاء من بعده الخلفاء الراشدين ولم يحكموا باسم الله
ولكن حكموا بأمر الله وكتابه وسنة رسوله، فالمنهج الإسلامي ضد من يحكم ويقول أنا
مفوض من قبل الله للحكم أو من يقول انتخب فلان من أجل الجنة أو صوت بنعم أو لا من أجل
حجز مكان بالجنة. بل يكون الانتخاب للأكفأ والأصلح للدولة، وأيضاً ضد أن يوجد إمام
ديني يعين الحاكم ويوجهه على هواه ويخلعه ويعين غيره كما يريد فلم يحدث هذا في
الفكر الإسلامي في عهد النبي والخلفاء الراشدين من بعده. فلا يوجد من له الحق
للحكم باسم الله فالحاكم ليس منزل من عند الله بل قدر العلماء أعلى وأرفع من
الحاكم فالإمام مالك أنزل الخليفة هارون الرشيد وأقعده مع العامة عند إلقاء الدرس
لأنه أصبح في مقام طلبة العلم فكيف يكون مفوض من الله للحكم باسمه.
فالحاكم لا يكون له أي سلطة دينية في الحكم فلم
يستخدمها الرسول أبداً كما وضحنا وفصل بين كونه نبي وكونه حاكم فلم يلقب مثلاً
بخليفة الله، فهو كونه مبلغ عن الله الدين ولكنه لم يحكم بسلطة دينية. وهكذا أبو
بكر لقب بخليفة رسول الله ومن بعده عمر بن الخطاب لقب بأمير المؤمنين. فكان
تأكيدهم أنها سلطة سياسية وإمارة وحكم كوكلاء للناس في إدارة الدولة وليست سلطة
دينية على أحد. ولم يحكموا باسم الله وإنما بكتاب وحكم الله، ومن خالفهم تحاوروا
معه ونزلوا للرأي الصواب ولم يكفروا أحد أو ينكروا الخلاف على أي أحد أو يتهموا
أحد بمخالفة الدين في ذلك بل شجعوهم بالشورى والحوار للوصول للصواب.
فلا يوجد توحد
في القوة الدينية والقوة السياسية أو كهنوت في المنهج الإسلامي، ولكن السياسة
والدولة تكون بمرجعية دينية وأيدولوجية الفكر الإسلامي العادلة التي تحكمها من الانحراف،
فيكون الفصل بين المؤسسة الدينية والسياسية ولا تتحكم إحداها بالأخرى، ولا خلط
للدين بالسياسة ولا يستخدم الدين من أجل المصلحة السياسية وإنما العكس السياسة هي
من تستخدم لخدمة الدين ونشره عن طريق سياسة الدولة الصالحة مع العالم بالأخلاق
والمبادئ والتفرقة بين العمل الدعوي والعمل السياسي. ويدعو الفكر الإسلامي إلى استخدام
السياسة بمنهج الدين الصحيح فتصح السياسة وتكون نظيفة ولكن استخدام الدين في طريق
السياسة الخاطئة يكون نتيجتها أن ينحرف الدين عن أهدافه فلا يستخدم الدين لأهداف
سياسية بل العكس ليكون استخدام السياسة لخدمة أهداف الدين في نشر العلم والأخلاق
والفضائل والحق والعدل والمساواة فتصح السياسة نتيجة لهذا. والفكرة تكون في عدم استخدام
للدين في السياسة أو استخدام السياسة في الدين وإنما استخدام السياسة بفلسفة ومنهج
إسلامي لخدمة الدين لأن السياسة جزء من الدين، فهما لا يفترقان ومتلازمان ومرتبطان
وبهما تتحدد كل حياتنا فكل ما يدور بالحياة محكوم بهم.
وتؤكد فلسفة
الفكر الإسلامي ألا يتم انتخاب أحد لأنه يمثل الدين لأنه لا يوجد من يمثل الدين أو
أنه مفوض من الله أو لأنه رجل دين، ولا يتم اختيار جهة دينية لمرشح بعينه أو تحديد
شروط لمن يترشح فلكل فرد الحق السياسي الكامل في الانتخاب والترشح والاعتراض، ولكن
يتم انتخاب من يريد إقامة العدل والديمقراطية والمدنية وتطبيق تعاليم الله بالمنهج
الإسلامي، ومن يمتلك الكفاءة والخبرة بما يراه الشعب فيه وفي برنامجه الانتخابي.
والذي يحدد
الأمر هي السلطة والشرع الذي من عند الله وتنتقل بالنظام السياسي الدستوري
والقانوني والشورى للشعب صاحب السلطة الذي يفوض بالانتخاب لها حاكم ونواب عنه
يعملون ويراقبون الحاكم وهم من يختارونه وليس أي جهة دينية تحدد من المترشح على أي
أساس ديني، وإن أساءوا استعمال التفويض أقالهم الشعب وأتى بغيرهم. فلا يكون بهذا
الحكام وكلاء عن الله وإنما وكلاء عن الشعب صاحب السلطة. فتكون الصلة بين الله
والحاكم هي الشعب وليس عن طريق سلطة روحية لذا لا وجود للثيوقراطية.
ويكون
المراقب للقانون ومدى دستوريته هي المحاكم الدستورية وليس أي جهة دينية تعمل بصفة
كهنوتية على القوانين، فالمحاكم الدستورية هي الفيصل في تطابق القوانين مع الدستور
والشرع أم لا حتى يظل الحكم مدني وليس ثيوقراطي بوجود أي سلطة دينية على القرار
القانوني أو السياسي.
والفكر الإسلامي
ليس ضد أن يترشح أي رجل من الأئمة للحكم بالعكس فهم إن كانوا أهل علم بالسياسة
وعملها فيكونون هم الأصلح للولاية كما حدث مع الخلفاء الراشدين إلا إذا كانوا
ليسوا أهلاً لها ويبحثون عن الدنيا وهنا نقول كما قال الشيخ الشعراوي: إذا رأيتم
رجل الدين يستميت على المنصب فلا تولوه.
ولكن نتمنى أن
يصل أهل السياسة إلى الدين لأنهم إذا صلحوا سَيُصْلحوا ويصلحوا وإن وصل أهل الدين إلى
السياسة سَيُفْسدوا ويفسدوا بسبب الأفعال القذرة للسياسة المعروفة وعدم تطبيق
السياسة الإسلامية الصالحة.
وقد يقول
قائل إن الرسول والخلفاء كانوا يستخدمون المسجد في الحكم فأقول هنا أن وقتها لم
يكن يوجد دور حكم أخرى وكان الزهد في الخلفاء إنهم كانوا يجلسون على الأرض ولا
يتخذون ويبنون القصور وكان عمر بن الخطاب وهو الخليفة ينام على الأرض تحت شجرة
بجوار الفقراء فلم ينظروا إلى أي شيء من هذا القبيل وكان الأهم لهم تطبيق الأسس الإسلامية
في الحكم، ولكن لم يتم اتخاذ أي سلطة دينية.
وأخيراً نجد
أنه لا يوجد في الفكر الإسلامي من يحكم باسم الله وأنه مفوض منه لأن الثيوقراطية
تعني أن الحاكم يحكم باسم الله ومفوض منه ومن يخالفه الرأي فهو يخالف الدين وهذا
غير موجود بالفكر الإسلامي وفلسفته وغير صحيح ووجدناها في تصرفات النبي وأنه لم
يفعل مثل هذا أبداً في أي خلاف في الرأي بل فصل بين كونه نبي يوحى إليه وحاكم
دنيوي لدولة، ويكون الحكم في الدنيا والدولة على أساس المرجعية الإسلامية لا يكون
معناه أنه أمر من عند الله بل هو رأي يحتمل الصواب والخطأ والخلاف فيه جائز لمصلحة
الدولة وبناءها. ولأن القوانين يتم سنها تكون من الهيئات التشريعية ويتم مراجعتها
من هيئة دستورية عليا مستقلة ولا وجود لسلطة دينية عليها.
ومن صميم
المدنية أن تكون الهيئات الدينية منفصلة عن الهيئات السياسية ولا يتم التحكم من
إحداهما بالأخرى حتى لا تتحول لثيوقراطية أو يتم التلاعب بأفكار الشعوب باسم
الدين، فتكون الهيئات الدينية مستقلة بالتعيين والمال وليست تابعة للدولة حتى إن
تعاملوا بالسياسة يكونون مستقلين عن السلطة السياسية ولا يحدث اندماج بينهم ويكون
معارضتهم من أجل الشعوب وليس من أجل الترويج لرغبة الحكام الظالمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم